المرجعية الرشيدة

قائمة الإستفتاءات

شارك الاستفتاء

من عطاء المرجعية الرشيدة

المستوى الاجتماعي

كان سماحة الشيخ (دام ظله) منفتحا ً على المجتمع متواصلا ً معه متعايشا ً مع كل شرائحه حاملا ً لآلامه وآماله، فكان ابن المجتمع رغم ان موقعه هو الحوزة العلمية في النجف الاشرف فكانت عينه راصدة لكل ما يدور في المجتمع ولكل ما يتعرض له من المشاكل والمحن والتحديات، لذلك تصدى سماحته (دام ظله) لقضايا المجتمع فاسس المشاريع وعالج المشاكل واولى ابناء الامة اهتماما ً بالغا ً مؤثرا ً اياها على نفسه وراحته فكان هو المبادر للمجتمع ولم ينتظر المجتمع لكي يطرق الباب عليه، وهنا نذكر بعضا ً من اعمال سماحته في هذا المستوى :

 

1-   اهتمامه بعوائل الشهداء الذين استشهدوا في سبيل اعلاء كلمة الحق ونصرة مذهب امير المؤمنين لاسيما الكوكبة من تلامذة وانصارالسيد الشهيد الصدر الثاني (قد) الذين لم يبخلوا بأنفسهم في سبيل العمل الاسلامي الرسالي مع مرجعهم المقدس الذي قدم روحه فداءا ً لهم وللمجتمع, فساروا على دربه ونهجوا نهجه في طلب الشهادة فقد قام صدام اللعين وجلاوزته بأعدامهم بعد مقتل السيد (قد) فظلت عوائلهم مشردة في بعض الاحيان وفي السجون احيانا ً اخرى والبعض الاخر منهم كان يلاقي المحن والويلات على ايدي الزمرة البعثية بالمتابعة والمطاردة والاستجواب والتعذيب وقطع الارزاق وهدم البيوت.

لذا كانوا بأمس الحاجة الى من يعينهم ويساعدهم على امور دنياهم لاسيما وان اغلب ابناء الشهداء كانوا من الاطفال، فلم ينسهم سماحة الشيخ (دام ظله) وكان اول المبادرين الى مساعدتهم ماديا ً ومعنويا ً وكان يرسل من يتفقدهم ويسأل عن احوالهم, واحاطهم برعاية ابوية خاصة حتى وهم في داخل السجون، واستمرت رعايته لهم حتى بعد الاحداث الاخيرة.

 

2-   اهتمامه الكبير بشريحة الشباب حيث يعتبرهم امل الامة والاساس الذي ترتكز عليه في بناء مستقبلها، فكان كثيرا ً ما يهتم بهم ويستمع اليهم والى مشاكلهم ومعاناتهم في شتى مجالات الحياة ويبذل اقصى جهده في مساعدتهم وحل مشاكلهم وانجاح مشاريعهم واسداء النصيحة لهم. كما انه كثير ما يحثهم على ضرورة التحصيل العلمي الاكاديمي لانه افضل ما يمكن ان يقوم به المؤمن في عمله الاسلامي، ويحاول ان يخلق منهم جيلا ً واعيا ً قادرا ً على تحمل المسؤولية من خلال نصائحه وارشاداته بضرورة ان يرتقي الشاب الى مستوى المؤمن الرسالي الحامل لهموم امته وامالها.

لذا نجده قد كرس جزءا ً معتدا ً به من كتبه ومحاضراته وخطاباته لهذا الغرض العظيم .

 

3-   اهتمامه الكبير بالمرآة وقضاياها: فاهتم سماحته بتفعيل دور المرأة في بناء العراق الجديد كونها تمثل نصف المجتمع ان لم يكن اكثر ولا يمكن ان ينهض مجتمع نصفه معطل، فطالب سماحته بتشكيل وزارة خاصة تعنى بشؤون المرآة واعترض على ما اقره قانون ادارة الدولة من تخصيص ربع مقاعد البرلمان للمرأة وطالب بان لا تكون نسبتها محددة بل يترك الحكم لصناديق الاقتراع لتقرر الاكفأ والاصلح سواء كان رجلا ً او امرآة ومهما بلغ عدد مقاعد كل منهما، فلربما يكون استحقاقها اكثر من الربع.

وكان سماحته (دام ظله) ولا زال يدعم العمل النسوي على جميع الاصعدة لا سيما على الصعيد الحوزوي كما هو واضح في مشروع جامعة الزهراء للعلوم الاسلامية التي تنتشر فروعها في المحافظات وتتكفل بتدريس العلوم الحوزوية للنساء وفق برنامج متطور على غرار جامعة الصدر الدينية حتى وصلت بعض النسوة فيها الى مرحلة اللمعة وهي مرحلة متقدمة في الدراسة الحوزوية.

وهناك ايضا ً رابطة بنات المصطفى بفروعها المتعددة التي تمارس نشاطات واسعة، كما ان سماحته (دام ظله) يستقبل بين الحين والاخر الوفود النسوية الزائرة له ويستمع الى افكارهن ومشاكلهن وسير العمل في مؤسساتهن ويوجه لهن النصائح ويعطي المقترحات والحلول التي تسهل عملهن وترتقي به نحو الافضل بما يخدم مصلحة الاسلام.

كما انه وجه العديد من المحاضرات والبيانات وألف العديد من الكتب التي تعالج مشاكل المرأة وتشخص الظواهر السلبية والانحرافات الاجتماعية في مجتمع المرآة وتعطي التوجيهات والنصائح الاخلاقية التي من شأنها تحرير المرآة من الجاهلية المعاصرة المتمثلة بعبادة الاوثان الحديثة كالموضة والتجديد في الازياء ومواد الزينة والولع بمشاهدة التلفزيون والمسلسلات والاغاني.

كما انه لم يتوانى في الدفاع عن المرأة ضد الموجة العارمة القادمة من الغرب والتي تستهدف المرأة وتدعو الى تحريرها من الحجاب والالتزام بالاحكام الاسلامية وتحاول اثبات ظلم الاسلام للمرأة وتفضيله للرجل عليها، فتصدى سماحته لهذه الهجمات الشنيعة ورد الشبهات الخاوية واثبت زيفها ورد للمرأة كرامتها وبين احترام الاسلام وتقديسه لها واوضح الحكمة من التشريعات الالهية لحقوقها وواجباتها.

والحديث عن اهتمام سماحة الشيخ (دام ظله) بموضوع المرآة طويل ولا يسعه هذا المختصر ولكن يمكن مراجعة بعض اصدارات سماحته بهذا الاتجاه ومنها (فلسفة تشريعات المرأة) و (دور المرأة في بناء العراق الجديد) و (سلسلة خطاب المرحلة) و (فقه المرأة المسلمة) و (فقه العائلة) و (الحوزة وقضايا الشباب) و (فقه الجامعات) و (سللة نحو مجتمع نظيف) و (سلسلة ظواهر اجتماعية منحرفة) ……الخ

4-   دعمه للعمل الجماعي المؤسساتي ودعوته المتكررة الى ضرورة تظافر جهود ابناء المجتمع وتأسيس اكبر عدد من منظمات المجتمع المدني كالروابط والتجمعات والمؤسسات الثقافية والخيرية والتي تؤدي اغراضا ً واهدافا ً عديدة تصب في خدمة المجتمع المسلم وتوعيته ورقيه كما ان مجموع هذه المؤسسات يشكل سلطة خامسة تمارس دور تقويم الانحراف والاعوجاج الذي قد تقع فيه السلطات الاربعة الاخرى ( السلطة التنفيذية , السلطة التشريعية , السلطة القضائية ، الاعلام ).

لذا رأينا العديد من الشباب المؤمن الرسالي وهم يبادرون الى انشاء وتشكيل العديد من هذه المؤسسات التي تمارس انشطة عديدة ثقافية واجتماعية وخدمية واقتصادية، ولم يكن هذا العمل على مستوى الرجال فقط بل اشتركت المرأة في العمل في العديد من هذه التشكيلات ولعل ابرز التجمعات النسوية ما يعرف برابطة بنات المصطفى.

بل انه وجه الى ضرورة اجتماع هذه المؤسسات في هيئة عامة ومركزية لغرض توجيه ودعم وتقوية العمل في جميع المؤسسات ولتشكيل قوة مؤسساتية يمكنها ان تمارس ادوارا ً عظيمة لا سيما فيما يخص المطالبة بحقوق الشعب ومراقبة عمل السلطات الحكومية وقد تحقق هذا الامر في مشروع (الهيئة المركزية لمنظمات المجتمع المدني (همم))، التي ضمت عشرات المنظمات الخيرية والثقافية التي اجتمعت لتحقيق تلك الاهداف العظيمة وهي تعمل برعاية سماحة الشيخ (دام ظله) وهو يوجهها ويناقش عملها بما يرتقي بها نحو الافضل في خدمة الامة الاسلامية.

 

5-   دعمه المادي والمعنوي لكثير من الحوزات العلمية الرجالية والنسوية ومدارس تعليم القرأن ومدارس تعليم الاطفال وغيرها من المؤسسات العلمية التي تشكلت حديثا ً بعد سقوط الطاغية، حيث تضم هذه المؤسسات والمدارس عددا ً كبيرا ً من الشباب والاطفال والنساء وهذه المؤسسات مرتبطة بشكل مباشر بسماحته (دام ظله).

 

6-   استقبالة للزائرين يوميا ً والذين يأتون الى النجف الاشرف من اماكن شتى في العراق, من القادة السياسيين وقادة الاحزاب وعلماء وطلبة الحوزة والتجمعات والمؤسسات ووفود العشائر وطلاب واساتذة الجامعات وغيرها من الوفود التي تمثل مختلف شرائح المجتمع، حيث يستمع لهم برحابة صدره ويجيب على اسئلتهم واشكالاتهم ويعطي حلولا ً للمشاكل والمعوقات التي يواجهونها في عملهم.

كما انه يذكرهم بالله وضرورة لزوم امره وطاعته والتحلي بأخلاق النبي واله وأن يكونوا واعين صابرين تجاه ما يواجههم من احداث ويذكرهم بقضيتهم الكبرى وهي انتظار الامام المهدي (عج) وضرورة الاستعداد له ويبين لهم التكليف الشرعي تجاهها، وقد سُجل بعض هذه اللقاءات في سلسلة من الاقراص الليزرية التي بلغ عددها المئات.

 

7-   مساهمته الفاعلة في حل الكثير من المشاكل التي يعاني منها المجتمع العراقي على جميع الاصعدة من خلال مراقبته عن كثب لكل ما يحصل في الساحة العراقية واطلاعه على المشاكل الحاصلة وابداء وجهة النظر فيها واعطاء الحلول العملية لها، وهذا يتضح بشكل جلي للمتتبع لبياناته ورسائله المختلفة الى جهات عديدة من ابناء المجتمع، فكان له دور كبير في احتواء العديد من الازمات الاجتماعية وحل بعض المشاكل العشائرية في الجنوب والتقليل من عمليات السلب والنهب من خلال نصائحه وارشاداته كما انه يتتبع عملية تبديل المناهج الدراسية، وهناك العديد من المواقف الجلية لسماحته في حل مشاكل المجتمع التي لا يسع المقام لذكرها ، وهذا انما يدل على عمق انتماء سماحته (دام ظله) لوطنه ومجتمعه ورأفته وحرصه على ابناء بلده وانشاده الخير لهم.

 

8-   اهتمامه البالغ بالجامعات العراقية باعتبارها الواجهة الحضارية للمجتمع ومركز تجمع الشباب الواعي المثقف، فيوصي سماحته الطلبة بضرورة الاهتمام بالتحصيل الاكاديمي ويوصيهم بالالتزام بالاخلاق الفاضلة لان العلم وحده لايكفي ويوصيهم بضرورة ابعاد الجامعات عن التناحرات الحزبية والصراعات السياسية.

ويمكن مراجعة الرسالة التي بعثها سماحته الى رؤوساء الجامعات والتي وجه من خلالها مقترحاته الهادفة الى ترقية المستوى العلمي والاخلاقي والفكري لطلبتها كما ذكر فيها المشاكل التي يعاني منها الطلبة وابدى مقترحاته لمعالجة هذه المشاكل .

 

9-   مساهمته الفاعلة في حل ازمات البلاد لا سيما ازمة النجف فقد كان سماحته (دام ظله) من انصح الناس في التعامل مع الاحداث واكثرهم انصافا ً وابتعادا ً عن الانانية فقد كان رأيه منذ ان بدأت المواجهات في شهر صفر من عام 1425 هو العمل من اجل احتواء الموقف وحل الازمة سياسيا ً مع تفهم كامل للمطالب المعروضة.

وقد اجرى اتصالات مكثفة لتحقيق ذلك والمنع من انفلات الامور عن السيطرة وانزلاق الامة الى هاوية خطيرة لم تحسب لها وحلول كوارث لا يعلم مدى فضاعتها الا الله تبارك وتعالى خصوصا ً وان الاعداء محيطون بالامة ويتربصون بها الدوائر.

وقد اصدر سماحته ثلاث بيانات حول هذه الاحداث وطالب مجلس الحكم انذاك بتشكيل لجنة تناقش هذه القضية وتطلب من قوات الاحتلال وقف اعتداءاتها واقتحامها للمدن خصوصا ً مكاتب السيد الشهيد الصدر (قد) التي لها معنى كبير في قلوب محبيه الذين عاشوا حبه لهم وتضحيته من اجل هدايتهم وانقاذهم من عبادة الطاغوت.

وقد كان لهذه المساعي الدور الهام في اطفاء نار الازمة والحفاظ على المؤمنين الرساليين الذين ضحى العلماء في سبيل تربيتهم واعدادهم.

 

10- ايعازه الى مجموعة من المهندسين المؤمنين بتشكيل تجمع المهندسين الاسلامي وهو تجمع يضم نخبة صالحة وكفوءة ومخلصة من المهندسين ينتظمون في اطار العمل المؤسساتي ليكون لهم مصدر قوة وفاعلية في بناء المستقبل العراقي كونهم يمثلون الحجر الاساس في عملية التغيير واعادة اعمار العراق ويقع عليهم العبئ الاكبر لان شريحة المهندسين تعد من اعظم الشرائح الاجتماعية سعة ً وامتدادا ً وتأثيرا ً وهم يلعبون دورا ً كبيرا ً في قيادة الدولة ووزاراتها وخير شاهد انهم يديرون على الاقل سبع وزارات في حين ان المهن الاخرى تخصها وزارة واحدة.

وقد تحقق هذا الامر على ارض الواقع وأنشئ (تجمع المهندسين الاسلامي) في بغداد وبعض المحافظات وهو يهدف الى رعاية حقوق المهندسين والدفاع عنهم وتحشيد خبراتهم ومهاراتهم لبناء المستقبل المشرق وانضاج عمله ليتسلم الحصة الاوفر من مشاريع الاعمار وانقاذ ثروة البلد من الفاسدين الذين يسرقون اموال الشعب بشركات ومشاريع وهمية او ينفذونها بدون مراعاة الشروط والمواصفات الفنية.

ويمثل هذا التجمع ميدان رائع لخلق القيادات الصالحة الكفوءة التي من المؤمل ان تنال ثقة الجماهير وحبها واحترامها وعندها سوف لا تتردد في انتخابها لقيادة البلد، كما ان سماحته (دام ظله) يلتقي بشكل دائم بقيادات واعضاء التجمع ويرشدهم ويدفعهم نحو العمل المخلص وخدمة الصالح العام ويتابع اعمالهم ويوجههم لما فيه خيرهم ونهوضهم وتقدمهم .

 

 

11- طرحه لمشروع التعايش السلمي والوحدة الوطنية بين ابناء الشعب العراقي بعد الوضع المأساوي الذي وصلت اليه الحالة العراقية وهو بديل لمشروع المصالحة الوطنية الذي لم يحقق أي نجاح يذكر لانه لم يبنى على اسس صحيحة، فاقترح سماحته (دام ظله) البدء بمشروع حل الازمة في محافظة معينة وتهيئة اسباب النجاح لها وبالتالي تعميمه على باقي المحافظات ان نجح.

وقد اختار سماحته (دام ظله) محافظة البصرة الفيحاء كنموذج صالح لقيادة هذا المشروع وذلك لوعي اهلها ووطنيتهم المشهود لها وحرصهم على تنظيف مدينتهم من كل مظاهر العنف والتخريب والاضطراب والارباك والفساد، وقد تحرك سماحته (دام ظله) بشكل عملي لهذا المشروع وبعث وفدا ً من طلبة الحوزة العلمية وبعض الاساتذة الاكاديمين للقاء محافظ البصرة ورئيس واعضاء مجلس المحافظة والواجهات الدينية والسياسية والعشائرية في المحافظة ودعوتهم الى تبني المشروع على انه مشروعهم وقد بين سماحته انه مشروع ايجابي وهو بمثابة صدقة جارية تعود بالنفع على مؤسسيه والعاملين على نجاحه .

 

 

شارك الاستفتاء

من عطاء المرجعية الرشيدة

 

المستوى الديـنـي



انطلق سماحة الشيخ بعد استشهاد السيد الصدر الثاني (قد) للاستمرار بمشروع استاذه العظيم في نشر حالة التدين وايصال امور الدين واحكامه وتعاليمه الى كل ابناء المجتمع، فتطرق سماحته من خلال كتاباته ومحاضراته الى العديد من الامور التي غابت عن اذهان المجتمع رغم اهميتها، وعالج الكثيرمن القضايا والمشاكل التي تعصف بالمجتمع على المستوى الاخلاقي والفكري مستخدما ً الاساليب والاليات المتعددة ، فكانت له الكثير من الاعمال والمشاريع اهمها :

1 -
اثارته لموضوع القرآن الكريم ودعوته الناس للعودة الى كتاب الله والعمل بتعاليمه والاستنارة بنوره المبارك حتى لا يكونوا ممن يشكوهم القرآن يوم القيامة، فقد القى سماحته (دام ظله) مجموعة من المحاضرات على طلبة الحوزة العلمية في عهد النظام البائد في خصوص هذا الموضوع وطبعت بمجموعها في كتاب قيم وثمين عنوانه (شكوى القرأن) والذي عرض فيه هذه الشكوى وحاجة المجتمع الى ان يعود القران الى حياتهم فكرا ً وعملا ً، واوضح دواعي الاهتمام بالقرآن والتي منها انه العلاج الناجح لامراض البشرية النفسية والاجتماعية والروحية، وانه مما لا يستغني عنه طالب الكمال والسعادة الابدية.
وهو رسالة الحبيب المطلق، والانسان لا يمل من اعادة قراءة رسالة حبيبه، وان في قراءة القران وتدبر اياته الثواب العظيم والاجر الجزيل وانه حيا ً خالدا ً لكل زمان ومكان ويستفاد منه الحلول الدائمية المستمرة للمواقف المتجددة، وما احوجنا اليوم الى هذه الحلول المباركة في المواقف العصيبة التي نمر بها، كذلك فان فيه اسرار من مختلف العلوم والمعارف، ولا يسعنا في هذه العجالة ان نذكر المزيد مما ورد في هذا الكتاب الثمين فانه موجود لمن اراد الاستزادة.

2-
اهتمامه الكبير بتفعيل دور المساجد في حياة المسلمين والاستفادة من الخدمات الجليلة التي يقدمها المسجد للامة، حيث وجه سماحته المسلمين الى ضرورة احياء المساجد وتفعيل دورها لكي لا تشكوهم يوم القيامة وذلك من خلال مجموعة المحاضرات التي القاها في هذا الخصوص وترجمها بكتاب (شكوى المسجد) الذي بين فيه مكانة المسجد في حياة المسلمين الاوائل وكيف انه كان مقر القيادة والتبليغ ومنطلق الجيوش في عصر صدر الاسلام ثم اشار الى جملة من الفوائد الفردية المترتبة على حضور الناس في المساجد في الجوانب الاخلاقية والروحية والتربوية والعلمية.
وكذلك اشار الى الفوائد الاجتماعية التي تعود على الامة كتقوية الاواصر الاخوية والترابط الاجتماعي بين المسلمين واداء فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واطلاعهم على القضايا المعاصرة المهمة في حياتهم وسهولة اتصالهم بالحوزة العلمية، واوضح فيه دور المجتمع وتكليفه في اعمار المساجد بالحضور فيه والتفاعل معه في تحقيق الفوائد المترتبة.
وحث على بناء وتكثير المساجد وعلى السعي اليها وعدم هجرها، ثم بين سماحته دور الحوزة العلمية في احياء المساجد وكيف يمكن ان يكون المسجد الاداة الرابطة الفعالة بين الحوزة والمجتمع، ودور امام الجماعة في المجتمع ومسؤولياته في المسجد، الى غير ذلك من الامور المتعلقة بالمسجد.
ولعل ما نشاهده من افول لدور المسجد في حياة الامة في وقتنا الحالي دليل على اهمية ما طرحه سماحته (دام ظله) بهذا الصدد.

3-
اهتمامه بقضية الامام المهدي (عج) والتمهيد لظهوره الميمون لما يعتقده سماحته من قرب الظهور المبارك بعد تحقق الكثير من علاماته وتوفر بعض شروطه، فنجد سماحته يحث المجتمع والحوزة على اثارة قضية الامام المهدي (عج) والدفاع عنها وتثبيتها وبيان التكليف تجاهها واكثار ذكره والتوسل به واستدرار الطافه.
كما انه رد الكثير من الشبهات الموجهة لقضية الامام (عج) والتي من شأنها ابعاد الناس وعنه وتنفيرهم منه (عج) كما اوضح وبين الامور التي يشكو منها الامام شيعته وبين واجبات الامة لتلافي وتجاوز تلك الامور بحيث يرتقي المجتمع الى المستوى المطلوب المؤهل لنصرة الامام (عج).
وهو مستمر ببيان التكليف الفردي والاجتماعي تجاه الامام وقضيته في كل الاوقات، ويظهر هذا الاهتمام الكبير بقضية الامام (عج) جليا ً في كتاب (شكوى الامام ) وكتاب (نحن والغرب) وبيان (ما الذي ينتظره الامام من شيعته) وبيان (نحن بحاجة الى مشاريع اعمار كما نحن بحاجة الى مشاريع استشهاد) .

4-
احياءه للفقه الاجتماعي الذي يتضمن التكاليف المتوجهة الى المجتمع بما هو مركب ومترابط الاجزاء، حيث يعتبر سماحته ان الفقه الاجتماعي ضرورة حضارية للمجتمع الاسلامي لا سيما وهو يخوض صراع حضاري مع الغرب، أي انه صراع بين مجتمعات وليس بين افراد ، فيرى ان من الضروري ان يعرف المجتمع المسلم ما هو تكليفه العام في هذا الصراع.
وقد بين سماحته الاسس العامة للفقه الاجتماعي في احدى محاضراته والتي طبعت في كتاب (نحن والغرب)، حيث طرح سماحته الاغراض التي دعته الى تفعيل هذا الموضوع والتي منها ان اهتمام الشريعة بالمصلحة العامة اكثر من المصلحة الشخصية بحيث يضحي بالثانية عند معارضتها للاولى كحفظ النظام وولاية الفقيه، والغرض الاخر هو ان الحضارات التي تتصارع معها الحضارة الاسلامية لها ثقافتها وافكارها ونظرياتها والتي يجب ان تعامل وتواجه بنظريات وليس بمسائل متفرقة وفردية، فان الفقه الاجتماعي يساعد على تأسيس نظريات اسلامية في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتي سوف يكون لها الدور البارز في مجابهة نظريات الغرب الكافر.
والغرض الاخر هو حل المشاكل التي تواجه المجتمع والتي لا يمكن حلها باصدار فتوى الحرمة بل لا بد من وضع نظرية متكاملة للحل تستند الى الشريعة المقدسة وتعالج المشكلة من جميع جوانبها كمشاكل الانحراف الجنسي والفساد الاخلاقي والمعاملات المصرفية المخالفة للشريعة.
كما يرى سماحته ان الفقه الاجتماعي يثري البشرية بعطاء لا حدود له لانه يستند الى شريعة صادرة من اللامتناهي وقابلة للاستمرار على الحياة واستيعاب كل الوقائع، وقد كان لهذا التوجه الاجتماعي لدى سماحته اثر في كتاباته الفقهية فاصدر العشرات منها على شكل مجموعة فتاوى متوجهة الى شريحة اجتماعية معينة، ومن هذه الكتب (فقه الموظفين) و(فقه العمال) و(فقه المزارعين) و(فقه الشرطة) و(فقه الجامعات) و(فقه المصورين) (الفقه وصالونات الحلاقة) و( فقه تجار العتيق) و(قيادة السيارات: احكام واداب) و(فقه المرآة المسلمة) و(فقه الصيادين) و(فقه العائلة) و(فقه التعامل بالدولار) وغيرها من الكتب بهذا الاتجاه.


5 -
تشخيصه للظواهر السلبية المنتشرة في اوساط المجتمع وتنبيهه اياهم الى ضرورة محاربتها والتخلي عنها من خلال اصداره الفتاوى المناسبة لهذه الظواهر ومن خلال وضعه للنظريات الميدانية لاجتنابها، حيث يرى سماحته (دام ظله) ان اصدار الفتوى ليس كافيا ً بل لا بد من تحليل المشكلة وايجاد العلاج الميداني باستقراء الشريعة الاسلامية ووضع منهج عملي للقضاء على هذه الظواهر.
فمثلا ً ظاهرة الفساد الاخلاقي والمشاكل الجنسية، فانه لم يكتف باصدار فتوى التحريم للاعمال المخالفة للشريعة المقدسة بل بادر الى علاج عملي للقضاء عليها عندما طرح موضوع تزويج الشباب فنراه يحثهم ويشجعهم على هذا الموضوع من خلال المحاضرات الاسلامية التي كان يلقيها ويطرح الاسباب والمشاكل الحائلة دون انجاز هذا المشروع ويعطيهم الحلول العملية بحيث ناقش الموضوع بكامل تفاصيله وجزئياته ، بالاضافة الى دعوته الى تأسيس مشاريع خيرية اقتصادية لدعم مشروع تزويج الشباب كالسلف ومساعدة الحوزة العلمية، وانشاء محال لنجارة غرف النوم وبيعها بالتقسيط وباسعار زهيدة الى غيرها من الامور، وهذه ظاهرة واحدة على سبيل المثال لا الحصر ذكرناها من عدد من الظواهر السلبية التي عالجها وناقشها سماحته ونجد الكثير منها مطروحة في العديد من محاضراته وكتيباته ( سلسلة ظواهر اجتماعية منحرفة) و( سلسلة نحو مجتمع نظيف) و (الفقه الاجتماعي بين السائل والمجيب) و ( موعظة وارشاد في فصل الصيف) و(الحوزة وقضايا الشباب).

6 -
كشفه للعديد من مخططات الغرب وتحليله لاعمالهم وتصريحاتهم وايضاحه لاساليبهم الخداعة وبيانه تكليف المجتمع لاحباط هذه المخططات ولاجل الحذر من اعمالهم العدوانية اللئيمة، فقد بدأ سماحته قبل عدة شهور من الحرب الامريكية على العراق بشرح ابعاد الهجمة الشرسة لامريكا وحلفاءها على المجتمع الاسلامي عموما ً والمجتمع العراقي خصوصا ً كونه يحتضن الامام صاحب الامر (عج) عند ظهوره المبارك، وبين الاساليب الخداعة والعناوين المضللة والمموهة التي يستطيعون بها تمرير مخططاتهم وتحشيد اكبر عدد من المؤيدين لها، كما نبه المجتمع المسلم على موضوع صراع الحضارات الذي يتبناه ساسة الغرب والذي اعلنوه في منتصف التسعينيات والذي كان له الاثر الكبير في تبدل السياسة الامريكية بحيث اصبحوا هم المهاجمين لمن يعارض حضارتهم وثقافتهم وسياستهم، في طريقهم لتغيير العالم بحيث يصبح باجمعه خاضعا ً لهم وسائرا ً على نهجهم في جميع ميادين الحياة وهذا ما يسمى حاليا ً بالعولمة.
لذا شمر سماحة الشيخ (دام ظله) عن ساعديه وبدأ بتحليل افكارهم واعمالهم وبيان اهدافهم الدنيئة حتى يكون المسلمون على بينة من امرهم، وبين موقعهم من هذا الصراع ودورهم الذي يجب ان يؤدوه حيث تضاعفت المسؤولية عليه في ظل هذا الصراع كما حدد المحاور التي يجب على كل من الحوزة والمجتمع ان يكرسوا لها جهدهم، وكتابه (نحن والغرب) يحوي في طياته تفاصيل كثيرة وشواهد عديدة تبين هذا الموضوع بشكل تفصيلي.
واستمر سماحته بهذا المشروع بعد سقوط اللانظام وما زال يحذر من اساليب الغرب ويبين الكثير من الاعيبهم ومكائدهم ويوصله الى المجتمع المسلم ويوضح لهم دورهم في صد ورد هذه المخططات، واكثرها مذكور في سلسلة بيانات سماحة الشيخ (دام ظله) بعد سقوط النظام المطبوعة في كتاب (خطاب المرحلة) بأجزاءه المتعددة وكراس (الاستماع الى الاخبار في اوقات الازمات) وكتاب (ملامح من تاريخ وخطاب القيادة الدينية في العراق الجديد).

7 -
تأسيسه لمشروع اذاعة البلاد والتي تهدف الى ايصال صوت اهل البيت والصوت الحوزوي الاصيل الى كل مكان وفي داخل كل بيت كما يهدف الى ايصال فتاوى المرجعية الدينية وبياناتها وتحركاتها واعمالها ليكونوا على صلة دائمة ومستمرة بالحوزة الشريفة ولو تحدثنا عن المواضيع التي تطرحها هذه الاذاعة من خلال برامجها المتنوعة لطال بنا المقام ولكن المهم هو انها شاملة تقريبا ً لكل ما يحتاجه الفرد والمجتمع المسلم من علوم الفقه والعقائد والتاريخ والنحو والتفسير والاخلاق والوعي الحركي الاجتماعي والسياسة والاقتصاد والثقافة العامة وباقي حقول العلم والمعرفة بحيث اصبحت الاذاعة المفضلة للكثير من ابناء مجتمعنا.

8 -
تركيزه على ضرورة فهم الادوار المختلفة للائمة المعصومين باختلاف الظروف واستيعاب تلك الادوار للاستفادة منها في معرفة التكليف الاسلامي للفرد والمجتمع في وقتنا الحاضر حيث يقول سماحته (( المصدر الذي ننطلق منه لمعرفة تكليفنا ودورنا وعملنا هي سيرة المعصومين لانهم اعدال الكتاب وصنوه )) ويقول ((ان سيرة اهل البيت لم تترك حالة او واقعة او موقفا ً الا وتجد في سيرتهم حكمه ورأي الشريعة حتى ورد عنهم انه ما من واقعة الا ولله فيها حكم )).
لذلك ومن اجل هذا الهدف السامي باشر سماحته بعد سقوط النظام البعثي مباشرة بإلقاء محاضرات تركز على هذا الجانب عنوانها ((دور الائمة في الحياة الاسلامية )) وطبعت في كتاب يحمل نفس العنوان والذي هو بالاصل بحث مختصر للسيد الشهيد الصدر الاول (قد) , قام سماحته بتوسيعه وذكر الشواهد عليه واستقراء المفردات التفصيلية من حياة الائمة .
فكان كتابه هذا قراءة تحليلية لسيرة الائمة لاستنباط الادوار المتنوعة لهم والتي تنتظم ضمن اهداف محددة وهذا الكتاب مما لا يستغني عنه القادة ليعرفوا كيف يتصرفون في المواقف وما هي مسؤولياتهم ووظائفهم وكذلك يستفاد منه المربون والعلماء والفقهاء والرساليون , فيقول سماحته معلقا ً على الكتاب (( لقد لمست بركاته في حياتي ولازلت انهل منه واجد في طياته كل ما احتاج له ولم تصبني حيرة او تردد برغم المشاكل المعقدة التي تعيشها الامة الاسلامية والاضطراب الذي يعاني منه العراق في ظل الاحتلال المتغطرس وتخريب المنافقين والمرتزقة وحماقات الجهلة والنزقين )).
فكان سماحته ينهل من هذه الادوار والمواقف في جميع الظروف والاحوال ويبني تصرفاته وردود افعاله عليها لذا نجد ان مواقف سماحته كانت مواقف حكيمة وواعية وناظرة للمصلحة العامة ومصلحة الاسلام فكانت هذه المواقف مقبولة لدى اغلب الاطراف الموجودة في الساحة، كما وقد صدرت له بيانات وكتب تحث على الاستفادة من ادوار النبي والائمة في وقتنا الحالي منها كتاب (الاسوة الحسنة للقادة والمصلحين) وبيان (ماذا نستفيد من حياة الامام السجاد) وبيان (صور من نشاط الامام الصادق ).

9 -
تأكيده الشديد على حضور صلاة الجمعة التي احياها في العراق استاذه السيد الشهيد الصدر الثاني (قد)، فنرى ان سماحته (دام ظله) قد اهتم بهذه الشعيرة المقدسة اهتماما ً بالغا ً عن طريق حثه المتواصل لابناء المجتمع على ضرورة الحضور اسبوعيا ً لصلاة الجمعة لما فيها من الفوائد الدنيوية والثواب الاخروي والاتصال بالحوزة والتفاعل الاجتماعي وتوثيق روابط الوحدة بين ابناء المجتمع والذي نحن احوج ما نكون اليه في الوقت الحالي.
ولان منبر الجمعة يمثل لسان الحوزة الناطق والذي عن طريقه تصل توجيهات المرجعية المباركة واوامرها الرشيدة، حتى ان سماحته لا يستقبل زواره في برانيه يوم الجمعة خلافا ً لباقي الايام لانه يريد من الجميع ان يكونوا حاضرين في المساجد لاداء صلوات الجمعة، كما انه يشرف على تعيين الخطباء ويوجههم ويقيم خطاباتهم التي لازالت قائمة في جامع الرحمن ببغداد وبعض المحافظات.
كما انه افتى بوجوب صلاة الجمعة وجوبا ً عينيا ً على كل مسلم الا من كان لديه عذر، بعد ان خاض في هذه المسألة رحلة في البحث الفقهي الاستدلالي المطبوع في كتاب (الفريضة المعطلة) فاستدل بان صلاة الجمعة واجبة وجوبا ً عينيا ً ، كما ان سماحته (دام ظله) كان من اوائل المبادرين الى اقامة صلاه الجمعة عندما اقامها في الكاظمية بعد اسبوعين من سقوط الطاغية، ولكن اسبابا ً حالت دون اقامته للصلاة بنفسه فيما بعد لا نريد الخوض فيها، فالمهم انه كان ولايزال يؤكد من خلال كتاباته وبياناته ومحاضراته التي يلقيها على الوفود الزائرة على ضرورة المحافظة على هذه الشعيرة المقدسة .

10 -
تأكيده على ضرورة اقامة وادامة الشعائر الحسينية وان لا تفوتنا فرصة او مناسبة دينية الا واقمنا فيها تلك الشعائر لما يراه سماحته (دام ظله) من دورها الرئيسي في مواجهة الهجمة الغربية الشرسة على امتنا الاسلامية، كذلك فانه يريد ان تكون تلك الشعائر واعية بحيث ترسخ اهداف الحسين ومبادئه في اذهان المجتمع لاسيما المسيرات الراجلة الى كربلاء المقدسة.
فيرى سماحته (دام ظله) ان هذه المسيرات ظاهرة حضارية يمكن ان توصل صوت اهل البيت الى كل انحاء العالم ويمكن للامة بواسطتها التعبير عن مطالبها واستنقاذ حقوقها حتى ان الشعوب في الوقت الحاضر بدأت تستفيد من تلك المسيرات في تحررها من المحتلين ومن الانظمة الدكتاتورية المستبدة، فبواسطة هذه المسيرات اسقط السيد الخميني (قد) نظام الشاه، وبها حرر غاندي الهند من الاحتلال البريطاني، وبها تمكن شعب جنوب لبنان من طرد اسرائيل واستعادة اراضيهم المحتلة.
كما انه (دام ظله) يؤكد على ضرورة الرقي بمستوى خطابة المنبر الحسيني بما يلائم تحديات المرحلة الراهنة بحيث يمتزج الوعي بالعاطفة فتتكامل اسباب التأثير في المجتمع الذي يجب ان يواجه هذه التحديات بايمان وصبر وعزيمة مستمدة من سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين ، كما ان سماحته شخص العديد من الامور والظواهر غير الصحيحة التي ترافق مجالس العزاء الرجالية والنسوية واعطى التوجيهات المناسبة لتجاوز تلك الظواهر والتخلص من اثارها السلبية.
كما نبه (دام ظله) الخطباء والمؤسسين للمجالس والقائمين على احياء الشعائر والمشاركين فيها الى العديد من الامور الفقهية والاخلاقية التي تجعل تلك المجالس والشعائر اكثر ثوابا ً واكثر فائدة ً وعطاءا ً واكثر تأثيرا ً في النفوس والمجتمع، كما انه رد على العديد من الشبهات المثارة حول الشعائر الحسينية، راجع كتاب (ظواهر اجتماعية منحرفة / 2 ) وكتاب (نصائح ووصايا الى الخطباء).

11 -
دفاعه عن الاسلام عموما ً والتشيع خصوصا ً فاذا ما سمع تصريحا ً او رأيا ً يتعارض وروح الشريعة الاسلامية او يهدف الى ابعاد الناس عن هذه الشريعة او يهدف الى الاساءة اليها او لمذهب اهل البيت او المرجعية الدينية فانه لا يتوانى عن الرد المباشر او ابداء النصيحة لهؤلاء لرد كيدهم وانقاذ الناس وتحذيرهم من افكارهم المضللة.
والمواقف في هذا الصدد عديدة منها رسالته الى وزير التربية في عهد الحكم البعثي بعد ان اصدرت الوزارة قرارا ً بمنع ارتداء الحجاب في صور البطاقة المدرسية لغرض اداء الامتحانات الوزارية، ولم يخشَ ما قد يحصل له من جراء هذا الاعتراض.
وكذلك انتقاداته الشديدة لتلفزيون الشباب الذي كان يشرف عليه ابن الطاغية الملعون بسبب ما كان يعرضه من امور مخالفة للشريعة ومخلة بالاخلاق وملهية للناس عن عبادتهم ورده للكثير من الشبهات التي وجهت للمرآة وتصديه للافكار التي يروجها دعاة الفكر العلماني الذين يهدفون الى فصل الدين عن السياسة وابعاد علماء الدين عن العملية السياسية حتى يسهل عليهم تمرير مخططاتهم بالاضافة الى ردوده المتعددة على اولئك الذين يشوهون سمعة المرجعية الدينية ويهدفون الى فصلها عن الجماهير من خلال بياناته ومحاضراته العديدة، بالاضافة الى العديد من المواقف العظيمة التي لا مجال لذكرها في هذا المختصر والتي يمكن مراجعتها في اصداراته وبياناته لاسيما (سلسلة خطاب المرحلة)، وهذه الردود والمواقف انما تكشف عن غيرته ودفاعه عن الدين واستعداده للتضحية وتحمل الاذى في سبيل دينه ومذهبه.

12 -
الانفتاح الواسع على القواعد الجماهيرية ومخاطبتهم بصورة مباشرة أي انه اوجد مرجعية منفتحة معطاءة للجماهير في جميع الاوقات والظروف, وهو بذلك يسير بسيرة استاذه الشهيد الصدر الثاني (قد) الذي جسد تلك المرجعية المنفتحة على ارض الواقع وبصورة منقطعة النظير لازالت ايامها راسخة في ذاكرة الجماهير المؤمنة.
فنرى سماحة الشيخ دؤوب العمل من اجل خدمة الجماهير التي تنتظر منه في كل يوم شيء جديد , فرغم قصر الفترة التي تصدى فيها سماحته (دام ظله) للمرجعية الا انه اصدر العشرات من الكتب في شتى المواضيع ( وقد ذكرنا في طيات موضوعنا عدد منها)، والجدير بالذكر ان اغلب هذه الكتب صدرت في زمن الطاغية مما يدل على شجاعته واستمراره على نهج استاذه في مشروع الحوزة الناطقة، والقى العشرات من المحاضرات في الاخلاق والعقائد والوعي الاجتماعي والسياسي والتي طبع بعضها في كتب (من وحي الغدير ) و (من وحي المناسبات) و( نحن والغرب)، واصدر رسالته العملية الموسومة (سبل السلام) على شكل حلقات في نشرة الصادقين .
كما اصدر سماحته (دام ظله) ما يزيد على المئة والعشرين من البيانات حول مختلف القضايا والاوضاع التي حصلت في الساحة العراقية بالاضافة الى توجيهه العديد من الكلمات (اكثر من 300 كلمة سُجل اغلبها في اقراص ليزرية) الى الوفود الزائرة لسماحته في معظم ايام الاسبوع والتي تمثل مختلف الشرائح الاجتماعية، وله المئات من الاستفتاءات التي اجاب عليها في شتى المواضيع واغلب هذه الاسفتاءات صدرت في زمن الطاغية وقد جُمع قسم منها وطبع في كتاب (الفقه الاجتماعي بين السائل والمجيب).
كما وجه العديد من الاوامر والتوجيهات الى الجماهير المؤمنة كتنظيم التظاهرات واقامة صلوات الجمعة الموحدة واقامة الشعائر المنظمة والزيارات ومواكب طلبة الجامعات ووجه العديد من الرسائل الى مختلف الشخصيات والكيانات لاغراض النصح والارشاد والتذكير والرد، وله الكثير من الابحاث والمؤلفات في شتى المواضيع الاسلامية والتي اغنت بدورها المكتبة الاسلامية.

13-
الدعوة العالمية للاسلام والتصدي لمصالح الاسلام العليا والتواصل مع العالم الخارجي ، فلم يكتف سماحته (دام ظله) بالتصدي لامور المسلمين في داخل العراق فقط بل كان همه اكبر من ذلك فتصدى الى مصالح الاسلام العليا في خارج العراق وتحرك للدفاع عن الاسلام وعن مقدساته ورد الكثير من الشبهات الموجهة اليه ووجه العديد من النداءات والنصائح التي تهدف الى تقوية دعائم الاسلام ونشره الى بقاع العالم.
وحمل هموم المسلمين في الخارج وهم يتعرضون الى تحديات كبيرة ومخاطر عظيمة من قتل وتشريد وحرمان وضغوطات وسلب حقوق، ويتجلى هذا العمل في العديد من المواقف العظيمة لسماحته في هذا الاتجاه نذكر فيما يلي بعضا ً منها وباختصار:
أ - رسالته الى رئيس الجمهورية الفرنسية جاك شيراك بعد ان منعت فرنسا ارتداء الحجاب في المؤسسات الحكومية والجامعات واوضح له ان هذا القرار الصادر من حكومته مخالف لكل الشرائع الدينية، ومخالف للقوانين الديمقراطية التي يتبنونها في بلدانهم .
ب - رده على الرسالة التي بعثها اليه احمد الكاتب الذي شكك فيها بموضوع ضرب الزهراء و قتلها على يد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وشكك كذلك بوجود الامام المهدي (عج)، فاجاب سماحته (دام ظله) على هذين الاشكالين في رسالة الرد .
ج - رسالته الى مؤتمر الوحدة الاسلامية الذي عقد في طهران برعاية المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية للفترة بين 15 – 17 ربيع الاول عام 1426 ،حيث اغتنم سماحته (دام ظله) هذه الفرصة ليعبر من خلال رسالته عن هموم الشعب العراقي وما يعيشه من تحديات عقب سقوط الطاغية وتواجد قوات الاحتلال وعبر عن هموم الاسلام وما يتعرض له من انتهاك مقدساته واستهداف رموزه وعبر عن فهمه للوحدة الحقيقية وذلك بان يكون الدعاة لها صادقين فيها وذلك بخلق ثقافة المحبة الاخوة واحترام الرآي الاخر والشراكة معه والتي لا يمكن تحقيقها الا بقيام صُنـ`ـاع الرأي في الامة من علماء ومفكرين وكتاب وخطباء وادباء وصحفيين واعلاميين في اشاعة هذه الاجواء الايجابية وحينئذ ستتوجه الامة كلها بهذا الاتجاه، وبين سماحته انه لا معنى للحديث عن الوحدة والمؤاخاة اذا كانت اللغة السائدة هي لغة التكفير والالغاء والاتهام والحقد .
ء ـ اصداره فتوى بتحريم التعامل بيعا ًوشراءا ً وتناولا ً بالسكائر الامريكية والبريطانية والفرنسية وذلك لانها من موارد التمويل الضخم للشركات التي تدعم الجهد المعادي للاسلام، فان هذا التعامل فيه تقوية لاعداء الاسلام واعانة لهم ودعم لاقتصادهم الذين يمولون به ترسانته العسكرية واعلامهم المضلل .
هـ - رسالته الى بابا الفاتيكان بمناسبة ذكرى ميلاد السيد المسيح مبينا ً مكانته وعظمته في القرآن الكريم بذكر بعض الايات التي تتحدث عنه وموضحا ً معرفة المسلمين به واحترامهم اتباعه ومحبتهم اياهم لانهم اقرب الناس للمسلمين بنص القرآن, كما دعاه سماحة الشيخ (دام ظله) الى توجيه اتباعه ومريديه الى الالتزام بتعاليم السيد المسيح الذي لا يرضى بالظلم والعدوان والانحراف الذي يمارسه الكثير من قادة الدول المسيحية وقد بعث بابا الفاتيكان برسالة جوابية بتسع صفحات الى سماحة الشيخ (دام ظله).
و- مشاركته في العديد من المؤتمرات العالمية التي عقدت خارج العراق من خلال الوفود التي يبعثها سماحته ممثلة ً عنه وحاملة لافكاره وارشاداته وتوجيهاته ومن هذه المشاركات المؤتمر العالمي للاديان من اجل السلام الذي عقد في لندن ومؤتمر الوفاق للقيادات الدينية والسياسية العراقية الذي عقد في عمان  .

14-
تاسيسه لمواكب الوعي الحسيني: الخاص بطلبة الجامعات فنرى سماحته (دام ظله) يوجه نداءاته المستمرة لطلبة الجامعات واساتذتها لتنظيم مواكب حسينية تتوجه الى كربلاء المقدسة مشيا ً على الاقدام في يوم عاشوراء وفي يوم الاربعين وفي الزيارة الشعبانية، حيث يسير الطلاب بشكل منظم مرتدين زيهم الجامعي الموحد الموشح بالسواد حاملين الشعارات الواعية التي تعبر عن اهداف الثورة الحسينية المباركة، وقد اطلق عليها سماحته (مواكب الوعي).
حيث يرى ان هذه المواكب تديم الحضور الفاعل في الساحة والذي يسهم في انتزاع حقوق الامة كما تثبت الهوية الاسلامية للجامعات وتثبت انتماءها الى مدرسة اهل البيت كما انها تثبت للجميع ان الشعائر الحسينية ليست انفعالات وردود افعال عاطفية هوجاء لا معنى لها وانما هي مدرسة يستلهم منها العلماء والمفكرون وطالبوا الفضيلة والعلم كل معاني السمو والكمال لذلك اكتسبت هذه المواكب اهميتها لانها منظمة وذات اهداف محددة ولان المؤدي لها شريحة علمية ثقافية مهمة في المجتمع بل تمثل واجهته مما يجعلها اكثر تأثيرا ً في قلوب الاعداء من التجمعات غير المنظمة مهما كثر عدد افرادها.

15-
تأسيسه لمشروع الحلقات السريعة المكثفة: لتدريس العلوم الحوزوية لطلبة الجامعات خلال فترة العطلة الصيفية والتي نظمها واشرف عليها كادر من الحوزة العلمية وفق منهج معين يفي بمتطلبات سنة دراسية كاملة وفقا ً للمسار المعمول به في الحوزة العلمية وبذلك يتجاوز الطلبة مراحل الدراسة الحوزوية من دون ان تؤثر على تحصيلهم الاكاديمي حيث يدرسون فيها الفقه والاخلاق والمنطق والعقائد والتفسير وسيرة الائمة .
وهذه الحلقات تساعد في انشاء جيل يحمل افكار الاسلام في داخل الجامعات والمدارس ويهدي الاخرين اليها ويحصن نفسه وعقيدته من الانحراف المستشري في اوساط الجامعات وفوائد اخرى كثيرة.
وقد كانت الاستجابة لهذا المشروع من قبل الشباب الجامعي مثيرة للاعجاب فزهت النجف بالمئات منهم من مختلف الاختصاصات وقد بارك الله تعالى بذلك المشروع وسهل لهم محلات السكن ورواتب شهرية تغطي نفقات سفرهم واقامتهم بشكل لم تعهده الحوزة العلمية وقد تأسس هذا المشروع في زمن الطاغية واستمر بعد زواله .


16-
سَنـّه للزيارة المخصوصة الى مرقد امير المؤمنين في ذكرى استشهاد الصديقة فاطمة الزهراء في الثالث من جمادى الثانية لما يراه سماحته (دام ظله) من الفضل الكبير لها على الامة كونها دافعت بشجاعة عن المسار الصحيح لحركة الاسلام ووقفت في وجه الانحراف فكان لها الدور الكبير في تثبيت النهج المحمدي الاصيل.
فقد وجه سماحته (دام ظله) دعوة الى جميع المؤمنين الى احياء هذه السنة الشريفة لادخال السرور على قلب النبي واله ولرفع تقصير الامة تجاه فاطمة لا سيما في المناسبات الخاصة بها، وقد استجابت الامة لامر مرجعها وخرجت بمجموع منظم ضم عشرات الالاف من الزائرين توجهوا لزيارة امير المؤمنين معزية ً اياه بذكرى استشهاد بضعة رسول الله وكان مسيرهم على شكل مواكب منظمة ومهيبة تقدمها نعش رمزي للزهراء حمله السادة العلويون المرتدون الزي الحوزوي والكل يرجون شفاعة الزهراء ويأملون ان يدفع الله عنهم البلاء ببركة هذه الشعيرة المقدسة، وقد القى سماحة الشيخ في جموع الزائرين خطابه التاريخي الذي حمل عنوان ( فاطمة ميزان الحق) .

 

شارك الاستفتاء

من عطاء المرجعية الرشيدة

 

المستوى الحوزوي



يرى سماحة الشيخ (دام ظله) ان المشروع الحوزوي يحتوي على الكثير من النقائص سواء في النظام والترتيب والادارة او في المواد والمناهج الدراسية كما يرى قصورها عن مواكبة تحديات العصر واستيعاب ثقافاته ومواجهة المد الحضاري الذي يستهدف ثقافة المجتمع المسلم واخلاقه وتقاليده، لذلك بادر سماحته (دام ظله) الى معالجة تلك النقائص والتقصيرات وتطوير الحوزة العلمية بما يجعلها قادرة على اداء المسؤوليات الملقاة على عاتقها بافضل صورة.
فكان لسماحة الشيخ (دام ظله) العديد من الاعمال في هذا المجال، نذكر ابرزها في النقاط الاتية:

1-
استمراره بقيادة مشروع جامعة الصدر الدينية، هذا المشروع الحوزوي الكبير الذي نظ`ـر له السيد الشهيد الصدر الاول (قد)، واوجده على ارض الواقع السيد الشهيد الصدر الثاني (قد)، اما سماحة الشيخ (دام ظله) فقد تقلد منصب العميد لهذه الجامعة في زمن السيد الشهيد الصدر الثاني (قد) بعد ان احاطت بالمشروع الكثير من العوائق والاشكالات، فتسلم سماحته الجامعة وبدأ بتخطي هذه الاشكالات عمليا ً واسس نظاما ً اداريا ً ناجحا ً لها وعين الاساتذة الكفوئين وحدد المناهج الدراسية الملائمة لهذه الطبقة من طلبة العلوم الدينية والذين يحملون الشهادات الاكاديمية ويتميزون بالوعي وعمق التفكير.
واستمر سماحته بالعناية والمتابعة لهذا المشروع الكبير في جميع مفاصله وجزئياته بعد رحيل استاذه الشهيد الصدر (قد)، حيث تعرضت الجامعة لظروف امنية قاهرة على ايدي جلاوزة النظام الذين حاولوا افشال المشروع كونه المعلـَم الوحيد الذي بقي عقب استشهاد السيد (قد) بعد ان منعوا اقامة صلاة الجمعة وغلقوا البراني، لكن سماحة الشيخ (دام ظله) بشجاعته وحكمته استطاع ان يقف بوجه هؤلاء وان يحافظ على كيان الجامعة حتى بائت مخططاتهم بالفشل.
وقد كان هذا العمل انجازا ً عظيما ً في ذلك الوقت العصيب ومن ثم واصل (دام ظله) رعايته لطلبة الجامعة حتى اصبح ابا ً روحيا ً لهم، وهم متعلقون به وملتزمون بتوجيهاته ووصاياه فكان يزورهم بين الحين والاخر ويستمع اليهم ويحل مشاكلهم ويلقي عليهم المحاضرات الدينية في الوعي الاسلامي والاخلاق الفاضلة.
اما بعد سقوط الطاغية فقد بدأ سماحته (دام ظله) بتوسيع دائرة هذا المشروع خارج مدينة النجف وذلك بفتح فروع متعددة لها في بغداد والمحافظات الاخرى حتى ناهز عدد فروعها العشرون، حيث يدرس فيها مئات الطلبة من الأكاديميين والمثقفين والواعين، وهو مستمر برعايته الابوية لجميع الفروع, ولا زال سماحته بصدد توسيع فروع هذه الجامعة لتشمل جميع محافظات العراق بل حتى خارج العراق.
فما اجله من عمل وما اعظمه من مشروع سوف يكون له الاثر الكبير في نشر الفكر الاسلامي عندما يتخرج منه في كل سنة مئات من المفكرين والمبلغين والخطباء لينتشروا في المجتمع يعظون ابناءه ويربونهم بالتربية الاسلامية الاصيلة التي ارادها الله لهم ورسوله والائمة ، ولا نريد الخوض في تفاصيل هذا المشروع وجزئياته فانها موكولة الى كتاب (جامعة الصدرالدينية:الهوية والانجازات) وكتاب (المعالم المستقبلية للحوزة العلمية).

2-
استخدامه العلوم العصرية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء في الاستنباط الفقهي للاحكام الشرعية، حيث استفاد سماحته من هذه العلوم في حل الكثير من الاشكالات الفقهية، وتوصل باستخدامها الى نتائج لم يتوصل اليها من سبقه من العلماء ويظهر هذا جليا ً في بعض مؤلفاته كـ (الرياضيات للفقيه) و(القول الفصل في احكام الخل).
فيرى سماحته (دام ظله) ان العلوم ترتبط ببعضها ارتباطا ً وثيقا ً بحيث يتطلب التخصص في علم ما الاحاطة بما - يناسب - بمجموعة من العلوم الاخرى تؤخذ على نحو المبادئ التصورية او التصديقية، وعلم الفقه هو احد صغريات هذه القاعدة فلا بد ان يحتاج الفقيه لكي يبدع في اختصاصه الى الالمام بعلوم عديدة.
ولا زال سماحته سائرا ً على هذا النهج محاولا ً الربط بين العلوم العصرية والعلوم الدينية لما يراه من النتائج العظيمة التي يمكن تحصيلها كأكتشاف الكثير من اسرار التشريع الالهي وحكمه ومصالحه مما يساعد على تثبيت الايمان في نفوس شريحة معتد بها في المجتمع وهي تلك التي تؤمن بالنتائج العملية، وكذلك امكان تحصيل نتائج ومعلومات مهمة لا يستطيع الفقيه المجرد من هذه العلوم تحصيلها والتوصل اليها.
وكذلك يرى سماحته ان العالم الديني الذي يملك هذه الادوات المتعددة من العلوم يكون تأثيره في المجتمع اكبر وفهمه للواقع المعاش اوسع ورؤيته انضج كما ان تلقي الناس منه واقبالهم عليه يكون افضل حينما يعلمون شهادته العلمية، ومما تجدر الاشارة اليه في هذا الصدد هو ان سماحة الشيخ (دام ظله) حاصل على شهادة اكاديمية عالية (بكالوريوس هندسة مدنية) والتي كان لها اثر كبير في صقل شخصيته العلمية وفي عمق تفكيره حتى انه تجاوز مراحل الدراسة الحوزوية بكل سهولة.
كما كان لها اثرها في توجهه نحو استخدام العلوم العصرية في الاستنباط الفقهي الذي كان له دوره في توجه الحوزة نحو التجدد والانفتاح على العلوم الاخرى وهذا ما نراه واضحا ً في مناهج جامعة الصدر الدينية.

3-
احياءه للتراث الفكري لاستاذه السيد الشهيد الصدر الثاني (قد)، فبحكم علاقته الوثيقة مع السيد (قد) التي بدأت بالعلاقة الروحية المتمثلة بالمراسلات السرية في منتصف الثمانينات ومن ثم العلاقة المباشرة والتي تطورت فيما بعد الى علاقة الطالب باستاذه، فقد حصل سماحته على الكثير من العلوم والمعارف العقلية والالهية التي كان السيد (قد) يغذيه بها مما لم يطلع عليه احد غيره حيث ان الظروف المعاشة انذاك لم تكن تسمح بنشر تلك الافكار.
ولكن ما ان زال الظالمون وزال ظرف التقية حتى بادر سماحة الشيخ (دام ظله) الى اخراج تلك الافكار والمعارف من عالم الكتمان الى عالم الوجود والانتشار من خلال اعادة تنظيمها وطباعتها ونشرها في سلسلة من الكتب حملت تسمية (سلسلة مالم ينشر من تراث السيد الشهيد الصدر الثاني( قد)).
وقد اكمل سماحته الى حد الان خمسا ً منها وهي: 1- حديث الروح مع الشهيد الصدر الثاني / ج1.
2-
حديث الروح مع الشهيد الصدر الثاني / ج2.
3-
تعليقة على منهاج الصالحين للسيد الخوئي.
4-
نظرة في فلسفة الاحداث.
5-
قناديل العارفين.
ولا زالت هذه السلسلة مفتوحة لنشر كتب اخرى، وهذه الكتب تحتوي على معارف مفيدة جدا ً لا سيما في الوقت الحاضر ونحن نمر بهذا الصراع مع قوى الغرب الكافرة، وبالخصوص كتاب (نظرة في فلسفة الاحداث) فانه يمثل خلاصة رأي السيد ونظرته حول تحرك القوى السياسية العالمية الكبرى (امريكا واسرائيل وحلفائهم) ومن هو المحرك الاساسي لها وما هي اساليبهم ومخططاتهم في السيطرة على العالم سياسيا ً وفكريا ً واقتصاديا ً ولا نريد التفصيل اكثر لان الكتاب موجود وهو من الكتب الثمينة والمفيدة للمؤمن الرسالي.
واما كتاب (قناديل العارفين) فانه يحتوي على الكثير من المعارف الالهية والنفحات العرفانية والتوجيهات الاخلاقية العالية التي يحتاجها الانسان الماضي في طريق الجهاد الاكبر ومحاربة النفس الامارة بالسوء والرقي في درجات الكمال والقرب الالهي.

4-
تصديه لملأ الفراغ المرجعي والابوي الحاصل بعد استشهاد السيد الصدر(قد) وقيامه ببعض المسؤوليات التي كان يؤديها (قد) شعورا ً منه باهمية هذا العمل الذي يحفظ كيان الحوزة ويحفظ علاقته بالمجتمع والتي بلغت ذروتها في مرجعية السيد الشهيد (قد)، فكان سماحة الشيخ (دام ظله) يجيب على المسائل ويلقي المحاضرات الواعية في المناسبات الدينية ويدرس العلوم الحوزوية العالية كدرس الكفاية الذي اكمله بعد استشهاد السيد (قد) حتى تأهل عدد كبير من طلبة السيد (قد) الى مرحلة البحث الخارج وقد كان سماحته (دام ظله) بارعا ً في تدريس هذه المادة حتى قيل عنه بانه اكفأ من يدرس الكفاية في النجف الاشرف.
كما انه كان يرعى ويدير جامعة الصدر الدينية ويُصدر الكتب النافعة ويرعى عوائل الشهداء الى غيرها من الاعمال التي تبناها سماحته انذاك، ولكن هذا العمل لم يكن بمسمع ومرئى الجميع الا انه كان عملا ً جبارا ً في ذلك الوقت وكان يكلفه الكثير من الخطورة من قبل جلاوزة البعث الكافر.



5-
القاءه الدروس العالية في البحث الخارج وهي اعلى مرحلة دراسية في النظام المعمول به في الحوزات العلمية حيث يتم تأهيل الطلبة لنيل درجة الاجتهاد وقد حضر بحثه العشرات من اساتذة وفضلاء الحوزة العلمية في النجف الاشرف، وقد اختار سماحته (دام ظله) موضوعا ً لبحثه (بحوث استدلالية في مسائل خلافية)، حيث يساهم هذا البحث في تنشيط الحركة العلمية وترقية اساتذتها. وقد باشر به في بداية شهر شعبان من عام 1427 ولا زال مستمرا ً به.
6 -
تأسيسه لمشروع جماعه الفضلاء, ان هذا المشروع كثيرا ً ما لاقى من الطعن والاعتراض من بعض ابناء مجتمعنا من دون ان يحملوا فكرة عنه او عن اهدافه او اغراض تأسيسه، لكن سماحه الشيخ (دام ظله) اوضح في مناسبات عديدة الاسباب التي دعته الى تأسيس هذا المشروع, ففكرة الجماعة مرتبطة بمتطلبات المرحلة الراهنة التي نعيشها بكل ما تتضمنه من تحديات واخطار بحيث لا يستطيع فرد او جهة مهما كثر عدد افرادها ان تنهض بها بل لابد من تظافر الجهود واجتماع القلوب والانتقال من العمل الحوزوي الفردي الى العمل المجموعي المؤسساتي وهذا ما لايرفضه عاقل.
كما انها خطوة لتوحيد الحوزة وتوحيد مواقفها ازاء القضايا العامة والمصيرية التي تواجه الامة، كما انها أسست لتضم فضلاء واساتذة من جميع الجهات المرجعية بحيث يصبح لها كل الحق في ان تتحدث باسم الحوزة وتعبر عن مطالبها، كما يمكن عن طريق هذا التشكيل استقطاب الطاقات والكفاءات والنخب المثقفة وجعلهم ضمن اطار ينتمون اليه وبالتالي عدم انخراطهم في الاحزاب والتنظيمات غير المرتبطة بالحوزة وهذا يؤدي الى ضياعهم وتشتتهم، فأي اهداف اعظم وانبل من تلك الاهداف التي دعت سماحة الشيخ (دام ظله) الى هذا التأسيس، هذا مضافـا ً الى الانشطة المتعددة التي يمكن ان تمارسها الجماعة على المستوى الثقافي كنشر الكتب والنشرات التي تزيد من وعي الامة وتنبهها على الاخطار المحدقة بها، وعلى المستوى الاعلامي كاصدار الصحف والمجلات والاقراص لتثقيف الامة.
وعلى المستوى الاجتماعي كرعاية اسر الشهداء وقضاء حوائج المؤمنين وتزويج الشباب وعلى المستوى الديني كانشاء الجوامع والحسينيات واقامة صلاة الجمعة والشعائر الدينية وعلى المستوى الحوزوي كفتح حوزات علمية لتدريس مختلف العلوم الاسلامية كما يمكنها احاطة المرأة والطفل برعاية خاصة واعداد مناهج الدراسة وبرامج عمل لتوعيتهم وتربيتهم, هذا بالاضافة الى الانشطة السياسية التي يمكن ان تمارسها الجماعة، كما ان الجماعة لها العديد من الفروع في مختلف الاقضية والنواحي في اغلب المحافظات العراقية .

 

شارك الاستفتاء

المشاريع :

يعتقد سماحة الشيخ اليعقوبي ان الكثير من نشاطات المرجعية لابد أن تُدار من قِبلِ مؤسسات لا أفراد، خصوصاً عندما توسعت ساحة العمل الذي حصل بعد زوال نظام صدام المقبور في نيسان 2003 م الموافق صفر 1424 هـ، وسنحت الفرصة للإنطلاق بالمشروع الإسلامي المبارك في مديات كانت محظورة تماما .

 فشرعَ فعلاً في إنشاء تلك المؤسسات بعد زوال النظام مباشرةً، فعقد المؤتمر التأسيسي لـ (جماعة الفضلاء) في 30 / نيسان 2003 الموافق 27 / صفر / 1424 هـ  .

وتضم الجماعة فضلاء الحوزة العلمية الذين لهم نشاط اجتماعي واهتمام بالوعي الحركي ليقوموا بإدارة مفاصل المشروع المرتبطة باختصاصهم .

وكانت نواة هذه الانطلاقة المباركة طلبة جامعة الصدر الدينية الذين تلقوا على يديه تربية علمية وأخلاقية وفكرية .

كما قام بزيارة بغداد ومكث فيها ثلاثة أيام ، وأمَّ صلاة الجمعة في الصحن الكاظمي الشريف يوم 22 صفر الموافق 25 / 4 / 2003 م، حيث وجّهَ   الآلاف المحتشدة الى ما ينبغي أن تطالب به في ظل التحولات الجديدة ، ودعاهم الى مسيرة حاشدة يوم الأثنين التالي الى ساحة الفردوس وسط بغداد لتأكيد تلك المطالب، وكانت تظاهرةً ضخمةً جداً أمتدت عدة كيلو مترات .

واجتمع في زيارتـه تلـك بعـددٍ مـن المثقفيـن والأسـاتـذة الأكـاديمييـن، حيث قـام بتوجيه اتباعه لتشكيل حزب سياسي يشارك في العملية السياسية بعد سقوط صدام عام 2003 لتحقيق الأهداف الإسلامية والوطنية التي دوّنها (حزب الفضيلة الإسلامي) في نظامه الداخلي وأصبح له دور فاعل، وله عدة مقاعد في البرلمان .

 كما وجّه سماحته شرائح عديدة لتنّظِم شؤونها وتفّعِلْ دورها كالأساتذة والخريجين الجامعيين في كيــان (جامعيــون) والمهندسيـن في (التجمــع المهندسين الإسلامي) والنساء في فروع (رابطة بنات المصطفى (صلى الله عليه وآله) ) وغيرها، ويواصل سماحته دعمه لتلك المؤسسات.

 

ومن المؤسسات القائمة الآن بلطف الله تبارك وتعالى غير جماعة الفضلاء نذكر :-

1- جامعة الصدر الدينية : تأسست الجامعة عام 1417/1997 برعاية السيد الشهيد الصدر (قده) و الهدف منها استقطاب حملة الشهادات الأكاديمية الى الحوزة العلمية و احتضانهم في مشروع طموح يجمع بين الدراستين ويجدد في عناصر شخصية الحوزويين وقد وضع فكرته السيد الشهيد الصدر الأول (قده) ونفذها السيد الشهيد الصدر الثاني (قده) و اختار الشيخ اليعقوبي لعمادتها باعتباره يحمل شهادة أكاديمية راقية وفضيلة حوزوية عالية وقد حافظ سماحته بحكمة و شجاعة على استمرار المشروع بعد استشهاده وبعد سقوط النظام بادر الى فتح فروع للجامعة في المحافظات والتي تجاوزت ألان (20) فرعاً و مجموع طلبتها (2000) تقريبا في محافظات الوسط و الجنوب ، ستة منها في بغداد و أربعة في النجف الأشرف فيها الجامعة الأم وقد كتب سماحته النظام الداخلي للجامعة ومفردات مناهجها ونشاطاتها ونظام العمل بفروعها في كتاب (جامعة الصدر الدينية :الهوية والانجازات) ومدة الدراسة فيها ثمان سنوات تُمثّل الثلاثة الأولى منها كلية (التوجيه الديني و الإصلاح الاجتماعي) و الثلاثة الثانية (كلية إعداد المدرسين) و السابعة و الثامنة (كلية الاجتهاد المقيد) يتأهل تزامنا معها لحضور البحث الخارج، وقد تخرجت منها عدة دورات لحد الآن .

2- جامعة الزهراء (عليها السلام) للعلوم الدينية: وهي على غرار جامعة الصدر الدينية في مفردات الدراسة ونظامها و مراحلها الا انها وقد تأسست بعد سقوط النظام عام 1424هـ/ 2003م،  مختصة بالنساء ولها اليوم أربعة عشر فرعاً في النجف و المحافظات الأخرى تضم المئات من الطالبات ، ويراعي نظام الدراسة فيها طبيعة مسؤوليات المرأة في العمل الاجتماعي ويرتبط بها (معهد الزهراء للخطابة) الذي يُعّد مبلغات وخطيبات منبر مناسبات للتحديات المعاصرة.

3- رابطة بنات المصطفى (صلى الله عليه واله) : وهي مؤسسة لتنظيم العمل الاجتماعي للمرأة تتألف من الأمانة العامة في بغداد و أمانات في المحافظات وتقوم بأنشطة اجتماعية واسعة من خلال العشرات من المؤسسات و المنظمات كرعاية الأرامل و الأطفال و تثقيف النساء وتعليمهن الفقه و العقائد ومساعدة المحتاجين و إقامة دورات لمحو الأمية و تعليم الكومبيوتر و الخياطة و الخدمات الطبية الأولية و إقامة الشعائر الدينية و المناسبات الاجتماعية و التوسط في تزويج النساء وقد كتب سماحته (ورقة عمل رابطة بنات المصطفى) وغيرها من الأدبيات التي تنظم عملها و تدير الرابطة و مؤسساتها و فروعها نساء رساليات يحملن شهادات أكاديمية راقية وهي الرافد للأخوات المنخرطات في العمل السياسي .

4- حزب الفضيلة الإسلامي: قـام سماحته بتوجيه اتباعه لتشكيل حزب سياسي يشارك في العملية السياسية بعد سقوط صدام عام 2003 لتحقيق الأهداف الإسلامية والوطنية التي دوّنها (حزب الفضيلة الإسلامي) و اختار نخبة من الأكاديميين أبناء الحركة الإسلامية لقيادته وقد دخل العملية السياسية وله عدة مقاعد في مجلس النواب العراقي و في مجالس المحافظات و يتميز برنامجه السياسي بخصائص وطنية و عربية و إسلامية و إنسانية و يتسامى عن الفئوية و الأنانية الحزبية الضيقة وقد كتب سماحة الشيخ جملة من أدبياته كـ ( الأسس النظرية لحزب الفضيلة الإسلامي) و(العمل السياسي من الواجبات الشرعية) و(المبادئ الثابتة في السياسة) و(مبادئ الشفافية وعناصرها في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)) و كتبت قيادته برنامجه السياسي و (خصوصيات حزب الفضيلة الإسلامي) و (نظام الحكم المناسب في العراق) و( لماذا الفضيلة حزباً) وقد وضح سماحته العلاقة بين جماعة الفضلاء وحزب الفضيلة بورقة عمل من ثمان نقاط.

ويتشكل الحزب من أمانة عامة في بغداد تضم المكتب السياسي والمكتب الإعلامي والتنظيمي والتنفيذي والنسوي والتخطيط وتطوير المهارات و الثقافي وغيرها وله أمانات في مراكز المحافظات ومكاتب في الاقضية و النواحي وقواعد واسعة تنتظم في مجاميع و هيئات.

5ـ نقابة السادة العلويين: والهدف من إنشائها الاعتناء بذرية رسول الله (صلى الله عليه واله) من أبناء الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وقضاء حوائجهم وتزويج شبابهم و للنقابة أمانة مركزية في النجف الأشرف و معتمدون في المحافظات ولها مقعد في البرلمان ضمن قائمة حزب الفضيلة الإسلامي وقد كتب سماحة الشيخ اليعقوبي عدة أدبيات لبيان مبررات تأسيسها و برامج عملها و دورها في حياة الأمة

6- تجمع المهندسين الإسلامي : وهو الذراع الاقتصادي والفني للمشروع الرسالي حيث يضم المجتمع العراقي أكثر من مئة ألف مهندس و فيهم الكثير من المؤمنين الرساليين و البلد مقبل على أعمار وبناء لمستقبل جديد و ركيزته الأساسية المهندسون المخلصون الأكفاء النزهاء فتأسيس التجمع لاحتضان هؤلاء المخلصين و بلورة عملهم و إعطائهم دور أساسي في بناء مستقبل العراق ولا زالت الشركات التابعة للتجمع تعمل في نطاق ليس كبيراً لاحتياج مثله الى مقومات غير متوفرة الآن الا بلطف الله تبارك وتعالى.

 7- جامعيون: مؤسسة تضم اساتذة وطلبة الجامعات والمعاهد العراقية والمهنيين والاداريين العاملين فيها وحملة الشهادات الجامعية وقد كتب سماحة الشيخ اليعقوبي خطاب (كيان جامعيون: الأهداف والآمال) بيّن فيه أن تأسيسها جاء تلبية لضرورة المحافظة على الوحدة الوطنية انطلاقاً من الجامعات التي تكاد تكون المؤسسة الوحيدة التي لم تعصف بها الفتنة الطائفية والتناحرات السياسية مضافاً الى الاهداف الأخرى وهي الاعتناء بالكفاءات والكوادر المبدعة التي تضمها الجامعات والاستفادة منها في بناء وإعمار البلد وازدهاره، وللنهوض بواقع الجامعات ومنتسبيها، انطلق الكيان عام 2006 وخاطبهم سماحة الشيخ ببيان في تجمعهم السنوي في كربلاء المقدسة في أيام عاشوراء 1428 المصادف كانون الثاني 2007 لإحياء ملتقى العلم والدين ولهم حضور في المناسبات الدينية الكبرى كذكرى استشهاد الزهراء في الثالث من جمادى الثاني في النجف الاشرف من كل عام، حيث يقيمون عدة فعاليات من وحي مواقف صاحبة الذكرى( عليها السلام )في ليلة المناسبة وينتظمون بشكل كراديس ضمن الموكب الرئيسي الذي يتجه نحو حرم امير المؤمنين (عليه السلام).

8- هيئة منظمات المجتمع المدني: التي تغطي كل مساحات العمل الإسلامي و تنتشر العشرات منها في بغداد ومثلها في المحافظات وتنتظم في هيئة مركزية لمنظمات المجتمع المدني ومقرها بغداد وذات توجهات متنوعة فبعضها ثقافية و أخرى خيرية و أخرى اجتماعية و أخرى للخدمات الطبية و غيرها ويعمل طوعيا فيها عدد كبير من الشباب الرسالي ولسماحة الشيخ اليعقوبي أدبيات عديدة في ضرورة تكثير هذه المؤسسات وتنويعها و آليات لإنضاج عملها.

10- مؤسسات اعلامية :

أ. قناة النعيم الفضائية: وهي قناة فضائية دينية محافظة تهدف الى نشر الوعي الإسلامي وتعاليم أهل البيت و التوجيهات الاخلاقية والتربوية والاجتماعية المفيدة وتعالج عدة قضايا في المجتمع العراقي وتبث برامجها من البصرة ولها مكاتب رئيسية في النجف الاشرف وبغداد ومكاتب فرعية في باقي محافظات العراق  ولسماحة الشيخ اليعقوبي عدة كلمات عن أهمية الإعلام و دور الكلمة في حياة الأمة.

بـ  إذاعة البلاد من بغداد.

ج- إذاعة الأمل من البصرة .

د. إذاعة سبل السلام من الناصرية.

هـ . اذاعة الرميثة من محافظة السماوة.

 

ومن مشاريعه الدينية تأسيس الزيارة الفاطمية إلى مرقد أمير المؤمنين(عليه السلام) يوم 3/ جمادى الثانية من كل عام لإحياء ذكرى استشهاد الصديقة الزهراء(عليها السلام)، مما يساهم كثيراً في نشرالقضية الفاطمية وإبراز تأثيرها العظيم، حيث يشارك عشرات الآلاف من المؤمنين في تشييع رمزي ينطلق إلى الحرم العلوي الشريف بعد أن يلقي سماحته فيهم خطاباً من وحي المناسبة والواقع المُعاش، وقد بدأت المناسبة أول مرة عام 1427 هـ / 2006 م .

كما نظم بعد سقوط صدام اللعين مواكب الوعي الحسيني لأساتذة وطلبة الجامعات التي شارك فيها حوالي (20) ألفاً منهم في كربلاء المقدسة في ذكرى عاشوراء الحسين (عليه السلام) واستمرت عدة سنوات .

شارك الاستفتاء

محور الفدرالية

 بسم الله الرحمن الرحيم 

في العالم الآن بعض الدول التي تنتهج الانظمة السياسية الفدرالية ولكنها فدراليات متنوعة فكل من هذه الدول التي تربو على العشرين دولة لها نظامها الفدرالي الخاص بها ما يؤكد ان لكل دولة خصوصيتها في اختيار النظام الفدرالي الذي يناسب وقائعها التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية وتنوعها القومي والديني وغيره كما ان الفدرالية تنبع اصلاً من الديمقراطية حيث يكون لافراد الشعب حق وحرية في اختيار نوع الحكم السياسي والمشاركة فيه من خلال ممثليهم في الدولة أي ان الديمقراطية هي الارضية الصلبة للفدرالية ولكن الفدرالية هذا المصطلح الاغريقي الاصل (federalism) معناه الاول او الاقرب اليه هو الاتحاد المتكون اصلاً من الحاجة الملحة الى هذا الاتحاد بين طرفين او اكثر وهو الاتحاد الاختياري وليس الدمج القسري كما كان في العصور القديمة وان اتخذ تسمية الفدرالية.. لهذا فان الفدرالية كمصطلح يعني الاتحاد الاختياري هو مصطلح حديث ظهر بظهور النظام الفدرالي للولايات المتحدة الامريكية بعد مؤتمر فيلادلفيا عام 1787 م بصيغة قانونية واصول دستورية واختيار شعبي واسع.. ولا نريد ان نتوسع اكثر في موضوع الفدرالية وتشعباتها اكثر مما تطرق اليه سماحة الشيخ في بعض احاديثه في خطاب المرحلة التي يتطرق فيها الى هذا الموضوع الحساس ونتداخل مع هذا الموضوع من خلال هذه الاحاديث.

ففي تعليقاته على الاتفاق لادارة المرحلة الانتقالية يذكر سماحة الشيخ (.. وانا كفرد عراقي لا اريد الفدرالية التي هي مقدمة لتقسيم العراق والتفكيك بل هي كذلك فعلاً من الناحية المعنوية والشعور على الاقل، والفدرالية ان كان فيها خير فللاجزاء التي تريد ان تتجمع وليس للكل المتحد الذي يراد تجزئته..) فان سماحة الشيخ ياخذ بالحسبان راي غالبية العراقيين الذين يرون في الفدرالية طرحاً سياسياً جديداً عليهم لا يعرفون مآلاتها والى اين تؤدي بالبلد وذلك لعدم توصيل فكرة الفدرالية اليهم لا عن طريق السياسيين و لا الاعلام او الطريق الاكاديمي وغيرها بل حتى السياسيون انفسهم لم يتفقوا على نوع الفدرالية المزمع اقامتها للعراق فظل هذا المصطلح بحدود المشروع القابل للتفحص والمراجعة والتريث كما ان موضوع الفدرالية جاء من خارج العراق وذلك حين طرح في مؤتمر لندن للمعارضة في 14-15/12/2002 كمشروع نظام سياسي جديد للعراق بعد سقوط النظام المباد ولعل طرحه يعود الى اسباب عدة منها ضمان عدم عودة الحكم الاستبدادي الواحد المتفرد بالسلطة والتخلص من عقدة المركزية القاسية التي غالباً ما تاتي بالدكتاتورية والاستبداد والاساءة الى استخدام السلطة والثروات، كذلك وضع قضية الاكراد بالحسبان حيث كان الاكراد منفصلين باقليم منذ مطلع التسعينات ويتمتعون بحقوق الاستقلال، كذلك ان الانفتاح الديمقراطي الذي يعقب الحكم الاستبدادي غالباً ما يدفع الى تحقيق نتائج لا تقف عند حدود الديمقراطية فقط.. ولكن كل هذه الاسباب وغيرها لاتجعل من الفدرالية وكانها قدر محتوم على العراقيين وفي نفس الوقت يمكن ان يتوصل العراقيون الى نوع من الفدرالية يلائم واقعهم السياسي والجغرافي وتعدد القوميات وغيرها بما يخدم مشاريعهم السياسية والاقتصادية ويفعـّل دور الفرد العراقي في المشاركة في العملية السياسية و لاسيما هو يرى او يسمع بنجاح الانظمة الديمقراطية في بلدان عديدة منها الولايات المتحدة الامريكية او الدولة الاقرب اليه وهي الامارات العربية المتحدة لذلك فهو أي المواطن العراقي ازاء هذا التحسس وهذا الطموح يضع امامه عامل الزمن وهظم معنى الفدرالية ووعيها بالشكل الصحيح الذي يؤهله لاختيار نوع منها يلائم واقعه بكل خصوصياته أي بعد ان تتضح الرؤية الواضحة والشفافة ويستقر الاحساس النفسي ازاءها ومعرفة المفاهيم التي تقوم على اساسها الفدرالية المزمعة فاسباب التوجس من الفدرالية كثيرة عند العراقي:

اولها: وجود المحتل الذي قد تكون له اجندة بتقسيم العراق من خلال المشروع الفدرالي بعد ان احتله عسكرياً.

ثانياً: التوجس من الوضع الاقليمي الذي يتنازع الساحة العراقية السياسية من خلال مصالحه وأجندة الدول المجاورة للعراق فيه كذلك التوجس من بعض السياسيين او اقطاب السياسة في العراق من ان يستغلوا موضوع الفدرالية لخدمة مشاريع سياسية معينة ولا سيما ان الفدرالية اقرت في الدستور وصارت المطالبة بها مطالبة شرعية سياسياً وجماهيرياً كما ان هاجس الاستعجال في قبول الفدرالية دون مراجعة وتمحيص من قبل الشعب سيجعلها نظاماً محصناً يصعب التراجع عنه او انها ستجر البلد الى مطبات سياسية يصعب التخلص منها، فهذه الاسباب وغيرها تمثل هاجس التوجس والريبة او الخشية من الاندفاع السريع باتجاه الفدرالية وهذا ما يؤكده سماحة الشيخ في قوله (كما ان اقرارها بهذا الشكل الآن سوف يركزها في الواقع وتصبح حقيقة مسلمة يصعب على واضعي الدستور الدائم الغاؤها او تعديلها كما انها ستكون منشأ لكثير من الخلافات التي تمزق الوحدة الوطنية للخلاف اصلاً على حدود الاقاليم..) كما يدعم هذا التوجس اموراً اخرى يمكن الاطلاع عليها من رد الاستاذ جابر خليفة جابر في كتاب (هذا بيان للناس) الصادر عن منشورات جامعة الصدر الدينية يرد على احد المواطنين العراقيين المغتربين خارج العراق حين وجه اسئلة الى سماحة الشيخ محمد اليعقوبي فاوعز سماحته الى الاستاذ جابر بالرد وكان موضوع الفدرالية من هذه المواضيع الحيوية فطالما صرح سماحة الشيخ في خطاباته و في معرض كلامه عن الفدرالية وهو يؤكد على المحافظة على وحدة العراق (لا يمنع من تحقيق لامركزية في الادارة لمراعاة خصوصيات المحافظات المختلفة من حيث اللغة والدين والمذهب والعرق واعطاء صلاحيات واسعة للادارات المحلية في المحافظات..) فكان توضيح الاستاذ جابر للاخ السائل يتركز على ان الفدرالية حق دستوري مشروع للعراقيين ولكن تطبيقها في الوقت الحاضر ليس من مصلحة الشعب العراقي وذلك لاسباب يمكن احالتها الى ما ذكرناه من التوجس حيال الفدرالية مع بعض التفاصيل المهمة التي يذكرها الاستاذ جابر وهو الخشية من تقسيم العراق الواحد وان مرحلة اللامركزية يجب ان لا تختصر وان ينعم العراقيون بهذه المرحلة التي تسبق الفدرالية والخشية من ابتلاع كركوك ضمن اقليم كردستان كذلك موضوع الثروات الوطنية المشتركة والمتداخلة تحت الارض العراقية الواحدة وموضوع الامن المائي وموضوع ضمانة حقوق الاقليات الشيعية في المحافظات الغربية وغيرها التي تتركز على عدم الاستعجال والانجرار وراء الصيحات التي تنادي الى الانتقال السريع الى الفدرالية أي التركيز على عامل الزمن وعامل وعي التجربة العراقية الجديدة ووعي مفهوم الفدرالية والتدرج بها الى ما يناسب الطموح لها والخشية منها في آن واحد.. فان كان ولابد فان الحل الامثل على الساحة العراقية الآن هو اللامركزية الادارية في ادارة شؤون المحافظات وذلك لما في هذا الحل من حفاظ على وحدة العراق وزيادة لصلاحيات المحافظات في ادارة شؤونها الادارية وكذلك حتى لا تشكل الفدرالية مصدر قلق دائم لا سيما للعراقيين المتوجسين من الاندفاع السريع باتجاهها وهؤلاء هم الغالبية العراقية التي ترى التدرج الى الفدرالية هو الطريق الاكثر أمناً وضمانة لوحدة العراق ولكي يبقى خط الرجعة ممكنا في اية مرحلة تبدو فيها خطورة المشروع الفدرالي قائماً او قادماً.. ولكي تبقى المثاقفة حول الفدرالية مستمرة حتى تنضج في الذهن السياسي الجمعي كتجربة سياسية جديدة ولكي يبقى مبدأ الاستفتاء من قبل الشعب عليها ممكنا في مرحلة قادمة... كذلك يجب ان يكون هناك وقت كاف للمرجعيات الرشيدة مجتمعة لمدارسة موضوع الفدرالية واختيار نوع الفدرالية المناسبة للعراق ولا سيما من الناحية الدينية والشرعية وبالتالي الوطنية المطلوبة والتثقيف الجماهيري المطلوب لها.

اما من ناحية اهمية الفدرالية او التطلع السياسي المشروع لها فذلك لانها نظام يسعى الى اضعاف مفهوم الدولة المركزية الذي طالما عانى منه العراقيون ولا سيما في العصر الحديث كما ان الفدرالية تنجح او تكثر حيث يكثر التنوع القومي والاثني والديني فهي نجحت مثلاً في الولايات المتحدة والارجنتين والمكسيك وسويسرا وبلجيكا والاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا والهند واندونوسيا واستراليا وغيرها من الدول ولكنها كما قلنا تختلف من دولة الى اخرى حسب المواصفات الخاصة لكل بلد كما ان موضوع اضعاف المركزية لا يعني دائماً ضعف الدولة بل ان الدولة التي تنجح في استخدام نظام فدرالي مناسب لها ستكون اكثر تنظيماً واكثر مراعاة لمصالح الشعب بكل فئاته وشرائحه فينطبق عليها قول الفيلسوف جيفرسون في القرن الثامن عشر(الدولة التي تحكم جيداً هي التي تحكم أقل) فالتجاوب مع الحاجات الوطنية والقومية والاقليمية هو معيار آخر للفدرالية.

وقد شخّص سماحة الشيخ هذه الاهمية لتطبيق اللامركزية كمدخل للفدرالية الناجحة كما يؤكد سماحته (نرى من مصلحة الشعب العراقي الآن ان يسير وفق نظام اللامركزية للمحافظات مع تحديد السلطات الحصرية والمشتركة للحكومة المركزية والحكومات المحلية في المحافظات اما الفدرالية فتثبت كحق لمحافظة او اكثر متى شاءت ووجدت في نفسها القدرة على تشكيل اقليم وادارته لان الفدرالية يمكن ان تكون حلاً لبعض المشاكل التي يمكن ان تحصل في الحكومة المركزية وهي غير حاصلة الآن..).

هذا هو التوجه الحذر والمدروس الى الفدرالية المبني على اساس التدرج والتوعية اللازمة لها والوقوف على الفوائد المتوخاة منها او المضار التي يمكن ان يجلبها التعجل في اعتمادها لذلك يركز سماحته على التاهيل المطلوب لها بقوله (كما ان الشعب العراقي في محافظات الوسط والجنوب عليه ان يستغل هذه المدة لتأهيل نفسه على مستوى إدارة الاقاليم وقد اخذ بهذه الافكار في الصياغة المعتمدة من الدستور..) هذا هو الموقف الواضح لمرجعيتنا الرشيدة من الفدرالية الذي يمليه الوازع الايماني والحس الوطني من موقع المسؤولية الدينية والوطنية ازاء هذا الامر....

 

شارك الاستفتاء

محور الامام المهدي (عليه السلام)

بسم الله الرحمن الرحيم 

تتخذ فكرة الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ثلاثة محاور يمكن تشخيصها والوقوف عندها:

الاول: الارادة الالهية.

الثاني: الخلاص والانقاذ والامل.

الثالث: اختصار الزمن..

فالارادة الالهية مستمرة في تسيير الكون بادق تفاصيله حسب موازنتها الرحمانية المهيمنة، ومثلما شاء الله سبحانه وقدّر ارسال الانبياء عليهم السلام وختمهم بنبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هدى ورحمة للعالمين فانه سبحانه قدرّ ان يمتد نور النبي عبر الائمة الاثني عشر المعصومين عليهم السلام وان لا تخلو الارض من امام منهم فكان هذا الامتداد مشيئة الهية تعززت بغيبة الامام الثاني عشر للحكمة والمشيئة الالهية من ناحية وللظرف الموضوعي والسياسي او الواقعي الذي تطلبه هذا الغياب في أوآنه، ليبقى هذا الامام امتداداً ووريثاً لكل النبوات والرسالات.

اما المحور الثاني فهو فكرة الامل والخلاص حيث ان الانسان المؤمن يعيش تحت ظلال الله ورحمته وينتظر لقاء ربه في الآخرة كما يترقب في الدنيا نسمة خلاص ولحظة عدل كونية تملأ الارض نوراً وعدلاً بعد ان ملئت جوراً وضلالة، هي لحظة التعويض الدهرية المنتظرة.

اما على مستوى التعامل مع الزمن فانها تمثل فكرة الخروج من قيد الزمن والسباحة في فضاء الخلود الذي اتاحه الله سبحانه لهذه الشخصية الوارثة والموعودة من اجل قضية العدل ذاتها.. ولعل تسمية صاحب الزمان جاءت من هذا المعنى.

وفي معرض احاديثه عن الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)يتناول سماحة الشيخ هذه المحاور بحجج بالغة تقرب موضوعة الامام وتجعل منه قضية واقعية قريبة بل قضية شادة وملحة تتطلب منا كمسلمين التفاعل التمهيدي معها وليست مجرد قضية غيبية مركونة في رفوف الايمان والعقل مستفيداً من خطابات الامام نفسه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)وعلامات الظهور وشرائطه والقدرة العقلية والايمانية على تصور دولة الامام دولة الحق ومتطلباتها وملامحها وضروراتها بعيداً عن الافكار اليوتوبية والخيالية بل يقربها الى الاذهان بطريقة ذات علاقة حميمية مع الواقع كأنها قائمة او موشكة على القيام كما يربط سماحته هذا القيام بقدرتنا على الاستعداد والتفاعل معه اي ان الظهور يعتمد على واقع المنتظِرين - بكسر الظاء- فضلاً عن دوافع المنتظَر - بفتح الظاء - وبهذا تكون علاقة الانتظار بين الطرفين جدلية او علاقة انتظار متبادل تقوّم احدهما الاخرى، كما يذكر سماحته خطاباً للامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)يدل على جدل هذه العلاقة وتفاعلها (ولو ان اشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع في القلوب والوفاء بالعهد عليهم لما تاخر عنهم اليمن بلقائنا.. فما يحبسنا عنهم الا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم..) وهذا التصريح يدل على اهمية دور المنتظر - بكسر الظاء-  المؤمن بقيام دولة الحق.. ويوجز سماحة الشيخ هذا الدور بشرطين اساسيين وهما (الايمان بالعودة الى الدين، والاستعداد للتضحية) وبهذا الاشتراط يضع سماحته على عاتقنا مسؤولية التمهيد والتعجيل بقضية الظهور فضلاً عن ارادة الله سبحانه فيها... وفي فكرة الانتظار المتبادل ستتحتم على المسلمين المؤمنين بالظهور مسؤولية العمل والجهد ضمن فضاء الانتظار بحيث يكون انتظاراً ايجابياً فاعلاً ممهداً لا انتظاراً سلبياً محدوداً بالرصد والترقب فقط اي بمعنى الانتظار المجرد، ومفهوم الانتظار الايجابي هو المشروط بالعودة الى الله والاستعداد للتضحية بحيث يرقى هذا الانتظار الجهادي الى مقولة الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ (افضل عبادة امتي الانتظار) او مقولته:

(انتظار الفرج عبادة)، او قوله : (المنتظر لامرنا كالمتشحط بدمه) وبهذا يحمل مفهوم الانتظار اخلاقاً اسلامية خاصة مما يتطلب تهذيب النفس ووضعها على محك المسؤولية الاسلامية وهذه من فوائد الانتظار او ثقافة الانتظار او بالاحرى من فوائد الغيبة حين تكون قضية اسلامية كبرى يعمل المؤمنون بها ضمن مسؤولية التمهيد بما يوازي العمل بها في الظهور، هذا الظهور المبارك المرتبط بالتمهيد..

من هنا جاءت فكرة الانتظار المتبادل ولعل في مقولة الامام الصادق (عليه السلام) حين وصف غيبة الامام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالشمس التي يحجبها السحاب ما يشير الى فوائد هذه الغيبة فالشمس حين يحجبها السحاب لا تنعدم فائدتها ولكنها تعطي اشارات انتظارية الى فائدة اكبر حين ينقشع السحاب، فضلاً عن فائدة محجوبة بالايمان بالامل واليقين بوجودها وهنا نذكر حديثاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منقولاً عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال: ان علي بن ابي طالب امام امتي وخليفتي عليها من بعدي ومن ولده القائم المنتظر الذي يملأ الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، والذي بعثني بشيراً ونذيراً ان الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعز من الكبريت الاحمر.. فقام اليه جابر بن عبد الله الانصاري وقال : يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة ؟؟ قال : اي وربي وليمحص الله الذين امنوا ويمحق الكافرين، يا جابر ان هذا الامر سر من سر الله مطوي عن عباد الله فاياك والشك فيه فان الشك في امر الله كفر..) وهكذا يرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قضية الغيبة والايمان بظهور الامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الى مرتبة الايمان بالله لانه ايمان بامر الله ومشيئته.. وبهذا الرفع ايضاً يصبح الانتظار برنامج عمل ونهجاً دينياً وجهادياً وتربوياً والتزاماً ازاء قضية يقينية مرتبطة بجوهر الدين الاسلامي سواء من حيث كتب الله او الاحاديث النبوية الشريفة او اقوال الائمة المعصومين (عليهم السلام)، كذلك امتداد هذه القضية الى المآلات المصيرية للدين الاسلامي وبالتالي للانسان على الارض وهو امتداد النبوة والتركة العظيمة التي تركها النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الى المسلمين : اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي من آل بيتي فمثلما بقي القران الكريم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) بقي امتداد النبوة (عترتي) في الارض حيث جعلها الحديث النبوي الشريف صنواً للقران في البقاء بين المسلمين لكي لا يضلوا حتى يردوا الحوض وبهذا التقريب الى الواقع من خلال مشاركة المنتظرين المؤمنين بقضية الظهور وتعلق الامر الى حدٍ ما بهم وتكليفهم بالامر فان سماحته يفتح باب الواقعية لهذا الامر على مصراعيه بتصريحه (هذا هو تكليفنا ضمن الاعداد لدولة الامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لانها دولة مؤسسات تقوم على اساس توزيع الاستحقاقات على اهلها ووضع الشخص في الموقع المناسب، ولا يبني الامام دولته بالطرق الاعجازية ولا بالسيف والتدمير وانما بسيرة المصطفى حيث بدأ دعوته وحيداً..) وبهذا نبتعد عن كل التصورات الخيالية اذن فهي دولة ارضية بمؤسسات ارضية وامكانات ارضية ولكنها بمشيئة الهية طبعاً، وبهذا التصور ايضاً يكون اشتراكنا – نحن المؤمنين بالظهور - ضرورياً وفاعلاً فيها بل يحملنا هذا التصور مسؤولية المشاركة الفاعلة الممهدة..

كما تقع مسؤولية تعبئة القواعد المؤمنة بقضية الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على عاتق المرجعيات الرشيدة باعتبارهم الفقهاء العدول فهم نواب الامام بالنيابة العامة، وبهذا تكون كل المشاريع السياسية والاجتماعية وغيرها ضمن قضية التمهيد فلابد اذن من ان تكون هذه القضية مخلصة وخالصة لانها مسؤولة ومراقبة بل هي (جزء من المشروع الرسالي العظيم الذي يمهد لدولة العدل الالهية..) وهي تحت انظار الامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ).. ومن باب هذه الواقعية يدخل سماحة الشيخ الى موضوعة المكان المرتبط بظهور الامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وتاسيس دولته فيه فيشخص العراق مكاناً كما جاء في الاخبار عن الامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)وباعتبار ان العراق هو المكان الذي ولد و عاش فيه الامام وغاب فيه وباعتبار تواجد المؤمنين الممهدين لظهوره المبارك فيه لذلك يربط سماحة الشيخ واقعية المكان باسباب الغزو الامريكي للعراق برابط سياسي وتاريخي جديد وجريء (وما مجيء اساطيلهم وعدتهم الا لمواجهة هذا الرجل الذي سينطلق من هذه الارض المباركة..)، وهنا اذكر كلاماً اورده عباس الزيدي في كتابه المعنون (المسيح المنتظر) حيث يذكر ما نشرته مجلة نوفيل اوبزفاتور الفرنسية من مقال للصحفي جان دانيال (جاء في وثيقة سرية نشرت بتاريخ 3/4/2004 عن اتصال هاتفي قبل الحرب الاخيرة على العراق بثلاثة اشهر من الرئيس بوش الى الرئيس شيراك وان النقاش استمر بينهما اكثر من ساعة كان فيها بوش مستميتاً لاقناع شيراك بالدخول في الحرب او الموافقة عليها وأمام رفض شيراك فاجأه بوش بقوله : علينا ان نتحرك قبل فوات الاوان ان جيش ياجوج وماجوج هو في الانتهاء من تجهيزاته في بابل حيث سيهجم على اسرائيل الكبرى، لا بد ان نتحرك للقضاء على هذا الجيش قبل ان يتحرك) وفي هذا الحوار دليل على وجود الهاجس لدى العالم الغربي المتأتي من معتقداتهم وتاريخهم ودياناتهم عن ظهور قوة تاريخية موعودة في ارض العراق ولكنهم لا يعرفون تسميتها بالضبط على الرغم من ان كتبهم صريحة في انه من ذرية نبي آخر الزمان ومن ولد اسماعيل الذبيح وليس من ولد اسرائيل يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم.. كما يضيف سماحة الشيخ اليعقوبي معلومة مستوحيها من علامات الظهور وهي جديدة ايضاً في الطرح عن الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مفادها (وقيل ان الشمس تشرق من المغرب وربما هو الشمس التي تاتي من الغرب وهو يشبه النبي موسى الذي تربى عند الفرعون..).

اما في معرض دفاعه عن فكرة الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وقضية الظهور فان سماحة الشيخ يرد على المشككين ومن امثالهم احمد الكاتب بادلة عقلية ومنطقية مستوحاة من التاريخ والعقيدة والمشيئة الالهية فالمقتضى التاريخي يبين ان الامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) كان شخصية معلومة ومعروفة في عصره كما كان القمع السياسي من قبل الحكام معروفاً في ذلك العصر ولا سيما استهداف آل البيت (عليهم السلام) من قبل اولئك الحكام لانهم يرون في الائمة المعصومين (عليهم السلام) النور الذي يفيض عدلاً فيفضح جورهم وتسلطهم على رقاب المسلمين وازاء عقدة النقص هذه لدى الحكام الطغاة كانوا يحوكون لهم المؤامرات فقضوا (عليهم السلام) قتلاً او سمّاً.. واذكر هنا بيتا للشاعر دعبل الخزاعي في حضرة المامون العباسي يشخص عقدة النقص هذه والتجاوز على حق آل البيت في ادارة امور المسلمين:

 

ارى حقهم في غيرهم متقسما

وايديهم من حكمهم صفرات

 

فازاء عقدة النقص في الحكم عند الحكام الطغاة كان مصير الامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) سيكون مثل اسلافه الائمة المعصومين وهو القتل او ان يختار الاختفاء عن اعين هذا الحاكم الجائر فكان هذا السبب السياسي والاضطهادي كافياً للغيبة عن الانظار معززة بمشيئة الله سبحانه وتعالى الذي اراد ان يحفظ ويبقي هذا النسل المحمدي والعلوي مستمراً في الارض.. ومثلما كان الامام معروفاً في عصره باخبار اهل عصره من الكُتّاب والادباء فقد كانت غيبته ايضاً معروفة سواء الغيبة الصغرى او الغيبة الكبرى وظهوره الموعود،اما المقتضى الآخر وهو العقائدي المرتبط بالمقتضى التاريخي فهو كما ذكره سماحة الشيخ ان اهل البيت كانوا يذكرون هذه الغيبة فان المستفاد من النقل الصحيح من الروايات والاحاديث الصحيحة عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ظهور الامام بعد غيبته وقد روى هذه الاحاديث من كل فرق المسلمين فقد روى احاديث الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) جماعة من محدثي السنة في صحاحهم كالترمذي وابي داود والحاكم وابن ماجة واسندوها الى الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) وابن عباس والى صحابة آخرين منهم ابن عمر وابن مسعود وطلحة وابي هريرة وابي سعيد الخدري وام سلمة وغيرهم ممن سمعوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يردد حديث مهدي آل البيت بين الحين والآخر.

كذلك في مسند احمد بن حنبل كما يعتقد ابن تيمية بقيمة الحديث الذي رواه ابن عمر: يخرج آخر الزمان رجل من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الارض عدلاً بعد ان تملأ جوراً ذلك هو المهدي.

كما اشار سماحة الشيخ الى وجود ذكر الامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الكتب السماوية في الاديان الاخرى لذلك يذكر سماحته في رده في اننا اذا اردنا الغاء هذه الوسيلة   - التاريخية- لاثبات المعلومات فلا تبقى وسيلة للتصديق الا في موارد محدودة.. اما الشكل الثاني الذي يذكره سماحة الشيخ فهو رفع المانع (وهو استبعاد طول العمر او عدم الحاجة لذلك ونحوه من الاستبعادات كنوم اصحاب الكهف ورفع عيسى الى السماء ووجود الخضر وهو مشهور وغيرهم..).

ان ما يلفت النظر في موضوع ذكر الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في احاديث سماحة الشيخ هو اشاعة ثقافة الانتظار اليقيني المبني على الاسس الايمانية والعقلية وتقريبها الى الواقع بقوة هذا الايمان وكأننا نعد انفسنا عاملين في مؤسسة الامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) او دولته المنتظرة باذن الله تعالى.

 

شارك الاستفتاء

محور الحوزة العلمية

 بسم الله الرحمن الرحيم

لم تكن الحوزة العلمية الشريفة بمنآى عن الحدث السياسي او المشهد العراقي العام في العهد المباد ولكنها لظروف موضوعية معروفة لم يكن بوسعها الانفتاح على الحياة العراقية بالشكل الذي يناسب مكانتها الدينية وبالتالي السياسية والقيادية، ولكن مع هذا بقي ثقلها الشرعي قائماً ومؤثراً في المجتمع العراقي المسلم لانه يرى فيها الحبل الواصل مع تعاليم السماء والنهج الاسلامي القويم..

اما بعد سقوط النظام في 9/4/2003 فقد تعاظم دور الحوزة الشريفة وانفتحت الآفاق كلها امامها مع المجتمع العراقي ولا سيما تلك الآفاق التي اغلقها القمع السياسي وتخوف السلطة من تدخل الحوزة في قيادة المجتمع.. فكان ان تدخلت في اغلب تفاصيل الحياة العراقية بما هو مرجو منها من اصلاح المجتمع ووضعه على الطريق الذي يجعل منه قادراً على مواجهة التحديات و لا سيما في مرحلة ما بعد السقوط.

وبالفعل فقد بدأت الحوزة الشريفة بتوسيع دورها المؤثر وذلك منذ مخاض التغيير ايام سقوط النظام وقبله حيث اصدرت الحوزة توجيهات الى المجتمع العراقي من موقع مسؤوليتها الشرعية والقيادية وحرصها على سلامة الشعب وحقوق المواطن ولا سيما بعد غياب القانون وانفلات الوضع الامني وانفتاحه على كل الاحتمالات السيئة.. فاجمعت الحوزة امرها وتوحدت كمرجعيات وعلماء دين على اصدار التعليمات والتوجيهات التي تضع المواطن العراقي امام مسؤولياته في الدين والمواطنة من باب (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) فكانت هذه التوجيهات تخص كل جوانب الحياة بما فيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وامور الدولة الادارية والمالية وغيرها، من خلال الواعز الديني والضمير الجمعي الاسلامي الذي يتحلى به العراقيون على الرغم من فداحة الفوضى وانكفاء النظام لان الانسان حين تتساقط امامه الانظمة والقيم يبقى اتصاله الروحي مع الله قائماً (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ..) وحبل الاتصال مع الله خير من يمثله هو المرجعية الدينية او الحوزة الشريفة لذلك يتقبل هذا الانسان تعاليم السماء او تعاليم الحوزة لانها متكأه الاخير وملاذه الروحي الآمن ومعياره الثابت الذي يبين له حقوقه وواجباته في اصعب الظروف.. من هنا ركزت الحوزة باجماع مرجعياتها على وحدة الصف العراقي بعيداً عن الاسماء والمسميات ما عدا خيمة الحوزة التي تجمع الجميع.

كما ركزت الحوزة على الواجبات الايمانية للمواطن العراقي التي تؤكد حبه وفعله لعمل الخير وابتعاده عن الاعمال المنكرة المرفوضة شرعاً فحثت على اقامة صلاة الجمعة وصلاة الجماعة حيث تلتف الامة حول مرجعياتها الدينية وتقترب من رضا الله لان صلاة الجمعة وصلاة الجماعة فرصة لتوجيه المجتمع باتجاه قيم الاخلاق والتوحد ونبذ التفرقة والحفاظ على مصلحة الوطن ولا سيما في الظرف الحرج الذي كان يمر به البلد.

كما اكدت على الحفاظ على الممتلكات وتقديم المساعدات واعداد اللجان لتفقد متطلبات كل منطقة من قبل ساكنيها كما اوصت بعدم التسرع في الانتماء او التجاوب مع الاحزاب والجهات السياسية لان المناهج لم تكن معروفة، والابتعاد عن عمليات الثأر والتصفيات وارجاء ذلك الى اقامة المحاكم التي تقوم بهذه المهمة , وكذلك اوصت الحوزة باحترام التركيبة الاجتماعية والاديان السماوية او المذاهب والقوميات بحيث وفرت لكل هذه المذاهب والاديان حصانة شرعية بعيداً عن اي هاجس طائفي او قومي او ديني لان المرجعية او الحوزة تضع كل شرائح المجتمع ضمن مسؤولياتها ازاء الشعب والوطن المتنوع باطيافه وتركيبته.. كما دعت موظفي الدولة للعودة الى العمل في الدوائر لكي تبدأ الحياة الادارية في البلد الى مجاريها.

اي ان المرجعية تصرفت بما يمليها عليها احساسها بالمسؤولية الشرعية والوطنية والاخلاقية والتاريخية في غياب الدولة والنظام وازاء وطاة المحتل الذي لا يبالي بما تؤول اليه الفوضى والانفلات الامني و لايبالي بمصلحة الشعب العراقي بل تهمه مصالحه وسلامة جنوده على حساب سلامة المجتمع العراقي فكانت الحوزة الشريفة او هكذا أَُريد منها ان تعيد بناء مجتمع عانى تدميرين:

الاول: من النظام السابق وسياساته العنجهية الطائشة.

الثاني: الاحتلال الذي ادى الى الفوضى والانفلات الامني والاداري..

من هنا ركز سماحة الشيخ على دور الحوزة واهميته في مناسبات عدة منها حديثه مع جموع الزائرين بتاريخ 27/4/2003 في كلمة بعنوان (الشعب العراقي مسؤوليات وايجابيات) حيث اشاد بالتزام افراد المجتمع بتعاليم الحوزة ومصداقية المجتمع  مع مرجعيته الرشيدة وذلك من خلال (الطاعة الكاملة للحوزة العلمية الشريفة والالتزام بتعاليمها واوامرها، فما ان أمرت الحوزة بترك السلب والنهب من الممتلكات العامة حتى امتنعوا، وحين أمرتهم باعادة المسروقات اعادوها، وحين أمرتهم بالتوجه الى محلات عملهم ووظائفهم لتسيير الخدمات الى الناس، فالمجتمع اذن يعرف بوضوح قادته الحقيقيين..) وهذا الكلام يمثل رضا المرجعية على المجتمع باستجابة المجتمع لكل تعاليمها.

كما ان اهتمام مرجعية الشيخ اليعقوبي بتوسيع دور الحوزة الشريفة وتوحيد آليات عملها وقرارها قاده الى فكرة تاسيس جماعة الفضلاء كتجمع هدفه (النهوض بواقع الامة لتكون بمستوى التحديات وهو مفتوح لكل فضلاء واساتذة الحوزة الشريفة وأئمة الجمعات والجماعات وخطباء المنبر الحسيني.

والغرض من تاسيسها امران :

1- تنظيم آلية عمل الحوزة في اداء المسؤوليات.

2- توحيد الحوزة وتقريب وجهات نظرها..... ).

وهذه هي الشروط الذاتية المرجوة من الحوزة والعمل على توفيرها بعد ان توفر الشرط الموضوعي وهو حريتها في العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي وغيرها بعد ان كانت ممنوعة على التوسع في هذه المجالات في الزمان السابق.

فصار اهم شرط في شروطها الذاتية هو توحيد الكلمة والصف وبالتالي توحيد القرار الشرعي امام الآخر الذي ينتظر من المرجعية الشريفة قراراً في كل الاحداث والمستجدات والقوانين والتشريعات فكانت فكرة تاسيس جماعة الفضلاء هو تحقيق هذا الهدف المهم لكي يقف الآخر امام قرار المرجعية الموحد موقف المقتنع امام الاجماع الشرعي للقرار فمن هنا ياخذ هذا القرار قوته في التاثير في المشهد العراقي العام بكل جوانبه السياسية وغيرها والمستمد قوته من شرعيته وجماعيته او شرعيته المجمع عليها من قبل كل المرجعيات الشريفة.. لان هذا الاجماع يمثل - فضلاً عن الشرعية - جماهيريته حيث ان كل الجماهير المسلمة لها من يمثلها في التقليد ضمن المرجعيات وبالتالي سيكون هذا القرار قراراً جماهيرياً ومطلباً شعبياً من خلال قناة التشريع المرجعي كما ان هذا الاجماع سوف يحصن الصف المرجعي وبالتالي الجماهيري من الاختراق من قبل الجهات التي تعمل على تفريق الصف وتضعيفه وبالتالي تضعيف القرار الاسلامي وسلطته وتاثيره في المشهد العراقي العام.

بل طورت المرجعية هذه الطموحات والمطالب وذلك بان (يكون للحوزة دور في الكثير من الامور كصياغة الدستور وشكل الحكم والاشخاص المؤهلين وتعيين القضاء وغيرها..) اي ان الحوزة بثقلها الشرعي والجماهيري وبانتقالها من العمل الفردي الى العمل المجموعي ستفرض ارادتها العادلة على شكل العملية السياسية وسيرها او على الاقل ان يكون لها بصمات واضحة فيها.

ان تاسيس جماعة الفضلاء اُريد له ان يكون جواباً على (العقدة المستعصية والاشكالية الراسخة عن السؤال من هي الحوزة ومن يمثلها..) كما يشير سماحة الشيخ لكي لا تبقى عنواناً مجملاً ومبهماً لدى الكثيرين بل ان توحد الحوزة بقرار واحد - وليس بفتوى واحدة - وبرؤى متعددة وبتوحدها الذي يمثل العمل الجمعي ووحدة الصف يجعل منها ومن قرارها ذا تاثير اوسع وان هذا الاتفاق الحوزوي من قبل المرجعيات على جماعة تمثلها يوفر لها (الحق في ان تتحدث باسم الحوزة وتعبر عن مطالبها..) فيتسلم الآخر من الحوزة اي من المرجعيات قراراً موحداً لا مناص من القبول به وذلك لقوته الشرعية والجماهيرية في آن واحد كما اسلفنا... هذا فضلا عن كون القرار المجموعي يكون (اكثر عطاء واقل اخطاء باعتبار انظمام العقول ومشاورتها) كما يؤكد سماحة الشيخ.

ووفق هذا التصور لتفعيل دور الحوزة الشريفة وضع سماحة الشيخ اليعقوبي الخطوط العامة للمشروع السياسي في المرحلة الانتقالية التي كان يمر بها البلد وهي الاكثر حساسية لانها المرحلة المباشرة بعد التغيير الكبير الذي حصل كما انها المرحلة التي لم تتخذ فيها المسؤوليات في الدولة قوتها الشرعية والجماهيرية وانما كانت تتم بمقتضى التعيين والارضاء وكان للمحتل الفعل او التاثير الاكبر في وضع خطوط هذه المرحلة سياسياً وادارياً لذلك كانت مبادرة الحوزة الشريفة تمثل حلاً وخلاصاً من استمرار هذه المرحلة العائمة سياسياً فوق مياه الاحتلال.

لذلك ركزت المرجعية الرشيدة على ارادة الشعب وحريته في اختيار (ما تشاء ومن تشاء) لان صوت الشعب وارادته هي الاقوى في ازاحة إرادة المحتل وفرضه لشروطه ومواصفاته على نوع العملية السياسية ووضع خطوطها كما تتطلب مصالحه واجندته في العراق.. فقد كان هذا المشروع من باب (توحيد الجهود وصهر الطاقات لتشكل درعاً يدفع عن امتنا الاخطار ويحقق الطموحات..).

وقد قام المشروع السياسي على ثلاثة محاور رئيسة هي :

(1- لا شرعية لكل الخطوات السياسية التي حدثت بعد سقوط النظام باعتبار كونها فاقدة للشرعية لعدم رجوعها الى راي الشعب ورضاه).

وهذه النقطة تمثل سحب البساط من تحت اقدام المحتل في ادارة البلد او اي اجندة خارجية بعيدة عن ارادة الشعب العراقي كما انها تضع الهدف الرئيس من التغيير الذي حصل امام الانظار وهو انتقال الحكم من الفردية والدكتاتورية الى حكم الشعب عبر المنهج الديمقراطي وتخليص الموقف السياسي من فوضاه وتخبطه او من منطقته السياسية الرجراجة القابلة لكل الاحتمالات والتدخلات..

كما ان عبارة (لا شرعية لكل الخطوات السياسية) تضع المسؤول الانتقالي امام حجمه السياسي الحقيقي وهو موقع تسيير الامور من باب سد الفراغ والتحضير لمرحلة شرعية قادمة وليس من حق هذا المسؤول اتخاذ القرارت الستراتيجية والمصيرية..

 (2- ندعو الى اجراء انتخابات عامة لتشكيل المجلس التاسيسي الذي تنبثق عنه الحكومات المؤقتة الانتقالية ويسن من خلالها الدستور الدائم للبلاد) وهذه الخطوة تمثل وضع الحل والبديل للمسؤول اللاشرعي عبر المطالبة باجراء الانتخابات العامة لتكون بمثابة ارضية صلبة تنهض عليها العملية السياسية القادمة في العراق متسمة بشرعيتها الجماهيرية المتفق عليها من قبل الشعب.

 3- فتعطي تفاصيل هذا المجلس التاسيسي بطريقة مدروسة وتوضيح ملامح الدولة وخطوطها الرئيسة عبر البرلمان المؤقت الذي يمثل السلطة التشريعية المؤقتة في البلاد، ثم الحكومة المؤقتة وتمثل السلطة التنفيذية المؤقتة للبلاد ثم نوع الانتخابات المعتمد ثم الآليات وتوضيح كل هذه الفقرات وشروطها وامكانية تطبيقها على ارض الواقع مع تحديد عدد اعضاء البرلمان وعدد الوزراء ومواصفاتهم وطريقة تقسيم العراق الى دوائر انتخابية وغيرها من التفاصيل.

وبهذا المشروع السياسي المتكامل تضع المرجعية او الحوزة الشريفة المعنيين بالشأن العراقي امام الحل الامثل والاكثر قبولاً من لدن الشعب ومرجعياته الدينية طبعاً.

وقد وضع هذا المشروع بتاريخ تموز 2003 اي في وقت مبكر جداً بعد التغيير، وقد اخذت به - مع بعض التعديلات- سلطة الاحتلال والحكومة المؤقتة التي شكّلها مجلس الحكم بعد عام بالضبط بعد ان فشلت عمليتها السياسية فرجعت الى هذا المشروع وشكلت الجمعية التاسيسية بنفس الخطوات.. ما يدل على سعة افق المرجعية واستقرائها للواقع العراقي وطريقة الخروج من الازمة السياسية التي حدثت بعد التغيير فاثبتت الحوزة وعلى رأسها المرجعية قدرتها على القيادة ووعيها السياسي والاداري ونظرها الثاقب الى المستقبل.. فمثلاً على صعيد تشكيل الوزارة اوصى مشروع الحوزة ان تتكون الوزارة من 23 وزيراً منتخباً في حينها.. ولكن المحاصصات والارضاءات التي سببتها التجاذبات السياسية اوصلت عدد الوزارات الى اكثر من 35 وزارة ثم اثبتت التجارب والواقع السياسي ان عدد هذه الوزارات مبالغ فيه فصار توجيه الحكومة الآن وبعد خمسة اعوام على التغيير ان تكون هناك 22 وزارة فقط وهذا ما يشير الى دقة المرجعية في رؤيتها لعدد الوزارات قبل خمسة اعوام وغيرها من الامور التي عادت لها الدولة بعد سلسلة من الخسارات والتجارب الصعبة التي ضيعت كثيراً من المال والوقت على حساب الشعب العراقي ومصالحه.

واذا كان هذا المشروع السياسي يعد مشروعاً نظرياً قابلاً للتطبيق فان الحوزة عززت هذا المشروع بمشاريع عملية منها اجراء الاسفتاء عن بعض قضايا الحكم والدستور على شريحة كبيرة من المواطنين العراقيين من مختلف المحافظات العراقية ومختلف الاعمار والمستويات الدراسية والقوميات والاديان والمهن ومن كلا الجنسين.. كما ان البيان لم يكتف بتدوين الاسئلة وانما قدم لكل سؤال شرحاً مبسطاً آخذاً بنظر الاعتبار بعض المفاهيم السياسية الجديدة التي لم يطلع عليها كثير من العراقيين كما انه وضح حسنات وسيئات النظام البرلماني او الرئاسي وغيرها.. وقد كانت نتائج الاستفتاء دالة على وعي العراقيين وحاجتهم الى الدستور واهميته لديهم كما وضحت اجابات الغالبية العظمى من المستفتين، كما اثبت الاستفتاء التزام الشعب العراقي بالشريعة ورفضه للمبادئ الخارجة عن الاسلام وابدى ثقته العالية بعلماء الدين وتجاوبه مع الحوزة العلمية الشريفة، كما ابدى وعيه السياسي وحرصه على مصالحه الوطنية وقدرته على تجاوز الماضي بكل عقده والتطلع الى مستقبل افضل ليبنيه العراقيون مجتمعين.

وبهكذا منهج نظري وعملي تؤكد الحوزة الشريفة على انها ليست مجرد كيان علمي صرف مثل الجامعات الاكاديمية، كما يؤكد سماحة الشيخ في حديثه مع دفعة جديدة من كلية التوجيه الديني والاصلاح الاجتماعي بتاريخ 12/1/2006 ويضيف (بل ان الحوزة وعلى رأسها المرجعية تمثل الكيان القيادي للامة بما تقتضيه القيادة من نشاط سياسي واجتماعي واخلاقي وتربوي وفكري وانساني وحتى اقتصادي..).

 

شارك الاستفتاء

محور النفس الأمارة بالسوء 

  بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام ): (من كرمت عليه نفسه هانت عليه رغباته) ويقول اكثم بن صيفي (آفة الرأي الهوى) ويقول البوصيري :

 

[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="1" border="none,4,gray" type=2 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""] والنفس كالطفل ان تتركه شب على = حب الرضاع وان تفطمه ينفطم [/poet]

 

 وكل هذه الحكم والآراء الفلسفية تدخل ضمن جهاد النفس وهو الجهاد الاكبر الذي اشار اليه الحديث الشريف (اعدى اعدائك نفسك التي بين جنبيك) وهذا ما يجعل الانسان المؤمن في صراع دائم مع نفسه وكبح جماح اهوائها ورغباتها وميولها التي توسوس في اعماقه تلك الوساوس التي خص لها فيما خص في قرآنه المجيد سورة كاملة هي سورة الناس لدرء تلك الوساوس بالعياذ بالله منها على انها شر مستطير تكنه النفس البشرية.. من هنا كانت هذه السورة المباركة تحمل معنى التوازي بين هذا الاعتياذ بالله وبين هذه النفس وشرورها فالآيات الثلاث الاولى من سورة الناس هي الاستعاذة بالله سبحانه الذي هو رب الناس وملك الناس واله الناس هذا التاكيد النصي يقابل التاكيد النصي الآخر الذي يخص شر النفس الانسانية من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس فاذا كانت كل هذه الوساوس والشرور المستطيرة هناك ما يقابلها وما هو اعظم منها وهي الوسيلة العظيمة للخلاص منها وهي الاستعاذة بالله الذي هو رب الناس وملكهم وإلههم فهو صاحب الهيمنة الربانية والملكية والالهية على هذه النفوس - الناس - من هنا يتضح معنى التطمين في السورة المباركة والرعاية الالهية للبشر من شرورهم وهي اعظم الشرور وان هذه الرحمة وهذا النصر المبارك متاح للانسان بالاقتراب من الله والاحتماء به من السيل العارم القادم اليه من اعماقه سيل النفس الامارة بالسوء.

ونذكر البوصيري ايضاً:

 

وان امّارتي بالسوء ما اتعظتْ

من جهلها بنذير الشيب والهرم

 

ولكن ماهو مفتاح هذه الرحمة الذي ندخل بواسطته الى فضاء التطمين والانتصار انه العياذ بالله بالتاكيد كما توضح السورة المباركة ولكن لهذا العياذ شروطه ومستلزماته النفسية والعبادية لانه يضع الانسان في النقطة الوسطى بين المساحة الالهية والمساحة النفسية وتجاذبات النفس البشرية.. بين منطقة الرحمن ومنطقة الشيطان ذلك العدو الازلي الواقف بالمرصاد للانسان حتى في اعلى مراتبه العبادية (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) لولا رحمة الله الواسعة.. فالنفس امارة بالسوء الا ما رحم ربي وهذا هو مغزى صراع الانسان الداخلي مع نفسه لانه يحمل في اعماقه نفساً امارة ميالة الى الهوى ويحفزها على ميلها هذا الشيطان ذو الاساليب الكثيرة والكبيرة التي يضعها امام الانسان الضعيف الذي يحمل عدوه في داخله فليس سوى المدد الالهي واللطف الرحماني للاستعانة على هذا العدو الجاثم على صدر الانسان وعلى مشروعه الحياتي بشكل عام.. انه امتحان الانسان في الحياة الدنيا امام هذين الخيارين الازليين الرحمن والشيطان وقد حذر الله الانسان وبصره في قرآنه المجيد (فَأَمَّا مَنْ طَغَى ، وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) اذن فالخطاب واضح والخيار واضح والمثوبة والعقوبة واضحتان ولكن ثمة التضليل والتشويش على هذا الخطاب وبالتالي الغشاوة على البصر والبصيرة ازاء هذه الرحمة الالهية بالتبصير والتحذير.

وهنا نريد ان نناقش مع سماحة الشيخ مقولة الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في هذا الصدد بقوله (قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك) فالعالم هنا لم ينفعه علمه ولم ينفع به غيره وذلك لتهتكه والتهتك هو الخروج عن تعاليم الله والشريعة اما الجاهل المتنسك فهذا المدعي قد اخذ مكان غيره ودخل فضاء يضر به هذا المكان او الفضاء – التنسك - او العبادة والتعاليم الدينية ويضر به غيره لان مسك زمام قيادة هو غير مؤهل ولا قادر على ادارته.. فلنستأنس ونستفد من مناقشة سماحة الشيخ لهذه المقولة ضمن المحور الذي يؤكد عليه كثيراً وهو محور النفس الامارة بالسوء يقول الشيخ (ان الامام (عليه السلام) حينما يقول (رجلان) يقصد تيارين في المجتمع يمثلهما هذان العنوانان وهما الخضوع للنفس الامارة بالسوء وعدم تربيتها التربية الصالحة والانسياق وراء شهواتها والثاني هو الجهل والسذاجة والتخلف فتنعدم عند كليهما القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح لانهما يفتقدان البصيرة التي تدلهما على الهدى..) وبهذا يستوي العالم والجاهل لان النفس الامارة بالسوء قد ساوتهما في مساحتها الشيطانية البعيدة عن المساحة الرحمانية.

فالشيخ يستخلص من مقولة الامام (عليه السلام) امرين يوجزان هذه القضية وهما اتباع الهوى وقلة الوعي اللذين يمثلهما هذان الرجلان وهما عدوان يسكنان النفس البشرية ويساندان بعضهما البعض على تكريس السوء وتزيينه للنفس قبل الشيطان ليضعها او يؤمرها اميرة على السوء فتصبح - الامارة بالسوء - كما يوضح الآي الكريم.

ويبدو لي ان الاديان السماوية بنيت على هذا التجاذب النفسي بين المنطقتين او المساحتين داخل النفس البشرية فصار مقياس الايمان هو الاقتراب او الابتعاد عن الله فمنذ بداية الخلق يوسوس الشيطان لآدم (عليه السلام) بارتكاب المعصية ومخالفة امر الله تعالى، والخطيئة الاولى التي ارتكبها الانسان على الارض هي قتل قابيل لاخيه هابيل (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) اذن فهي النفس التي سولت وامرت بهذه المعصية او الخطيئة.. هذه النفس التي يقابلها الشيطان الذي امر آدم او زين له اكل التفاحة.. فنزل الى الارض ونزل الشيطان معه قريناً لنفسه. فكانت مهمة الرسالات السماوية هي دفع الشيطان عن الانسان ومقاومة نفسه الامارة بالسوء , ونصرة الانسان في صراعه المستمر بين هاتين المساحتين داخل نفسه.

من هنا يؤكد سماحة الشيخ على (اننا مطالبون بمحاربة الشياطين داخل انفسنا الامارة بالسوء قبل كل شيء.. وان نصرنا الحقيقي حينما نستطيع سحق اهوائنا وانانياتنا ونزيل الغل والحقد والكراهية وحب الدنيا بكل اشكالها..).

اذن فكلام الشيخ يوصلنا الى ان حب الآخرين وزرع المحبة في النفوس والزهد بالدنيا وعدم التكالب عليها هو ثمرة من ثمرات الانتصار على النفس الامارة بالسوء بل يذهب سماحته الى ابعد من هذا حين يذكر (ان منافذ الفتنة كثيرة وابوابها الى النفس الامارة بالسوء والميالة الى اللعب واللهو كثيرة وقد ينجح الانسان في اختبار باتجاه ما لكنه يفشل في الاتجاه الآخر..) وهذا يعني ان امام الانسان امتحانات واختبارات عدة ولكن اهمها هو نجاحه امام سلطان النفس وهذا مغزى ما ورد في حديث الامام السجاد (عليه السلام) : (اذا رايت الرجل لا ينخدع بالدنيا فرويدك رويدك لا تحكم عليه بالصلاح فلعله يفشل في الامتحان امام النساء فاذا نجح فلا تغتر به فلعله يسقط في فتنة حب الجاه وهكذا..) اذن فهذه كلها ابواب داخل النفس البشرية وحواجز قد يستطيع الانسان ان يتجاوزها ولكن الحاجز الرئيس الذي يعد انتصاره عليه انتصاراً عليها جميعاً هو حاجز النفس.

وفي موضوع التحرر من الاستبداد والطغيان الذي كان قائماً على الشعب من قبل النظام المباد يذكر الشيخ في خطابه المعنون (هل لامريكا الفضل في التحرير) ان هناك تحريراً اهم من هذا التحرير وهو التحرر من ظلم النفس واستبدادها بقوله (ان الشعب وان تحرر من شكل من اشكال الظلم الا انه بقي مهدداً بالظلم الاكبر وهو ظلم النفس الامارة بالسوء التي تدعو الى معصية الله سبحانه وتعالى وتجر صاحبها الى المهالك..) فاذا كان هناك استبداد واقع على الشعب فان استبداد النفس وطغيانها وعصيانها الله سبحانه هو اخطر من ذلك الاستبداد وظلمها اخطر من ذلك الظلم , وحتى التحرر من الاحتلال كقوة ظالمة اخرى تسلطت على الشعب حيث يسلط الله على الظالم المستبد السابق من هم اظلم منه ألا وهو المحتل فهذا المحتل علينا ان نواجهه بالتحرر اولاً من انفسنا من اهوائها وشياطينها لذلك يركز الشيخ على ان (فاعملوا على تحرير انفسكم من انفسكم فانها مرهونة باعمالكم... وحطموا الاغلال النفسية والفكرية والاجتماعية التي تعيق تكاملكم..).

ولا يفوت سماحة الشيخ ان يؤكد على شخصية القائد المصلح فان السمة الاولى المطلوبة منه ان يصلح نفسه ويهذبها ويؤهلها شرعاً وفكراً وعملاً للقيادة وهذا ما يسمى بـ (العدالة) بل حتى الانبياء كانوا يستجيرون بالله من ظلم النفس كما جاء على لسان يوسف (عليه السلام): (وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) فهذا نداء الانسان المؤمن الى ربه سبحانه ليخلصه من اهواء نفسه وان كان نبياً. وهكذا العالم والفقيه القائد وقد ضرب سماحة الشيخ مثلاً قريباً على تهذيب النفس بشخصية الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) ونجاحه في مشروعه الاصلاحي ويعده الشيخ اسس نجاح كل قائد يريد ان يتصدى لاصلاح الامة فيضع اول اسباب نجاحه (قدس سره) في القيادة والاصلاح هو (تهذيبه لنفسه وسيطرته على غرائزها، وانتصاره على ذاته بحيث اصبح هو يملك زمام نفسه، وليست هي التي تملكه وكان معروفاً بنكران الذات، وطالما كان يكرر انه يدوس على ذاته بقدميه..) فالشيخ يجعل من الشهيد الصدر الثاني انموذجاً وقدوة حسنة له وللمؤمنين فضلاً عن الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة المعصومين (عليهم السلام).. ولعل هذا ما اشار اليه الشهيد الصدر الاول محمد باقر الصدر بقوله اننا اوصلنا المؤمنين الى منتصف الطريق وكان يقصد كما فسره الصدر الثاني بانه العلم والمعرفة والتفقه بالدين.. اما باقي الطريق فهو تهذيب النفس – والدوس عليها - على طريقة الصدر الثاني وهو المشروع الذي عمل عليه في العقد التسعيني ونجح في كبح جماح النفوس المندفعة نحو اهوائها فقل معدل الجريمة في زمنه وازداد معدل الاستعداد والجهاد والعودة لله سبحانه وتعالى وهذا هو نصف المشروع الاصعب وهو النصف المختص بجهاد النفس وهو الجهاد الاكبر ,ولعل في مقولة الامام علي (عليه السلام): يا بني احيي قلبك بالموعظة, وامته بالزهادة...

اختصاراً لهذا الجهاد او الصراع مع النفس...

 

شارك الاستفتاء

محور الحوار مع الآخر

  بسم الله الرحمن الرحيم

الحوار رابطة انسانية بين طرفين اياً كانا.. فهو مبدأ للتواصل والتفاهم وازالة اللبس او الخلاف، كما انه بساط مشترك يطرح من خلاله الانسان آراءه وافكاره للآخر مثلما يتسلم من الآخر، فهو عملية اخذ وعطاء وتبادل فكري متفاعل بين طرفين او اكثر.. ما يعمق العلاقة بينهما ويؤسس لأرضية مشتركة يمكن من خلالها تنمية العلاقات السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الحضارية بشكل عام.

وقد كان عبر التاريخ المؤمن بالحوار والانفتاح على الآخر هو الواثق بما لديه من ذخيرة فكرية وانسانية وقدرة على المواصلة والاقناع بالحجج والتبادل المعرفي كما ان له الثقة بالآخر واحترام ذاته ورأيه مثلما تشع نفسه بالمحبة والاعتراف بحق الاخر بالحياة ويتصف بروح التسامح والانطلاق الى ما هو اكثر نفعاً لكل الاطراف بعيداً عن حب الذات والمصالح الخاصة على حساب الآخر.

من هنا كان الدين الاسلامي الحنيف هو دين المحبة والتسامح والانفتاح على الآخر عبر كل الطرق الانسانية الممكنة فهو يحترم حرية المعتقد (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) كما يحترم خصوصيات الناس وذواتهم (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ).. بل حتى في موضوع الاختلاف في المعتقد حد الاشراك بالله فانه يفتح باب السلم والامان له حتى يستمع الى حقيقتك ورأيك واستمع منه (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) اما قضية الحوار مع الآخر او حوار الاديان والحضارات فان الآية الكريمة تشير اليه (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) بهذا الانصاف انفتح الاسلام على الآخر.

كما ان الحوار او سياسة الاعتراف بالآخر ليس فقط بين المسلم وغير المسلم وانما هو انصاف الناس بشكل عام من ذاتك ومن مشروعك الانساني او السياسي او الثقافي فطالما وفر الحوار واعطاء الفرصة للآخر كثيراً من التضحيات والخسائر المادية والمعنوية كما وفر كثيراً من الوقت الذي يضيع في لغة الاحتراب والتنافر.

ولعل واقع المرحلة الجديدة التي يمر بها العراق كمنعطف تاريخي ومخاض سياسي كبير واقع اكثر ما يحتاج اليه هو الحوار والاعتراف بالآخر والاستماع الى رأيه ومشروعه وتقريب وجهات النظر حد الوصول الى نقطة توازن بين الآراء بحيث تزداد القواسم المشتركة بين المتحاورين حتى وان ادى ذلك الى التنازل عن بعض المصالح من اجل نقطة التوازن التي تخدم الصالح العراقي المشترك.. ففي واقع متداخل ومتغير ومنفتح على مراحل جديدة يجب ان يكون الحوار سيد الموقف وذلك لاختلاف وجهات النظر او التحول السياسي الكبير والتغيير الشامل لكثير من الثوابت التي ترسخت او عمل على ترسيخها نظام سياسي شمولي منذ عقود من الزمن ما يستدعي تغيير كثير من القناعات والرؤى او توجيهها بالاتجاه الوطني الجديد.

لذا فقد نزلت الى طاولة الحوار اغلب الكتل السياسية التي تثق بمشروعها وتعترف بمشروع الآخر ومشروعيته ولم يعترف بهذا المبدأ - مبدأ الحوار والانفتاح على الآخر-  الا الذي في قلبه مرض سياسي او الذي لديه اجندة تدمير وقتل للشعب العراقي فلم نسمع من ارهابي اراد الحوار او طرح مشروعه السياسي لانه لو كان يملك هذه الذخيرة الانسانية والسياسية التي تؤهله للحوار والاعتراف بالآخر لما اقدم على افعاله الوحشية ولاسيما حين يكون الآخر بالنسبة له شعباً باكمله بحضارته وتاريخه وانسانيته.

وقد كان لنا في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اسوة حسنة في لغة الحوار والانفتاح والاعتراف بالآخر سواء في تعامله مع الاديان الاخرى او مع المشركين او مع الناس بشكل عام بمبدأ (التودد الى الناس نصف العقل) كما جاء في الحديث الشريف كذلك مبدأ الحوار والمحاججة الذي اتبعه الائمة المعصومون ومنها محاججة وحوار الامام علي (عليه السلام) مع الخوارج حيث اقتنع كثير منهم بالعدول عن رايهم والعودة الى جادة الصواب فقد كان مبدأ الامام المحاججة وان يجعل القتال آخر الحلول.. وهكذا فعل في صفين والجمل.

كما ان مبدأ الحوار يعتمد على الآخر نفسه، موقفه و ثقافته وغيرها من الصفات وكذلك صفته الرئيسة التي جعلت منه (آخر) أي طرفاً آخر من معادلة الحوار فهناك آخر من حضارة ودين آخر وبذلك سيكون الحوار حوار حضارات وحوار أديان وهذا ما دعا اليه القران الكريم في الآية الكريمة (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) وهذا الحوار له اهميته و لاسيما في هذا العصر من زمن العولمة وبالذات في هذه المرحلة التي يمر بها العراق بعد انفتاحه على العالم بعد ان كان مغلقاً منعزلاً لسنين طويلة.. وهذا الحوار يتطلب وعياً وثقافة مؤثرة بالآخر وموصلة له الصورة المشرقة الحقيقية عن الدين الاسلامي او عن الحضارة الاسلامية وفي هذا الصدد يذكر سماحة الشيخ فيما يتوجب على المفكرين والمحاورين في هذا المجال الحضاري حيث يحدد ثلاث نقاط مهمة هي :

(1- انفتاح الحضارتين على بعضهما والتعرف على حقيقة كل منهما من حيث المقومات والاهداف والآليات..).

أي ان تتوفر النية الصادقة للانفتاح على الآخر ومد الجسور الانسانية معه لكي تنبني علاقة حوارية ممهدة لسماع الرأي والرأي الآخر، ثم اخذ الفكرة الكاملة او المهمة عن الحضارة المراد الانفتاح عليها والتحاور معها ومعرفة نقاط الالتقاء أو الاختلاف معها من اجل خلق منطقة توازن حضارية مشتركة بينها.

(2- عرض النماذج الكاملة من رموزنا ودراسة سيرهم وتحليلها وبيان نقاط العظمة فيها مثل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام)..).

وهذه تغني مادة الحوار والتركيز على النقاط التاريخية المهمة وهي الشخصيات التاريخية الاسلامية لكي نوصل الى الآخر ليطلع على تفاصيل سيرها ودورها في الاسلام والتاريخ بشكل عام لان هذه الشخصيات هي رموز للشخصية المسلمة وقدوة حسنة لها وهي محصلة شخصانية للمجتمع الاسلامي لان الاقتداء يشير الى شخصية المقتدي من خلال شخصية المقتدى به وبهذا ننجح في توصيل ذواتنا العالية الى الآخر من خلال رموزنا الدينية والفكرية والادبية كمحصلة ثقافية وحضارية شاملة.

(3 – ان نجيد لغة الخطاب والحوار مع الآخر ونفهم المداخل المناسبة لعقله وقلبه..) فبعد ان تتوفر النية الصادقة للحوار والانفتاح، ثم المادة التي نريد ان نوصلها، يجب ان نجيد الطريقة التي نوصل بها هذه المعلومة والمثاقفة والمداخلة الحضارية، فالحوار فن بحد ذاته وثقافة وقدرة على التوصيل والاقناع وكسب الآخر او سحبه الى منطقة المحاور الاولى وجعله ينسجم معها ويتعايش مع تفاصيلها لكي ينفتح هو الآخر فتتداخل المنطقتان المتحاورتان وتزداد المساحة المشتركة والقواسم المشتركة الفاعلة التي تخلق نقاط الافادة المتبادلة بين الطرفين.. وفي هذا المجال يضرب الشيخ مثلاً (لا يناسب ان اشرح للاوربي الغارق بالماديات سبب ثورة الحسين على يزيد بانه كان يشرب الخمر وينكح المحارم.. لكن لو عرضت يزيد كقاتل للنفس المحترمة بغير حق ومصادر للحريات ويسرق الاموال العامة، ويثري بغير حق ويتسلط بالقهر على رقاب الامة من دون اجراء انتخابات حرة سيكون المبرر للثورة عليه واضحاً..) وبهذا نوصل الامام الحسين (عليه السلام) الى الاخر على انه ثائر ضد الظلم ومن اجل العدالة الانسانية ومن اجل تعاليم السماء.. وهكذا تصل قضايانا التاريخية او المعاصرة باسلوب يتناسب مع الآخر ومع ثقافته ولغة عصره ومرجعياته الحضارية لكي نقف معه على ارضية انسانية صلبة مشتركة وكذلك نستلم منه ما ينفعنا في المعلومة الحضارية والتبادل الحضاري الذي يخدم كلا المصلحتين ففي رسالة سماحته الى مسؤول الادارة المدنية للعراق بول بريمر في 11 / 4/ 2004 يشير الى اهمية هذا التبادل الحضاري بقوله (اننا نطمح ان تنشأ بين شعبينا علاقة احترام متبادل بعد زوال الاحتلال لاننا نعتقد ان الشعب الامريكي عنده الكثير مما نريد ان نستفيد منه كما ان عند شعبنا العريق في الحضارة الكثير ما يمكن انتفاع الشعب الامريكي منه في ظل حوار ودي بناء، لكن كثرة التصرفات الخاطئة تزيد من الكراهية والعداوة وان كثيراً ممن رحبوا بقدوم القوات الامريكية قبل عام تحولوا الى اعداء..) اذن حتى الامريكان المحتلين يمكن ان نفتح معهم حواراً حضارياً اذا ما عدّونا طرفاً مكافئاً حضاريا لهم بعيداً عن لغة القوة والاعتداء والتدخل في الشؤون الداخلية للعراق.

ويتجلى مبدأ الحوار والانفتاح على الآخر اكثر فاعلية برسالة سماحته الى منظمة المؤتمر العالمي للاديان من اجل السلام في مؤتمرها الثالث في عمان حيث يذكرهم باهمية (تفعيل دورها في تاسيس هذه المبادئ العظيمة ونشر ثقافة التسامح والمحبة والسلام والتآلف واحترام الآخرين لا ثقافة التطرف والتعصب والاحتراب).

اما على صعيد الحوار والانفتاح على الآخر في الراي السياسي او المذهب او القومية وهو المشترك في العملية السياسية وفي واقع العراق الجديد المتشابك والمتداخل فالانفتاح على هذا المشترك بالهم العراقي ضرورة ملحة من اجل ايجاد نقاط توازن وطنية يمكن الرجوع اليها في كل اختلاف او يمكن الانطلاق منها لبناء العراق ونهوضه و لا سيما ان المرحلة الجديدة طرحت العديد من الرؤى التي تمثل الاتجاهات السياسية المختلفة كما ان التثقيف الذي جاء مع الاحتلال في التفرقة بين المذاهب والقوميات يتطلب كثيراً من الحوار والانفتاح للرد على هذه الهجمة الشرسة التي تريد ان تؤجج نار الفتنة والتفرقة بين العراقيين.. فسماحة الشيخ يقدم مشروعاً للمصالحة الوطنية بين العراقيين في رسالته الى العراقيين لمناسبة حلول شهر رمضان مستهدياً باخلاق امير المؤمنين (عليه السلام) في انصاف الآخر.. (فلا تفرقنا اتجاهات دينية او نوازع عرقية، فهذا امير المؤمنين (عليه السلام) يوصي مالك الاشتر عندما ولاه مصر ويعهد اليه بكتاب طويل ومما جاء فيه : واستشعر الرحمة في قلبك للرعية فانهم صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق) وفي الحقيقة لقد كانت دعوة مرجعياتنا الدينية سباقة للمصالحة الوطنية وترك الامور للقضاء العراقي والابتعاد عن لغة الانتقام والعنف.

وفي المؤتمر العام الاول لرابطة بنات المصطفى يتكلم سماحته عن مبادئ الثقافة ومظاهرها، ويوضح معنى الشفافية المراد في القانون الاسلامي لانها (من اهم ميزات القانون الاسلامي وقادته العظماء) ويوجز هذا المعنى في عشر نقاط تصب كلها في مبدأ الحوار والانفتاح على الآخر وانصافه سنمر عليها بايجاز لاهميتها في حلقتنا هذه :

1- انصاف الآخرين من نفسك.. فاذا كان رأي الآخر صحيحاً فكن شجاعاً وقل له ذلك و تنازل عن رايك واعترف بخطئك.

2- المشاورة وعدم الاستبداد بالرأي.

3- اعتماد مبدأ الحوار وعدم فرض الرأي على الآخر مهما كنت مقتنعاً به.

4- التواضع.

5- سعة الصدر.. ولا بد ان تتناسب سعة الصدر بعظم المسؤولية (سعة الصدر آلة الرياسة).

6 – الحب للناس جميعاً فليس في قلب المؤمن حقد ولا غل ولا كراهية.

7 – حسن الخلق مع الناس والتآلف معهم.

8 – المحافظة على حدود الصداقة التي حدها الائمة المعصومون.

9 – حمل الآخرين على الصحة، والتماس العذر لهم.

10 – المواساة بل الايثار (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).

وارى ان حصر الشفافية في هذه المعاني او فتحها على هذه المعاني يعطي لها هالة من الايمان وبعداً من الانسانية والوطنية بما يجعلها محوراً للتعامل مع الآخر وشروطاً للانفتاح عليه.. انها مبادئ تضع الآخر في دائرة الاعتراف بالحوار واهميته والانجذاب الى المحاور والبحث عن مساحات مشتركة تضمن المسار الصحيح للعملية السياسية وتضع من لا يدخل ضمن هذه الدائرة دائرة المبادئ والشفافية الانسانية والوطنية تضعه في دائرة الاستفهام والاتهام ومحاولته عرقلة المسيرة السياسية والاساءة الى مصلحة الشعب العراقي لانه يضع نفسه خارج دائرة التفاهم والحوار الوطني والقضية العراقية وهو بالتالي في الخندق المعادي للشعب العراقي.

وبهذا التحديد لموضوع الشفافية او التوسيع لها تبرئ المرجعية الرشيدة ذمتها من مشروع المصالحة الوطنية وتحكم الشرع والقضاء والقانون في القضية العراقية وتعطي لكل عراقي حقه من المواطنة وواجبه تجاه اخيه العراقي من أي شريحة كان.

كما يُذكّر سماحته المسؤول العراقي بسعة الصدر التي ذكرها الحديث الشريف فانه يناشد الجهات الاخرى غير العراقية المعنية بالقضية العراقية ان تساهم في إرساء قواعد التسامح والمصالحة الوطنية بين العراقيين ففي لقائه مع السيد اشرف قاضي رئيس بعثة الامم المتحدة في العراق بتاريخ 19/4/ 2006 يذكره باهمية دور الامم المتحدة في مساعدة العراقيين على اعادة بنائهم السياسي والاجتماعي ولم شملهم من خلال التثقيف لهذه المبادئ بقوله (..والذي نامله ان لا تطول الفترة حتى يقتنع الفرقاء العراقيون بضرورة الحوار ونبذ العنف والاستعمال غير الشرعي للسلاح لان كل يوم اضافي في عمر الفتنة يعني المزيد من الضحايا والتخلف والحراب وتعطيل الحياة..) ثم يبصره بان تمتد المنظمة الدولية من واجباتها الروتينية في المساعدات الانسانية المعروفة الى التثقيف على ثقافة الحوار والتسامح لما لهذه المنظمة من مكانة في نفوس العراقيين يمكن استغلالها بلم شمل العراقيين بها من خلال المنظمة نفسها (فاني اعتقد ان دوركم ليس في تقديم المساعدات الانسانية ونحوها لان دوركم اهم من هذا.. انه عمل فكري وثقافي باقناع الفرقاء بثقافة الحوار والتسامح والمصالح المشتركة وتوزيع الاستحقاقات و لامعنى لحمل السلاح مع امكانية تحقيق المطالب بالحوار..)

ان الحوار شجاعة واقدام وقد يتحقق من خلاله ما لم يتحقق باسلوب العنف والقتال.. لكن هذه الشجاعة لها اشتراطاتها ونواياها واساليبها التي تجعل من الحوار والانفتاح على الآخر سلاحاً عقلياً وجسراً حضارياً وانسانياً او جسراً وطنياً تبنيه الرؤى المتعددة من اجل ايصال رسالة الى الآخر على عمق الانتماء الى الحضارة والدين والى الوطن والانسانية بشكل عام وكذلك ايصال رسالة الى العالم اجمع بان الانسان العراقي ذو لمسات ثقافية ومجسات حضارية يمكنه من خلالها تحسس الآخر والتوغل الى اعماقه وتحريك هواجسه باتجاه خلق رؤى مشتركة وارضية انسانية او وطنية صلبة للحوار والانفتاح.

 

شارك الاستفتاء

محور الموقف من الدستور

 بسم الله الرحمن الرحيم 

لا يخفى على احد ان الدستور العراقي بصيغته المطروحة الآن هو محصلة مخاض عملية سياسية كبيرة ومعقدة، فبعد التغيير التاريخي الذي حصل في العراق في 9/4/2003 وسقوط نظام شمولي استولى على الحكم لمدة عقود من الزمن بلا دستور دائم ولا نظام ديمقراطي ولا ارادة شعبية فان الخروج من هذا النفق التاريخي الى فضاء الحرية والديمقراطية لا بد من ان ينظم بدستور وبقوانين تسوغ هذا الخروج والتغيير حتى لا يكون التغيير في الشخصيات وانما في النظام السياسي والقوانين وطرح ما هو جديد في العملية السياسية يكون للشعب فيه اليد الطولى والارادة الاوسع والاكثر فاعلية لتتضح حاجة الشعب الى هذا التغيير واهميته على مستوى الانجاز التاريخي المتحقق.

من هنا اتجهت انظار الشعب وفي مقدمته المرجعية الرشيدة الى بلورة هذا الانجاز بوضع اسس دستورية ثابتة تكون ثمرة ملموسة للتغيير السياسي الكبير الذي حصل في العراق، ولكي توضع اللمسات والملامح العراقية في هذا التغيير بوضع دستور عراقي شامل للبلاد بأيد عراقية مؤمنة ومخلصة لقضية العراق لان الدستور كان يمثل الخطوة الاهم في موضوع نقل العراق من بداية التغيير ومخاضاته الاولى وربما من فوضاه السياسية الى نقطة التحول التاريخية ونقطة ما بعد التغيير الآني لتكون هذه الخطوة الدستورية هي المرجعية الشرعية والشعبية لفض أي نزاع سياسي واي اختلاف في الرأي حول المواضيع المهمة التي تخص حاضر العراق ومستقبله.

وحين نقول المرجعية الشرعية والشعبية يعني ان هناك قناتين ينهل منهما الدستور مشروعيته وقوته على الثبات والاكتمال كنص محصن بهاتين القوتين الشرعية والشعبية.. فعن القوة الشعبية له سارت كتابة الدستور باتجاهين الاول هو الاخذ بالحسبان كل ارادات الشعب بشرائحه المختلفة ومصلحة كل فرد او كل شريحة منه لان الذين كتبوا الدستور كانوا يمثلون كل هذه الشرائح ويقفون في المنطقة الوسطى من الرؤية بمسافة واحدة لكل فئات الشعب العراقي وقد كان هذا مخاضاً عسيراً بحد ذاته استغرق فترة طويلة لاحتواء هذه المصالح ولمحاولة الوقوف العادل بمسافة متساوية من كل فئات الشعب...

اما المسار الشعبي الآخر فقد تمثل بالاستفتاء على الدستور من قبل الشعب ليقول الشعب رأيه في قبول هذا الدستور بنصه المطروح ام لا... وان كان هذا المسار فيه بعض المؤاخذات المتمثلة بان الشعب لم تسنح له الفرصة الكافية للاطلاع على فقرات الدستور ومناقشتها على المستوى الآني والستراتيجي ومعرفة تاثيرات هذه الفقرات على حاضره ومستقبله.. وان كان الدستور قد طبع بمنشورات ونشر في بعض الصحف في وقت قريب جداً من الاستفتاء ولكن للحقيقة التاريخية ان الصراع في كتابة الدستور كان متركزاً مع الزمن لان كتابة الدستور والاستفتاء عليه من قبل الشعب كان سيضع العراق على عتبة مرحلة سياسية جديدة.. مرحلة قانونية دستورية يتضح فيها الخيط الابيض من الخيط الاسود من الممارسات السياسية والادارية والمالية وغيرها.. بل تتعداها الى مسائل اهم في الفدرالية والجنسية العراقية وشؤون ادارة البلد... وكذلك هناك الاحتلال الذي يجب ان يتقلص وجوده او يتلاشى بوجود دستور واضح للبلد تعرف كل الاطراف السياسية والافراد حقوقهم وواجباتهم من خلاله، أي ان الدستور بمعناه الحقيقي سينقل البلاد من الفوضى السياسية الى مرحلة النظام السياسي، من الضعف والخواء او الفراغ السياسي الذي حدث بعد السقوط الى مرحلة القوة والامتلاء مرحلة ثبات الخطى المتخبطة بعشوائية الفراغ الامني والسياسي والقانوني...

فكان أي تأخر في اصدار الدستور وتثبيته بالاستفتاء عليه هو تاخير لهذه المكتسبات من القوة والامتلاء والثبات والوقوف بثبات قانوني شعبي امام الاحتلال...

ولكن الدستور مثلما ينطوي على هذه الاهمية فانه لا يخلو من الخطورة والمغامرة حين يصادق الشعب باستفتائه على فقرات ستؤثر على مصلحته العامة او مستقبله او ستكون بمثابة الاسفين الذي يدق في الدستور او الالغام المزروعة فيه والتي يمكن ان تنفجر في أي لحظة قادمة وتكون سبب خلاف من جديد ولا سيما في الفقرات الستراتيجية بل ان الخطورة في الدستور توازي اهميته لهذه الاسباب... فضلاً عن الضغوط السياسية التي كانت تمارس على كتابة الدستور سواء من قبل بعض التكتلات المشاركة في العملية السياسية تلك الجهات التي لا يمكن استثناؤها او اغفال مصالحها لانها اساسية وانسحابها من العملية السياسية سيؤدي الى العودة الى نقطة الصفر والضياع، كذلك الضغط السياسي من قبل المحتل كقوة متسلطة على البلاد ومنقذة له كما يصور نفسه ويتصور كثير من المشاركين في العملية السياسية، لذلك كان لهذه الجهات اشتراطاتها وكلما طال الزمن على كتابة الدستور او اصداره ستزداد هذه الاشتراطات كما يزداد الوضع اللادستوري ترسخاً، وهذا هو مربط الفرس في الصراع مع الزمن في قضية الدستور، وكان نتيجة لتلك الضغوط والارضاءات السياسية التي حصلت في كتابة الدستور ان بعض الجهات الكبيرة والتي فرضت ارادتها واملاءاتها في الدستور تستند الان الى الدستور في الفقرات المهمة كقضية كركوك وقضية الفدرالية وغيرها بحيث انها لا تتنازل عن ما حققته من موضع قدم دستوري لها تستغله في كل المفاوضات حول هذه القضايا... لان الدستور قد تحصن بالارادة الشعبية وان الجهات التي حصلت على مكتسبات فيه تحصنت بهذه الارادة ايضاً، اما الجانب الآخر او القناة الاخرى التي نهل منها الدستور وتثبت بها فهي القناة الشرعية التي تمثل رضا المرجعيات الدينية الرشيدة على فقراته واجازتها باضفاء الشرعية عليه... تلك المرجعيات التي تعي جيداً الصراعات التي تتجاذب كتابة الدستور وتثبيته سواء الصراعات مع الزمن او مع الضغوط السياسية او مع الاحتلال، ولكنها - أي المرجعيات- اذا كانت قد قبلت على مضض بعض الفقرات التي ترى ان الشعب له الحرية على التصويت عليها فانها لم تتسامح مع ما يناقض الشرع او يبتعد عن التعاليم الالهية لانها تسير على قاعدة (ما من واقعة الا ولله فيها حكم) وان كان واضعو الدستور قد اخذوا بحسبانهم القيم الشرعية والتعاليم السماوية وان الدين الاساس في البلد هو الدين الاسلامي بل هو المنطلق لهم في كتابة الدستور وقوتهم المعنوية مثلما هي قوة الدستور المعنوية ولكن المشرع او المرجعية لا تفوتها التفاصيل التي يمكن ان تفوت واضعي الدستور.

من هنا كان للمرجعية تدخلاتها الاصلاحية والشرعية لتزيد الدستور شرعية وتحصيناً دينياً و لتبرئ ذمتها امام الله والشعب في موافقتها عليه...

كما ان المرجعية الرشيدة شخصت الصراع مع الزمن في كتابة الدستور او لنقل التسرع الذي تطلبته عملية كتابة الدستور والتصويت عليه ففي احدى الردود على اسئلة صحفية يرد سماحة الشيخ موضحاً (.. وبصراحة فانني الى الآن غير مقتنع بالجهود المبذولة في مجال توعية الامة باتجاه فقرات الدستور فكيف سنطالب الامة بالتصويت على مواده وهي لا تعرف عنها شيئاً ؟ البرلمان، الفدرالية، فوجود مجلس في نظام امريكا وبريطانٍيا لا يعني انها الاصلح لنا.. نريد ان لا نستنسخ تجارب الآخرين وانما نستفيد منهم لان الحضارة توجد عبر تكامل جهود انسانية) وهو هنا يشحص حالتين مهمتين في موضوعة كتابة الدستور والتصويت عليه أي في فحوى الدستور وتسويقه أو إقراره، النقطة الاساس هي اهمية التثقيف لمواد الدستور وهظمه من قبل افراد الشعب للتفاعل معه واستيعاب تفاصيله عبر التريث قبل اقراره بقوة التصويت والاستفتاء.. والنقطة الثانية هي خصوصية الشعب العراقي التاريخية والاجتماعية والثقافية فلا يمكن ان يصلح له أي دستور منقول ومفصل على مجتمع آخر له خصوصياته الحضارية ايضاً وهي نقطة مرتبطة بسابقتها أي بالاستعجال في كتابة الدستور الذي سيدفع واضعيه الى النقل والاستنساخ او الافادة الكاملة من دساتير اخرى لمجتمعات اخرى لان فرض خصوصية المجتمع العراقي في الدستور يتطلب وقتاً وتأملاً وتطابقاً مع حيثيات هذا المجتمع.. كما ان هذا الراي لا يعدم الافادة من تجارب الآخرين في المراحل التي قطعوها في مجال القوانين الدستورية لاننا لا يمكن ان ننعزل عن تجارب العالم في هذا المجال ونبدأ من الصفر بل ان الحضارة كما يؤكد سماحته كل متكامل من جهود الانسانية جمعاء وهي ذات قواسم مشتركة بين كل ابناء الارض.

ومثل هذا الطرح عن عدم التعجل في اقرار الدستور فان هناك طرحاً موازياً له من قبل سماحة الشيخ حول قدرة الانسان العراقي وسرعته في استيعاب التجارب الانسانية الجديدة وحبه وتطلعه للازدهار والنمو وذلك لانه شعب ذو عمق تاريخي حضاري وذو وعي جمعي ثاقب لذا يؤكد سماحته (قبل الانتخابات كان كثيرون يتحدثون عن انعدام الوعي الانتخابي لعدم وجود تجربة ديمقراطية فيحتاج الشعب الى تأهيل طويل إلا ان الاستجابة بواسطة الانضباط والنزاهة والوعي شيء فاق ما في الدول التي قضت قروناً في الممارسة..) أي ان الشعب العراقي حضاري سريع الاستجابة لاي تجربة تقع ضمن اطار الهاجس الحضاري ولا سيما تجربة الانتخابات او الدستور، وهذه الصفة الحضارية لدى الشعب هي التي جعلته مهيئاً لخوض أي عملية من هذا النوع والانتصار على عامل الزمن الذي غالباً ما يبطل او يعطل كثيراً من المشاريع الحضارية.. وضمن توصياته بخصوصية الشعب العراقي التي تتطلب الخصوصية في دستوره يقدم الشيخ مقترحات وبدائل لفقرات من الدستور بما يناسب الاحكام الشرعية والتركيبة الاجتماعية والاخلاقية العراقية، وقد عُرضت على سماحته مسودات وفصول من الدستور فكتب هوامش وتعليقات عدة نذكر بعضاً منها :

(1 – السيادة للشعب وهو مصدر السلطات...).

التعليق : ليس الشعب مصدراً لكل السلطات فالسلطة الشرعية بمعنى مرجعية القوانين ليست له وانما هي للاسلام..

(2- الاسلام دين الدولة الرسمي ومصدر اساسي للتشريع، ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابته المجمع عليها، ولا مع مبادئ الديمقراطية... الخ..).

 التعليق : من جهتين:

ا - لا ينبغي ان يكون قيد (ثوابته المجمع عليها) للدخول الى مخالفة الشريعة باللعب على الاختلافات الاجتهادية.

ب- ادخال جملة (ولا مع مبادئ الديمقراطية) في هذه الفقرة تثير شكوكاً ومخاوف من ان تكون هذه المبادئ حاكمة على التشريعات الاسلامية..

كذلك في موضوع الحقوق والواجبات في ما يخص منح الجنسية العراقية حيث تضع المرجعية الرشيدة الاشتراطات التي تناسب حرمة الجنسية العراقية كذلك في موضوع الملكية الخاصة التي لا يجوز التصرف بها (الا لاغراض دفع الضرر العام) وليس (لاغراض المنفعة العامة) كما ورد في الدستور في المادة العاشرة.. وغيرها من الاقتراحات والتعليقات التي تضعها المرجعية امام واضعي الدستور من اجل وضع اللمسات التشريعية عليه.

اذن فالدستور كقانون ونظام كان عليه عبور هذين الامتحانين الشعبي والتشريعي وان كانت هاتان المنطقتان الشعبية والتشريعية متلازمتين يكمل بعضهما بعضاً فالارادة الشعبية لا تشتغل بمعزل عن الارادة التشريعية لان الشعب يعرف حدود الله ولكن هناك منطقة يسميها سماحة الشيخ (منطقة الفراغ) هي التي تشتغل فيها الارادة الشعبية منفردة بواسطة ممثلين عن الشعب يقررون فيها دستورياً ما يناسب خصوصية الشعب العراقي مستفيدين من خبراتهم وتجارب الدساتير في دول العالم الاخرى وقراءتهم للواقع السياسي و ديمغرافية الشعب العراقي وغيرها.

يقول سماحة الشيخ في هذا المجال (الاسلام مصدر التشريع في المساحة التي وضع الشارع المقدس لها احكاماً الزامية، اما منطقة الفراغ التي تركها الشارع المقدس للامة كي تقرر ما يناسب حالها وظروفها فهي منطقة فراغ بمعنى خلو الشريعة فيها من احكام إلزامية..) ولكن الشيخ سرعان ما يستدرك الى ان هذه المنطقة ليست منزوعة تماما من الحكم الشرعي ولكنها تشمل العناوين الثانوية وهي التي يمكن ان تعالج بالقوانين الوضعية اما هاجس المرجعية الاول فيبقى (ما من واقعة الا ولله فيها حكم) لذا يجيء استدراك الشيخ (ولا تعني ترك الشريعة لها من دون حكم غير الزامي لانه خلاف ما نعتقده.

ومثل هذه المناطق - منطقة الفراغ والعناوين الثانوية- هي التي يوضع الدستور والقوانين المنبثقة عنه لملئها..) أي ان الشرع مظلة لاحكام الدستور حتى وان خرجت هذه الاحكام من تحت ظلالها لكنها تبقى في منطقتها لان هذه الظلال يمكن ان تمتد الى أبعد من مساقطها الضوئية او ان الاحكام الدستورية يمكن ان تمتد خارج الظلال مستعينة بالمدد والاسناد الشرعي من هذه المظلة.

أي ان الحكم الشرعي هو الام او الاصل بالنسبة للحكم الوضعي الذي مهما اتخذ من قوة شعبية فانه لا يلغي او يتجاوز حدود الحكم الشرعي الذي لا يعرف حدوده الا المجتهد الجامع للشرائط وهنا يكمن سر التقليد الديني واتباع العالم المجتهد لانه الولي الديني او الشرعي (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا) هذا الحكم الذي يقف بوجه أي شعبية لاي قرار او حكم شعبي لانه - الحكم الشرعي - مستند الى القانون الالهي الذي هو اعرف بمصلحة الانسان من نفسه من هنا يؤكد سماحة الشيخ على (ان نتائج أي استفتاء او انتخاب لا تكون ملزمة من الناحية الشرعية الا اذا امضاها المجتهد الجامع للشرائط لانه - أي الفقيه - يمثل القانون الشرعي والاعلم بتطبيقاته وليس فيها مصادرة لرأي الامة وانما هو تقنين وتكييف شرعي لاختيارها. مثل رأي القاضي الواحد ضد اغلبية الناس ).

ومع كثير من المؤاخذات من قبل المرجعية الرشيدة على فقرات الدستور منه (الشراكة الكاملة التي حصلت عليها اقلية لا تزيد نسبتها على 20 % من الاكثرية العربية التي تقرب من 80 % في كل شيء.. فالمفروض ان تتمدد كل فئة بحسب حجمها على الارض) ومنها (اغفال ذكر الاكراد الفيليين ضمن الاقليات العراقية من المادة 122 رغم ذكر من هم اقل عدداً) ومع هذه المؤاخذات وسابقتها فان المرجعية لم تقف بوجه الدستور وتطبيقه كمنجز تاريخي مهم، كذلك ان المكون السياسي الذي يمثل المرجعية في العملية السياسية (مارس دور الابوية والرعاية بفعل توجيهات المرجعية الرشيدة..) لان المرجعية ترى انها تمثل العراقيين جميعاً فالذي يتنازل عنه مكونها السياسي او المحسوب عليها بشكل مباشر فانه سيعود الى عراقيين آخرين من مكونات اخرى ترى المرجعية مسؤوليتها الدينية والوطنية عنهم باباً لقبول هذا التنازل.

من هنا صار القبول بالدستور كقانون ونظام وضعي املته التجاذبات السياسية والقوى الوطنية قبولاً اضطرارياً لدرء الفتنة وفرض النظام والقانون بوجه الفوضى والانفلات،اما التزكية الشرعية الكاملة فامر متروك للتعديلات والاصلاحات الدستورية على اعتبار انه ليس هناك صيغة كاملة متكاملة النص، وقابلية الدستور على التغيير على الاقل في بعض فقراته.

فاذا قال سماحة الشيخ ازاء هذه المداخلات والاخطار( لا استطيع ان اضفي الشرعية على هذه الصيغة فلا بد من اجراء تعديلات) فانه في الوقت نفسه يدرك ويقدر كل الجهود والتجاذبات والضغوط واهمية المنجز التي تنطوي عليها كتابة الدستور لذلك يصرح (على اية حال فان قول ( لا ) غير وارد في حساباتنا.. ).

بقيت نقطة اخيرة نريد ان نضيفها وهي ان الاستفتاء على الدستور من قبل الشعب لم يكن سوى بقول كلمة (لا) او (نعم) أي بالرفض او القبول ولم تكن هناك تعريفات و خيارات برفض بعض الفقرات وقبول بعضها او فرصة لقول الشعب رأيه في بعض الفقرات وطرحه البديل المناسب لها.. ما جعل الشعب امام خيارين، اما خسارة الدستور كمنجز تاريخي في قوله (لا) او القبول به واعطاؤه الشرعية الشعبية حتى للفقرات التي لم تعها نسبة كبيرة من الشعب او لم تبد رضاها لانها تؤثر مستقبلاً على فئة معينة من الشعب.

في حين ان الحوزة العلمية الشريفة طرحت استطلاعاً للراي العام على فقرات الدستور وذلك بنشر بيانات تتضمن القضايا السياسية والدستورية مذيلة بتسعة عشر سؤالاً لشرائح واسعة من المجتمع العراقي من مختلف الاعمار والمستويات الثقافية والاقتصادية ولاقى هذا الاستطلاع نجاحاً باهراً لانه اعطى اهمية لرأي المجتمع وجعله يتفاعل مع الفقرات المستفتى عليها كما ان البيان قدم لكل سؤال شرحاً مبسطاً لكي يوضح للجمهور ما يلتبس ويشكل عليهم في بعض الفقرات، أي ان الاستطلاع كان توعوياً فضلاً عن كونه قراءة للرأي العام حول مواضيعه.

 

مكتب المرجع الديني

الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله)

البريد الالكتروني yaqoobi@yaqoobi.com
الاستفتاءات 009647703240782009647703662505
الاستفتاءات 009647819379053009647703662475
النجف الأشرف نهاية شارع الرسول الأعظم / المدينة القديمة