(يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) - خالد بن سعيد بن العاص الأموي مثالاً
(يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) (الأنعام: 95)
خالد بن سعيد بن العاص الأموي مثالاً ([1])
تكشف الآية الكريمة عن إحدى تجليات القدرة الإلهية العظيمة ومثالها الأوضح نبي الله آدم (×) فقد خلقه الله تعالى من تراب (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل عمران: 59)، وقد ورد عن الأئمة (×) تفسيرُ معنوي للآية فقد روى الشيخ الكليني في الكافي بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (فـ[الحي]: المؤمن و[الميت]: الكافر، وذلك قول الله عز وجل: [أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ] (الأنعام: 122) فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر، وكان حياته حين فرّق الله عز وجل بينهما بكلمته)([2]).
ولنأخذ مثالاً رائعاً لهذه الآية الكريمة وهو خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، فمن بيت غارق في الجاهلية يقود حركة العداء والمواجهة لرسول الله (|) ورسالته الإسلامية بضراوة، ومن الشجرة الملعونة ([3]) في القرآن ومن الشجرة الخبيثة([4]): تظهر هذه الثمرة المباركة ، ويخرج مسلم صادق الإيمان، حيث امتلك الإرادة والشجاعة ليتحرر من قيود الأسرة والجاه وحبّ الدنيا حتى أصبح فتىً من فتيان الإسلام الأوائل الذين أُشربت قلوبهم حب الله تعالى ورسوله فأعرضوا عن الدنيا العريضة التي كانت متاحة لهم، وتحملوا ضريبة الإيمان بالله تعالى ورسوله في زمن القبض على الجمر منذ صدر الإسلام .
وأضاف إلى ذلك وعياً رسالياً حين وعى وصايا رسول الله (|) في علي (×) وإمامته من بعده فكان هاشمي الولاء علوي المنهج، ومن شيعته الثابتين في المحنة والفتنة، رغم عليا (×) قتل أخاه العاص في بدر وشارك في قتل أخيه الثاني عبيدة، وكان خصوم علي (×) يثيرون هذه النقمة في نفوس ذوي قتلى المشركين، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب رأى إعراضاً من سعيد بن العاص بن سعيد الذي قتل علي (×) أباه العاص أخا خالد في بدر فقال له: (أتظنُّ أني قتلت أباك؟) ثم روى له كيف أن علياً (×) هو من قتله وكان علي (×) حاضراً فقال: (اللهم غفراً، ذهب الشرك بما فيه، ومحا الإسلام ما تقدم، فما لك تهيج الناس عليَّ؟ فكفّ عمر، فقال سعيد: أما إنه ما كان يسرّني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي بن أبي طالب)([5])، فكان خالد راسخ الولاء لأمير المؤمنين (×) حتى أطلق عليه (نجيب بني أمية) ([6]).
ففي عرض سيرته العطرة بيان لجوانب الأسوة الحسنة، وشاهد على تجذّر التشيع لعلي (×) في حياة رسول الله (|) وليس كما يزعم البعض أنه مذهب طارئ بعد ذلك، فلا تغفلوا عن التعرف على هؤلاء الصحابة الكرام الذين قلّدهم رسول الله (|) أوسمة الفخر في الدنيا والآخرة.
كما أن فيه درساً في الإنصاف وعدم مؤاخذة الشخص المستقيم بانحراف أهله وذويه امتثالاً لقوله تعالى: [وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى] (الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7).
وكان أبوه الملقب (أبو أحيحة) ([7]) وهو ابن عم أبي سفيان من سادة قريش وأثريائها ((إذا اعتمَّ بمكة لا يعتمّ أحد بلون عمامته إعظاماً له وكان يقال له ذو التاج)) ([8]) من أشد المناوئين لرسول الله (|) كما هو شأن أقرانه الآخرين خوفاً على امتيازاتهم ومصالحهم من الدعوة الجديدة، قال في الاستيعاب: ((وكان أبوه شديداً على المسلمين، وكان أعزّ من بمكة)).
وكان لأبي أحيحة ثمانية أولاد، قتلوا جميعاً ثلاثة على الجاهلية اثنان منهم في بدر، وخمسة على الإسلام([9])، وروي أن أباه سعيد بن العاص مرض فقال: (لئن رفعني الله من مرضي هذا لا يُعبد إله أبن أبي كبشة _يعني رسول الله (|) – بمكة أبداً، فقال خالد بن سعيد عند ذلك: اللهم لا ترفعه، فتوفي في مرضه ذلك)([10]).
وكان خالد من السابقين إلى الإسلام في بداية الدعوة إلى الإسلام أو أيام الدعوة السرّية كما يظهر من رواية أبنته الآتية حيث لم يدعُ النبي (|) إلى الإسلام من غير بني هاشم إلا هو وابا ذر، حتى روي أنه ثالث أو رابع أو خامس مَن أسلم([11])، ولم يُغْرِه ثقل العنوان الذي ينتمي إليه، ولا الترف الذي هو فيه وهو في ريعان الشباب([12]) والدنيا مقبلة عليه عن اختيار طريق الكمال والكرامة الإنسانية، ولم يخشَ قسوة التعذيب الذي كانت قريش تمارسه مع من يسلم، وقيل في سبب إسلامه: (أنه رأى في النوم أنه واقف على شفير النار فذكر من سعتها ما الله به أعلم، ويرى في النوم كأن أباه يدفعه فيها ويرى رسول الله آخذاً بحقويه _أي خصريه _ لئلا يقع، ففزع من نومه فقال: أحلف بالله أن هذه لرؤيا حق، فلقي رسول الله(|) وهو بأجياد فقال: يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده لا شريك له و أن محمداً عبده ورسوله وخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع و لا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يدري مَن عبده ممن لم يعبده. قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فسُرّ رسول الله بإسلامه، وتغيّب خالد، وعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه من بقي من ولده ممن لم يسلم ورافعاً مولاه، فوجدوه، فأتوا به إلى أبيه أبي أحيحة فأنّبه وبكّته وضربه بمقرعة([13]) في يده حتى كسرها على رأسه ثم قال: اتبعت محمداً و أنت ترى خلافه قومه وما جاء به من عيب آلهتهم، وعيب من مضى من آبائهم؟ فقال خالد: قد صدق والله واتبعته. فغضب أبو أحيحة ونال من ابنه وشتمه، ثم قال: اذهب يا لكع حيث شئت فو الله لأمنعنك القوت، فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به، فأخرجه وقال لبنيه: لا يكّلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت به، فانصرف خالد إلى رسول الله (|) فكان يلزمه ويكون معه)([14]).
فكان طواغيت قريش يعذبون المسلمين بأقسى أنواع العذاب لفتنتهم عن دينهم وينزل الله تعالى السور والآيات ليربط على قلوبهم كسورتي العنكبوت والقصص وغيرها ، وفي طبقات ابن سعد أن أباه (أمر به إلى الحبس وضيّق عليه وأجاعه وأعطشه حتى لقد مكث في حرّ مكة ثلاثاً ما يذوق ماءً، فرأى خالد فرجة فخرج فتغيّب عن أبيه في نواحي مكة)([15]).
فلم يبنِ خالد معتقده على رؤيا في المنام ونحوها من الأمور كالاندفاع العاطفي أو السلوك الجمعي أو التأثّر الشخصي التي لا تثبت بها حجة شرعية، وإنما جعلها حافزاً ودافعاً للبحث عن الحقيقة فسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إلى ما تدعو؟).
ونقلت ابنته أم خالد المولودة في الحبشة رؤيا أخرى، قالت: (لمّا كان قبيل مبعث النبي (صلى الله عليه وآله) بينا خالد بن سعيد ذات ليلة نائم، قال: رأيت كأنه غشيت مكة ظلمة حتى لا يبصر امرؤٌ كفّه، فبينا هو كذلك إذ خرج نور من زمزم ثم علا في السماء فأضاء في البيت، ثم أضاء مكة كلها، ثم إلى نجد، ثم إلى يثرب فأضاءها حتى أني لأنظر إلى البُسْر (الرطب) في النخل! قال: فاستيقظت فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد، وكان جَزِلَ الرأي (راجح الرأي) فقال: يا أخي إن هذا الأمر يكون في بني عبد المطلب، ألا ترى أنه خرج من حفيرة أبيهم (زمزم) قال خالد: فإنه لمما هداني الله به للإسلام.
قالت أم خالد: فأول من أسلم أبي، وذلك أنه ذكر رؤياه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا خالد أنا والله ذلك النور، وأنا رسول الله، فقصّ عليه ما بعثه الله به، فأسلم خالد، وأسلم عمرو)([16]).
أقول: لم يجعل خالد الرؤيا دليلاً يتمسك به لأنه ليس بحجة وانما اعتبره منبهاً رزقه الله تعالى إياه ليدفعه نحو البحث عن الحق، كما قد تكون الكلمة ([17]) أو الموقف أو الحالة سبباً إلى ذلك، فوفقه الله تعالى لملازمة رسول الله (|) حتى يصبح ويمسي معه (وكان يصلي في نواحي مكة خالياً)([18])، ثم أسلم معه أخوه عمرو ثم تعاقب إسلام إخوته سعيد والحكم وكان إسلام أبان بعد الحديبية، واستشهد خمستهم في حروب الإسلام.
ولما اشتدّ أذى قريش نصح رسول الله (|) المسلمين بالهجرة إلى الحبشة ليعبدوا ربهم في أمان فخرج خالد وزوجته وأخوه عمرو مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وولِد له هناك ولد وهو سعيد([19]) وبنت وهي أم خالد ومكثوا هناك حتى عاد مع جعفر وقد فتح الله تعالى لنبيه (|) خيبر فأسهم لهم مع المقاتلين.
ويظهر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يكلّفه ببعض المهام والأسفار خلال مكثه في الحبشة، ومنها أنه تولّى تزويج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن تنصَّر زوجها عبيد الله بن جحش هناك وأصدقها ملك الحبشة، وفي الاستيعاب أن خالد بن سعيد قدم بأمّ حبيبة من الحبشة عام الهدنة([20]) أي صلح الحديبية وروي أنه زار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة بعد بدر قبل رجوعه الأخير مع جعفر، وفيها قال لرسول الله (|): (يا رسول الله لم نشهد معك بدراً _وكان أصحاب رسول الله (|) يتفاخرون على بعضهم بحضور هذه المشاهد والنبي (|) ينهى عن ذلك _ ، فقال (|) أوَما ترضى يا خالد أن يكون للناس هجرة ولكم هجرتان ثنتان؟)([21]).
ولم يتخلّف عن رسول الله (|) بعد رجوعه إلى المدينة في مشاهده كلها فخرج هو وأخوه عمرو معه إلى عمرة القضاء وفتح مكة وحنين والطائف وإلى تبوك.
وكانت له مكانة اجتماعية، (وهو الذي مشى في الصلح بين ثقيف وأهل الطائف وبين رسول الله (|)) ([22]).
كان خالد أحد الكتّاب لرسول الله (|) ([23]) وولاه اليمن وكان أخوه عمرو على تيماء وخيبر وأبان على البحرين، وحينما وصل اليمن رحّبَّ به فارسها المشهور عمرو بن معدي كرب ومما قال فيه.
فقلت لباغي الخير إن تأتِ خالداً نَسُّر وترجع ناعم البال حامداً ([24])
ولما مات رسول الله (|) رجع هو وأخوته الأمراء إلى المدينة وتركو أعمالهم، وتوجهوا إلى أمير المؤمنين (×) فقال خالد لبني هاشم (إنّكم لطوال الشجر طيبّوا الثمر ونحن تبع لكم) ([25]) ورفضوا أن يكونوا تحت ولاية المنقلبين، فأصّر أبو بكر عليهم أن يعودوا لأعمالهم لأنه يعرف ثقلهم في قريش والأمة عموماً وقال: >ما لكم رجعتم عن عمالتكم؟ وما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله (|)، ارجعوا إلى أعمالكم، فقالوا: نحن بنوا أحيحة، لا نعمل لأحد بعد رسول الله (|) أبداً)([26])، لما رأوا انقلاب الأمة وعصيانها أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في جعل عليّ إماماً وخليفة من بعده.
وكان خالد من المبادرين إلى الإنكار على أبي بكر تقمصه الخلافة وغصب حق أمير المؤمنين (×) مع إثني عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار، بعد أن رجعوا إلى أمير المؤمنين (×) لبيان ماذا يفعلون فنصحهم بالموعظة والتذكير والتحذير وليس الخروج بالسيف لقلة الأنصار، وقال (عليه السلام) لهم: (ولكن ائتوا الرجل فأخبروه بما سمعتم من نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا تجعلوه في الشبهة من أمره، ليكون ذلك أعظم للحجة عليه وأبلغ في عقوبته إذا أتى ربّه وقد عصى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخالف أمره)، وهو موقف عظيم يكشف عن وعي وبصيرة وشجاعة حيث كانت سيوف الإرهاب مسلطة على رقاب كل من يعترض على الخلافة ولم يرقبوا حرمة حتى للسيدة الطاهرة فاطمة الزهراء (÷) بنت رسول الله (|)، روى البرقي في آخر رجاله([27])، والصدوق عنه في الخصال([28])، ورواه الطبرسي في الاحتجاج عن أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (×) أن خالد بن سعيد أول من تكلم على أبي بكر و أنكر عليه و قال له اتقِ اللّه يا أبا بكر فقد علمنا أن رسول اللّه قال ونحن محتوشوه يوم بني قريضة -أي قبل يوم الغدير بسنوات- حين فتح اللّه له و قد قتل علي (×) يومئذ عدة من صناديد رجالهم و أولي البأس و النجدة منهم يا معاشر المهاجرين و الأنصار إنّي موصيكم بوصية فأحفظوها و موعدكم امرا فأحفظوه ألا ان عليا أميركم و خليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي ألا و إنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي و توازروه و تنصروه اختلفتم في أحكامكم و اضطرب عليكم أمر دينكم و وليكم أشراركم ألا إن أهل بيتي هم الوارثون لأمري و العاملون بأمر أمتي من بعدى اللهم من أطاعني فيهم من أمتي و حفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي و اجعل لهم نصيباً من مرافقتي يدركون به نور الآخرة اللهم و من أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنة التي عرضها كعرض السموات و الأرض فقال له عمر بن الخطاب اسكت يا خالد فلست من أهل المشورة و لا ممن يقتدى برأيه فقال خالد: بل اسكت أنت يا أبن الخطاب فإنك تنطق على لسان غيرك و أيم اللّه لقد علمت قريش إنك من ألأمها حسباً و أدناها منصبً و اخسها قدراً و أخملها ذكرا و أقلهم غناء عن اللّه و رسوله و إنك لجبان في الحروب بخيل في المال لئيم العنصر ما لك في قريش من فخر و لا في الحروب من ذكر و إنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان اذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنّي بريء منك أني اخاف اللّه رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها و ذلك جزاء الظالمين فأبلس عمر و حبس -أي سكت- خالد بن سعيد)([29]).
ولما هددوه بالقتل إن أصرَّ على موقفه المعارض قال: (أبأسيافكم تهددوننا، أم بجمعكم تفزعوننا، والله إن أسيافنا أحَدُّ من أسيافكم، وإنا لأكثر منكم وإن كنا قليلين، لأن حجة الله فينا -يعني علي بن أبي طالب (عليه السلام)-، والله لولا أني أعلم أن طاعة الله ورسوله (|) وطاعة إمامي أولى بي، لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري! فقام أمير المؤمنين (×) وقال: اجلس يا خالد، فقد عرف الله لك مقامك وشكر لك سعيك. فجلس)([30]).
أقول: ولم يبايع هو وإخوته إلا بعد أن بايع بنو هاشم كرهاً حفاظاً على بيضة الإسلام ودرءاً للفتنة التي كانت محدقة بالأمة، قال أمير المؤمنين (×) (فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ اِنْثِيَالُ اَلنَّاسِ عَلَى فُلاَنٍ يُبَايِعُونَهُ فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ اَلنَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ اَلْإِسْلاَمِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآلهوسلم)([31]) .
وكان أبو بكر يعترف بصدق خالد وإخلاصه لدينه وأمته، وكفائته الإدارية والعسكرية، لذلك أمّره على جيوش المسلمين التي خرجت إلى الشام لتخليصها من الروم، وخرج مع عدة ألاف طليعة حتى إذا كان على مسافة عدة أيام من المدينة أتاه كتاب أبي بكر بعزله بعد ضغط من عمر وتخويفه من أنه سيستخدم هذا الجيش للانقلاب عليه، قال ابن سعد: (كان رأي أبي بكر فيه حسناً، وكان معظماً له، فلما بعث أبو بكر الجنود على الشام عقد له على المسلمين وجاء باللواء إلى بيته، فكلم عمر أبا بكر وقال: تولي خالداً وهو القائل ما قال؟ فلم يزل به حتى أرسل أبا أروى الدوسي فقال: إن خليفة رسول الله (|) يقول لك أردد إلينا لواءنا، فأخرجه فدفعه إليه وقال: والله ما سرتنا ولايتكم ولا ساءنا عزلكم وإن المليم لغيرك، قالت أبنة خالد: فما شعرت إلا بأبي بكر داخل على أبي يعتذر إليه ويعزم عليه ألا يذكر عمر بحرف)([32]) .
و(لمّا عزل أبو بكر خالد بن سعيد لم يثنه ذلك عن الخروج للجهاد مع إخوته ومتعلقيه في جيش القائد شرحبيل بن حسنة([33]) وكان أحد الأمراء -أي أمراء الجيوش التي خرجت إلى مناطق الشام المختلفة كفلسطين والأردن وسوريا بعناوين اليوم- وأوصاه أبو بكر بخالد، فقال: انظر خالد بن سعيد فاعرف له من الحق عليك مثلما كنت تحب أن يعرفه لك من الحق عليه لو خرج واليا عليك، و قد عرفت مكانه من الإسلام، و ان رسول الله (|) توفي و هو له وال، و قد كنت وليته ثم رأيت عزله و عسى ان يكون ذلك خيرا له في دينه، ما أغبط أحداً بالأمارة)([34]).
(فخرج -أي خالد رغم عزله عن إمارة الجيش- هو وأخوته وغلمانه ومن اتبعه، وكان أول من عسكر، قال: ولما تهيأ الناس للخروج وترافق الناس وانضمّت المتطوعة إلى من أحبت، نزل خالد بن سعيد تحت لواء أبي عبيدة يسير معه، قال: فقال بعض الناس لخالد بن سعيد حين تهيأ للخروج مع أبي عبيدة: لو كنت خرجت مع ابن عمك يزيد بن أبي سفيان، فقال: ابن عمي أحب اليَّ من هذا لقرابته، وهذا أحب إليَّ من ابن عمي في دينه وقرابته، هذا كان أخي على عهد رسول الله (صلى الله عليه (وآله) وسلم) ووليي وناصري قبل اليوم على ابن عمي، فأنا به أشد استئناساً وإليه أشد طمأنينة)([35]).
وخرج أبو بكر والمسلمون لتوديعه وبكوا كثيراً حينما رأوا عزمه على الشهادة وودعهم وداع من لا يرجع، وهناك قال كلمات لأبي بكر حيث لم يكن يبخل بالنصيحة عل ولاة أمور المسلمين، ومما قال بعد حمد لله تعالى والثناء عليه: (يا أبا بكر إن الله قد أكرمنا وإياك والمسلمين طرّاً بهذا الدين، فأحقُّ من أقام السنة وأمات البدعة وعدل في السيرة الوالي على الرعية. كل امرئ من هذا الدين محقوق بالإحسان إلى إخوانه، ومَعْدَلَةُ الوالي أعمّ نفعاً، فاتق الله يا أبا بكر في ما ولاك الله من أمره، وارحم الأرملة واليتيم، وأعن الضعيف والمظلوم، ولا يكن رجل من المسلمين إذا رضيت عنه آثر في الحق عندك منه إذا سخطت عليه، ولا تغضب ما قدرت عليه فإن الغضب يجرّ الجور، ولا تحقد وأنت تستطيع، فإن حقدك على المسلم يجعله لك عدواً، فإن اطلع على ذلك منك عاداك، فإذا عادت الرعية الراعي كان ذلك مما يكون إلى هلاكهم داعياً. ولِنْ للمحسن واشتدَّ على المريب، ولا تأخذك في الله لومة لائم)([36]).
أقول: وهي كلمات من نور تستحق أن تكون دستوراً لعمل ولاة أمور الأمة وقادتها في أي موقع مدني أو عسكري وقد وعاها خالد بن سعيد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام).
وشارك خالد وأخوته في فتوح الشام حتى استشهد في فتح أجنادين([37]) سنة 14 هجرية في خلافة عمر وقيل في مرج الصفر قبل ذلك سنة 13 هجرية في خلافة أبي بكر وقيل جُرح في هذه، واستشهد في ذلك وقال فيها:
مَنْ فارسٌ كَرِهَ الطعان يعيرني رمحاً إذا نزلوا بمرج الصُّفَّر
وأبلى في تلك المعارك بلاءاً حسناً ووصفه المؤرخون بأنه كان >يقف في مقدمة الناس ويحرّض على القتال ويرغّبهم في الشهادة، وصار خالد بن الوليد وأبو عبيدة من وراء الناس<([38])، وصمد خالد بن سعيد لجحافل الروم التي تفوق المسلمين عدداً وعدة وكأنه أراد الوفاء لرفيقه في السبق إلى الإسلام والهجرة إلى الحبشة والمدينة وفي الجهاد جعفر بن أبي طالب([39]) الذي اشهد على تلك الأرض في مؤتة حيث كان جعفر ثالثاً بعد عليّ وخديجة وخالد رابعاً حتى نال شرف الشهادة، واستشهد معه في أجنادين أخوه عمرو وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وآخرون.
واستشهد عدد من أخوته أيضاً في معارك الشام الأخرى حتى قيل: (ما فتحت بالشام كورة إلا وجد فيها رجل من بني سعيد بن العاص ميتاً)([40]) حيث استشهد الحكم في مؤتة وخالد وأخواه عمرو وأبان في فتوح الشام([41]).
وروي أن خالداً (قتل وهو ابن خمسين أو أكثر، وكان وسيماً جميلاً)([42]).
أقول: فيكون عمره حين الهجرة النبوية 36 سنة، وعمره حين أسلم في بداية الدعوة العلنية بعد ثلاث سنين من نزول الوحي 26 سنة وربما قبل ذلك إذا صحّ إسلامه في زمن الدعوة السريّة بفعل الرؤيا المتقدمة وانفتح عليه النبي (|).
لم يكن فيه ما يعاب به وغاية ما كان ينبزه به حسّاده موت أبيه على الشرك فكان النبي (|) ينهاهم عن ذلك، روي (أن النبي (|) مرَّ بقبر أبي أحيحة والد خالد في مكة فقال أبو بكر: هذا قبر ابي أحيحة الفاسق، فقال خالد بن سعيد: والله ما يسرّني أنه في أعلى عليين وأنه مثل أبي قحافة، فقال النبي (|): (لا تسبوا الموتى فتغضبوا الأحياء)([43]).
إن حبَّنا لأمير المؤمنين علي (×) يدفعنا إلى حبّ كل من أحبّه ووالاه ونصره ونلتذ بذكرهم ومنهم هذا الصحابي الجليل الذي أقصي بسبب ولائه لعلي (عليه السلام) لكن ذلك لم يثنه عن الثبات على طريق الحق والمضي فيه، وإنّ في سيرته دروساً غنية بصلابة العقيدة والإخلاص والثبات على الحق والوعي والبصيرة والإعراض عن زخارف الدنيا والترفّع عن أهواء النفس الأمّارة بالسوء.
[1] - محاضرة ألقيت في درس التفسير الأسبوعي ليوم الأربعاء 25 ذو القعدة / 1447 الموافق 13 / 5 / 2026 .
([2]) الكافي: 2/ 4، ح 7، البرهان: 4/ 10.
[3] - روى العياشي وعلي بن إبراهيم في تفسيرهما والطبرسي في مجمع البيان عدة روايات عن الأئمة (عليهم السلام) عن سبب نزول قوله تعالى (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) (الإسراء: 60) أن النبي (|) رأى ذات ليلة _ وهو بالمدينة – رجالاً من بني أمية ينزون على منبره كالقرود واحداً بعد واحد فكلما صعد منهم واحد رأى رسول الله (|) الذلة والمسكنة فأستيقظ مغتماً لذلك وأخبره جبرائيل أنهم بنو أمية (راجع الروايات في تفسير البرهان : 6/ 65 ) .
([4]) روى علي بن إبراهيم في تفسيره والطبرسي في مجمع البيان عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: [وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ] (إبراهيم: 26) قال: (إن هذا مثل بني أمية) وقال: (كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السماء، وبنو أمية لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد ولا تصعد أعمالهم إلى السماء إلا قليل منهم) (البرهان: 5/ 243).
([5]) - بحار الأنوار: 19/ 281.
([6]) - رجال السيد بحر العلوم: 2 /325.
([7]) - قيل أن الأحيحة تعني الضغينة في الصدر.
([8]) - أسد الغابة: 2/ 82.
([9]) - وفي تاريخ دمشق (29/ 57) أن أحيحة قتل في حرب الفجار والعاص وعبيدة يوم بدر مشركين، قتل علي (×) الأول منهما وأسلم من أخوته سعيد الذي استشهد يوم حصن الطائف وعمرو الذي كان من السابقين إلى الإسلام وأبان الذي أسلم بعد الحديبية استشهدا مع خالد في حروب الشام والحكم الذي سماه النبي (|) عبد الله استشهد مع جعفر في مؤتة وفي الاستيعاب أنه تعلم الحكمة. (أعيان الشيعة: 6/ 288 عن مستدرك الحاكم)
([10]) - الاستيعاب: 4 / 424، اسد الغابة: 2/ 82، الإصابة: 1/ 406 رقم 2167.
([11]) - الاستيعاب: 2 /422.
([12]) كان عمره دون الخامسة والعشرين حين بُعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإسلام.
([13]) - وهي العصا وكل ما يُقرع به وتُضرب كالسوط.
([14]) - الطبقات الكبرى لابن سعد: 4 / 70 رقم 360.
([15]) - الطبقات الكبرى: 4/ 95.
([16]) - قراءة جديدة للفتوحات الإسلامية للمرحوم الشيخ علي الكوراني: 2/ 318 عن الطبقات: 1/ 166، تأريخ دمشق: 16/ 67، والمنمق/292، وكنز الفوائد: 93.
([17]) - مثل بشر الحافي الذي اهتدى بكلمة قالها الأمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) .
([18]) - تاريخ دمشق: 16 / 70 .
([19]) - شارك في فتوحات الشام وعقد له أبو بكر راية على ألفين من المسلمين.
([20]) الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة: 4/ 443، و 4/ 304، ط. 1328 هـ.
([21]) - الطبقات الكبرى: 4 / 75.
([22]) - الطبقات الكبرى: 4 / 72.
[23] - أحصى المرحوم الشيخ علي الكوراني في كتابه (قراءة جديدة للفتوحات الإسلامية:2/318 -342) مكاتيبه للنبي (|)
[24] - الإصابة: 2/ 202.
[25] - الاستيعاب: 1/ 574.
[26] - الاستيعاب: 2/ 422. عن البغوي وفي 1/ 401 في المطبوع على هامش الإصابة.
[27] - رجال البرقي: 63، معجم رجال الحديث: 8/ 28 رقم 4197.
[28] - الخصال: 388 أبواب الاثني عشر.
[29] - الاحتجاج:1/97.
[30] - الاحتجاج: 1/ 97.
[31] - نهج البلاغة:
[32] - الطبقات الكبرى: 4 / 73.
[33] - نُسِب إلى أمه أو مربيته، وهو من كندة ولد ونشأ في مكة وتحالف مع بني زهرة واسلم وهاجر إلى الحبشة وكان صديق لخالد بن سعيد يستشيره ويستعين به، وجعله شرحبيل أميراً على الفرسان، وكان شرحبيل قربياً من الصحابة الموالين لعلي (×) كخالد وابي ذر وبلال وهاشم بن عتبة المرقال الذي كان قائد ميسرته، وحفيدي عبد المطلب، ويرى المرحوم علي الكوراني أن ذلك سبب عزل عمر له واستعمال معاوية.
[34] - الطبقات الكبرى: 4 / 73.
[35] - تاريخ دمشق: 16 / 80.
[36] - تاريخ دمشق: 16 / 81.
[37] - قيل أنها تقع قرب الخليل.
[38] - تأريخ دمشق: 16/ 84.
[39] - وكانا متقاربين في العمر .
[40] - الاستيعاب: 2 / 423.
[41] - كان أبان على خيل المشركين في الحديبية وعندما أرسل النبي (صلى الله عليه وآله) عثمان بن عفان الى مكة، أجاره أبان فدخل، وقال له كما في تاريخ دمشق: 6/134: (أسبل وأقبل لا تخف أحداً بنو سعيد أعزة الحرم) أي أسبل إزارك ولا تشمره فأنت في جوار بني سعيد، لأن القرشيين كانوا يُسْبِلُون أُزرهم، ويأمرون من يدخل مكة أن يشمر إزاره الى نصف ساقه.
[42] - تاريخ دمشق: 16 / 86.
[43] - تاريخ دمشق: 16 / 77.