عندما تتخاذل الأمة عن نصرة الحق تدفع ثمناً أكبر في تأييد الباطل

عدد القراءات : 12 3/جمادى الأول/1448

عندما تتخاذل الأمة عن نصرة الحق تدفع ثمناً أكبر في تأييد الباطل([1])

ذكر الرواة انه لما اُدخل علي بن الحسين (×) ونساء الإمام الحسين (^) الكوفة محاطين بجيش أبن زياد بعد يوم عاشوراء خرجت نساء الكوفة يبكين ويلطمن فقال الإمام السجاد (×) بصوت ضئيل وقد نحل من المرض: يا أهل الكوفة، إنكم تبكون علينا فمن قتلنا) ([2]).

 وبحسب تحليلي فان بكاءهن لم يكن فقط لمقتل الامام الحسين (×) الذي يعرفه اهل الكوفة حق المعرفة كما يعرفون أباه وأخاه صلوات الله عليهم اجمعين وعاشوا معهم وقد فنّدَ الإمام السجاد (×) ادعاءهم في كلمته الآنفة     ، وإنما كان للخيبة في تحقيق ما أمّلوا من السلامة والنجاة من عقوبة أبن زياد مع خسران الآخرة الذي نالهم ؛ لأن كثيراً من رجال الكوفة خرجوا مع جيش أبن زياد الى كربلاء وهم رافضون لقتال الإمام الحسين (×) سيد شباب أهل الجنة وسبط رسول الله (’)  لكنهم أُكرِهوا لأنّ أبن زياد توعّد بالقتل كُلَ قادر على حمل السلاح لا يخرج لحرب الحسين (×) ونادى مناديه (ايما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفا عن العسكر برئت منه الذمة)([3]) حتى أنه قتل رجلاً من أهل الشام جاء إلى الكوفة في طلب ميراث له ليجعله عبرةً لغيره.

لكن الذي حصل أن شجاعة أصحاب الإمام الحسين (×) واستبسالهم أوقع عدداً كبيراً من القتلى في جيش أبن سعد، وقد ذكرت أعداد منهم في مقاتلة أبي الفضل العباس (×) وعلي الأكبر (×) وحبيب بن مظاهر (رضوان الله تعالى عليه) ، وقتل عدد منهم بالتدافع أثناء المبارزة والفرار فداستهم الخيل، فكان بكاء أهل الكوفة لأنهم لم يسلموا على حياة أبنائهم كما منّاهم الشيطان وخدعهم وباءوا بالإثم العظيم لمشاركتهم في قتل الإمام الحسين وأهل بيته (^) فكانوا مصداقا للحديث الشريف الوارد عن الإمام الحسين (×) وكأنه يخاطبهم: >من حاول أمراً بمعصية الله كان أفوت لما يرجو وأقرب لما يحذر <([4]) .

وفي هذه الحادثة درس للأمة في جميع الأزمان بأنها إذا تخاذلت عن نصرة الحق والعلماء الربانيين وبخلت بما يستلزمه التكليف من مال أو جهد أو تضحية ومالت الى الدعة والراحة، فإنها سوف لا تحصل على ما أرادته من الدنيا وتضيف إلى ذلك الخسران المبين في الآخرة ولو أن أهل الكوفة وفوا ببيعتهم للإمام الحسين (×) الذي أخذها منهم مسلم بن عقيل (رضوان الله تعالى عليه) لما كان لأبن زياد ومن معه من الأشرار وجود في الكوفة حيث دخلها بعدد لا يتجاوز عدد الأصابع.

وإذا وقفت بشجاعة وأدت ما عليها فأنها تسلم في الدنيا وتفوز في الآخرة، وكمثال معاصر: تصوروا لو أن الأمة تخاذلت وتقاعست عن تلبية دعوة مراجع الدين للتعبئة وجهاد الإرهابيين المتوحشين من داعش وأمثالها الذين هاجموا مدن العراق وأوغلوا في الجريمة، وآثروا السلامة والراحة فأن الإرهابيين سيقتلونهم جميعا ويبيعون نسائهم في سوق النخاسة ويهدمون دورهم ويسرقون أموالهم فعلينا أن نعي هذا الدرس ونأخذ منها العبرة {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} (الحاقة: 12).

وقد شرحنا هذا الدرس في القبس المستفاد من الآية الكريمة { فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } (الأنفال: 36)

 



 [1] من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله)  مع بعض الوفود والزوار في مكتبه يوم السبت 18 / محرم 1448 الموافق 4 / 7 / 2026  

[2] ـ بلاغات النساء: 37 عن الصحيح من مقتل سيد الشهداء: 1035، وعن الامالي للمفيد وتاريخ الطبري.

[3] ـ الصحيح من مقتل سيد الشهداء: 600 ـ 601، عن كتاب أنساب الأشراف – ط. دار الفكر، ج 3، ص 387. والاخبار الطوال .

[4] ـ تحف العقول: ص 248.