رسالة المرجعية الرشيدة إلى الشباب
بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة المرجعية الرشيدة إلى الشباب ([1])
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحبتي فتيان الإسلام ذكوراً وإناثاً وفرسان التشيع لأهل بيت العصمة (صلوات الله عليهم أجمعين).
استحضرتُ عند مخاطبتكم الأوصاف الجميلة التي زيّنكم بها الأئمة المعصومون (عليهم السلام)، كقول الإمام الصادق (عليه السلام) لأحد أصحابه: «عليك بالأحداث ـ أي الفتيان ـ فإنهم أسرع إلى كل خير» (الكافي ٨ : ٩٣) وأنتم أرقّ أفئدة وانقى نفوساً لأنكم أقرب إلى الفطرة.
وحينما أخاطبكم بالفتيان فليس ذلك لأنكم في عمر الزهور فقط فهذا أمرٌ
تتساوون به مع غيركم، وإنما لتحقق الفتوّة فيكم، وهي تعني الإخلاص والهمّة والثبات على الحق، والمسارعة إلى الخيرات، والحركة الدؤوبة لإعلاء كلمة الله تعالى، ونشر تعاليم أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) وهداية الناس:{ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (سورة الكهف: ١٣-١٤) فكونوا كذلك فأنتم عزّ الإسلام وقادة المستقبل.
وأنتم اليوم في مفصلٍِِِ تاريخيٍِِِِ من حياتكم، إذ إنّ مستقبلكم يبنى على المنهج الذي تختارونه اليوم وتسيرون عليه، فليكن مستقبلكم مبنياً على الأسس والقواعد الرصينة المستفادة من القرآن الكريم وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) فإنهما حبل الله الممدود والعروة الوثقى (ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبدا) ([2]) ولخصّه الله تعالى بقوله { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (البقرة : 197) ولا شكّ أن هذا البناء سيكون مباركًا حصينًا {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} (التوبة : 109).
فاشكروا الله تعالى كثيراً على ما هداكم إلى نعمة الإيمان والاهتداء إلى الإسلام وولاية أهل البيت (عليهم السلام) التي هي أساس الإسلام، واعترفوا بين يدي الله تعالى بالعجز عن أداء حق شكره {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} (إبراهيم: 34) فإن الحياة لا قيمة لها بدون الأيمان بالله ورسوله (|).
واوصيكم بذكر الله تعالى على كل حال، وأن تجعلوا الله تعالى نصب أعينكم، وأن تستحضروا وجوده تعالى معكم في كل آن {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} (الحديد: 4) وسيكون هذا سبباً لطمأنتكم واستقراركم حينما تشعرون أنكم في جميع أحوالكم في رعاية الله تعالى خالق السماوات والأرض الرؤوف الرحيم بكم، كما أن هذا الشعور يكون أقوى رادعٍ لكم عن التفكير في المعصية وفعل الخطأ.
وتذكروا يوم القيامة والبعث للحساب فيها على كل جزئيات أعمالنا ويومئذ نتساءل مذهولين { مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا } (الكهف : 49) فلا بد من الاستعداد من الآن والانتباه لكل افعالنا حتى لا نتورط بذنب او ظلم يجرُّ علينا واقعا أليماً في الدنيا والآخرة (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا) ([3]).
واغتنموا حياتكم في أعمال البرّ والإحسان والخير، وأهمها المحافظة على الصلوات الواجبة في أوقاتها فقد قال الإمام الصادق (×) في وصيته الأخيرة: «لا تنال شفاعتنا مستخفّا بصلاته» ([4]) ، واحرصوا على برّ الوالدين بأحسن سلوك فقد قرن الله تعالى الاحسان إلى الوالدين بتوحيده {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الإسراء: 23) واحترام الكبير والعطف على الصغير.
واوصيكم بتلاوة القرآن بفهم وتدبّر بحسب ما يتيسر لكم وأن تستفيدوا من معارفه الإلهية وآدابه وحكمه وإرشاداته بمعونة تفسير مختصر لكل صفحة بصفحة مثل تفسير شبر والمعين، وكذا من (نهج البلاغة) الذي يضَمّ خطب وكلمات أمير المؤمنين (×).
وتفقهوا في الدين بما يضمن استقامتكم على الحق فإن الإمام الصادق (×) يقول > لَيْتَ اَلسِّيَاطُ عَلَی رُءُوسِ أَصْحَابِي حَتَّی يَتَفَقَّهُوا فِي اَلْحَلاَلِ وَ اَلْحَرَامِ < ([5]) وثقفوا أنفسكم بما ينوِّر عقولكم ويحيي بصائركم ويحمي عقائدكم كالكتب النافعة في سيرة أهل البيت ( عليهم السلام) والعلماء والصالحين والشباب الرساليين المضحّين وفي الفكر الإسلامي الواعي وإصلاح النفس والمجتمع وبيان حقائق الإسلام وردّ الشبهات.
وأن تمتلئ قلوبكم بالحب وإرادة الخير لكل الناس، ومساعدتهم بما يمكن، فلا مكان فيها للحقد والحسد والغلّ، فإنه لا يفوز في الآخرة: ﴿إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (الشعراء: ٨٩) وأن تتجنبوا إيذاء أي أحد، أو إدخال الضرر عليه، وأن تحسنوا في القول والعمل فإن الله يحب المحسنين.
وأن تكونوا عفيفين فإن (العفة رأس كل خير) ([6]) بعفة اليد فلا تمتد إلى ماحّرم الله تعالى ولا تؤذون بها أحداً ، وعفة اللسان فلا تتفوهوا بكلمة بذيئة ولا تتحدثون بالغيبة والكذب والبهتان ، وعفة العين بأن لا تنظر إلى ما حّرم الله تعالى ، وعفة البطن فلا تدخل فيها لقمة محرمة أو جاءت من كسب غير مشروع ، وعفّة السلوك في العلاقات مع الجنس الآخر ومع الأخرين ، وعفة القلب على النحو المتقدم .
وأوصيكم أن تصاحبوا الكبار من أهل الصلاح والوعي والحكمة فإنهم يدلونكم على الصراط المستقيم ، ويختصرون لكم الطريق، ويتحفونكم بما لا تجدونه إلا بشق النفس.
وأن تهتموا بدروسكم وتحصيلكم العلمي لتكونوا ذوي كفاءة ومهنية، مؤهلين لبناء بلدكم وتحقيق الازدهار لمجتمعكم.
وليكن هدفكم في كل ذلك دائمًا نيل رضا الله تبارك وتعالى ورضا صاحب العصر والزمان (أرواحنا له الفداء) والتمهيد لدولته المباركة، لتكونوا من الكنوز التي يكشف عنها، واستعينوا بالله تعالى واسألوه التوفيق فإنه وليّ كل نعمة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله الطاهرين.
محمد اليعقوبي
١٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
6 /2 / 2026
[1] - طلبت الإدارة المشرفة على تنظيم الدورات الربيعية لمئات من الفتيان وطلبة الجامعات في النجف الاشرف لتغذيتهم بالزاد المعنوي على مدى عدة أيام من سماحة المرجع الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) أن يكتب كلمة توجيهية بخطه فاستجاب لهم بتدوين هذه النصائح والتوجيهات لتكون برنامج عمل في حياتهم، وهي خلاصة خطب وكلمات كثيرة لسماحته نُشِرت مفصلة في موسوعة (خطاب المرحلة) وتفسير (من نور القرآن)، وقد وزعت الكلمة المخطوطة على المشاركين وغيرهم ولاقت صدىً مؤثراً فيهم ، ونظمها أحد الشعراء بقصيدة أنشدها ثلة منهم حينما حضروا في نهاية الدورة للسلام على سماحة المرجع فالحمد لله على حسن توفيقه .
[3] - وسائل الشيعة: 16/95
[4] - وسائل الشيعة 4 / 23 - 27 ، باب تحريم الاستخفاف بالصلاة والتهاون بها ، ثواب الأعمال و عقاب الأعمال ج ۱، ص ۲۲۸ باب عقاب من استخف بصلاته.
[6] - عيون الحکم و المواعظ: ج ۱/ ص 45