{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} - إشاعة ثقافة الإحسان

عدد القراءات : 41 24/ربيع الثاني/1448

{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195)

إشاعة ثقافة الإحسان ([1])

حثّ على الإحسان وترغيب فيه بأبلغ اسلوب حينما تكون المكافأة على الاحسان أن المحسن يحظى بمحبة مقصده الأسمى وهو خالقه العظيم وعنايته ورحمته ،ولا حافز للعمل أعظم من الحب ، فالأم حينما تضحي وتشقى وتسهر الليالي من أجل ولدها لا تنتظر أجراً من أحد ولا تخاف من أحد إن لم تقم بالعمل ، وإنما يدفعها الحب حتى أنها تتلذذ بعنائها وآلامها إن رأت ولدها سعيدا ، وهكذا من يتفانى في إنجاز ما يريده رئيسه أو سيده أو حبيبه حتى يحظى بمحبته ورضاه ، ولكن أين هذا الهدف من ذلك ،  وقد تكرر هذا الترغيب في عدة مواضع من كلام الله تبارك وتعالى كما في  (آل عمران: 134،المائدة: 13،المائدة : 93). أما مشتقات لفظ (حسن) بمختلف دلالاتها فقد وردت في 194 موضعاً ([2])

 ولا تقتصر المكافأة على هذا وحده فقد سجلت الآيات الكريمة مكافآت أخرى للمحسنين، فالمحسن هو الأقرب إلى رحمة الله تعالى {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف: 56) وهو يحظى بإحاطة رحمة الله تعالى وعنايته ونصره {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ([3]) (العنكبوت: 69) {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (النحل: 128) فهو سبحانه حاضر عنده في كل شدة وعند كل رغبة وحاجة لا يخذله ولا يتخلى عنه.

   وأن كل ما يقوم به من إحسان معلوم عند الله تعالى ومحفوظ لديه وثوابه محقق {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (الكهف: 30) {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (التوبة: 120، هود: 115، يوسف: 56، يوسف: 90).

   وأنه سيجزى على كل إحسان بإضعافه {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} (آل عمران: 172) وهم مع هذه الزيادة آمنون من كل سوء وعذاب {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (يونس: 26).

   ويحلّى المحسن في الدنيا بالعلم والمعرفة والبصيرة والحكمة فتكون مواقفه سديدة ونظرته للأمور ثاقبة وعاقبته حسنة كقول الله تعالى عن يوسف وموسى (صلوات الله عليهما) في ما يشبه التعليل لما نالاه {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: 22، القصص: 14).

  وقد كتب الله تعالى ذلك كله على نفسه وتعهد به بمقتضى قوله {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن: 60) فجزاء إحسان الأنسان في خصاله وعمله إحسان الرب الكريم وإنعامه عليه، روى الشيخ الطوسي في أماليه والثعلبي في تفسيره عن النبي (|) قال (هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة) ([4]) ولهذا فالمحسنون يستحقون البشرى {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} (الحج: 37) {وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} (الأحقاف: 12).

وفي ضوء هذه المكافآت والعطايا فالإنسان حينما يكون محسناً إنما يحسن إلى نفسه أولاً لحصوله على كل هذه والمنح، وإن انتفع الآخرون بإحسانه ، قال تعالى {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} (الإسراء: 7) ، قال أمير المؤمنين (×) (إنك إن أحسنت فنفسَك تكرم، واليها تحسن) (إنك إن أسأت فنفسَك تمتهن وإياها تغبن) ([5]) وهو في الحقيقة يؤدي بإحسانه بعض واجب الشكر والامتنان لله تبارك وتعالى الذي أنعم عليه بهذه النعم وهداه ووفقه لفعل الإحسان {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (القصص: 77) وذلك بأن يقبل الإحسان ويشكره ويحسن التصرف فيه ويطيع المحسن ويحسن إلى الآخرين ، قال أمير المؤمنين(×) (أحق الناس بالإحسان من أحسن الله اليه وبسط بالقدرة يديه) ([6])  وقد تساءل تبارك وتعالى مستنكراً جحود الإنسان وعصيانه وكفران النعمة وعدم استثمارها في خير الفرد والأمة {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن: 60) فلماذا يقصّر الإنسان في فعل الإحسان؟ ومما تقدم تتبيّّن أن الآية الكريمة لها طرفان، إحسان من الله تعالى يكافئ به إحسان المحسن، وإحسان من المخلوق يشكر به إحسان الخالق.

ولذا جعل الله تبارك وتعالى الإحسان في الصفات والعمل علامة صدق الأيمان والإخلاص وشرط القبول والأجر عليه قال تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} (البقرة: 112) ، وأضاف الله تعالى إلى الأمر بالعدل كواجب وحق متبادل بين الناس: الأمرَ بالإحسان قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (النحل: 90) {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (البقرة: 237) فالأخذ بالعدل في الحقوق والواجبات كافٍ لبراءة الذمة إلا أن المرجو من المؤمن التفضل بالزيادة.

   والإحسان مطلوب من الجميع وفي كل المسؤوليات والأعمال ولنا في ذلك اسوة حسنة بربنا قال تعالى {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} (السجدة: 7)، فلابد أن نكون محسنين في كل ما يصدر منا فالأبوان يحسنان تربية أولادهما ، والمعلم يحسن تعليم الطلاب، والطالب يحسن في دراسته، والمسؤول يحسن أداء وظيفته في خدمة الناس ،وعالم الدين يحسن في هداية الناس وخدمتهم ورعايتهم وإصلاحهم ، والتاجر يحسن التعامل مع الناس ،بأن يعطي للآخر أكثر من حقه ويكتفي بأقل من حقه أو يتنازل عنه للآخر ويؤثره على نفسه.

والحسَن كصفة لخُلٌق الأنسان أو فعله هو ما استحسنه الشارع المقدس كالعبادات، أو العقل كالعدل ونصرة المظلوم ، والإحسان يكون تارة على مستوى الصفات والخصال الكريمة كالإيمان بالله تعالى والتقوى والورع والعفة والعلم والكرم والشجاعة والتواضع وحب الخير للناس ، وتنعكس هذه على فعل الفرد فيكون حسن السيرة طيب المعاشرة، وقد ورد في بيان ذلك روايات كثيرة منها ما رواه جابر الجعفي عن الإمام الباقر (×) أنه قال( فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون - يا جابر - إلا بالتواضع، والتخشع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، وبر الوالدين، وتعاهد الجيران من الفقراء والمساكين والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء) ([7]).

ويكون تارة في الإحسان إلى الآخرين كمساعدتهم وقضاء حوائجهم وإدخال السرور عليهم ورفع الأذى والظلم عنهم وغيرها من وجوه المعروف، والذي يدعو إلى هذا الإحسان الشفقة ، وقد عظّم الله تعالى هذه الصفة الحسنة بما ورد في الحديث القدسي  المروي عن الأمام الصادق (×) (الخلق عيالي، فأحبهم إليّ ألطفهم بهم وأسعاهم في حوائجهم)، وفي رواية أخرى مكملة عن النبي محمد (|) (الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله) ([8]) .

إن الإحسان ليس مجرد فضيلة فردية يتحلى بها الإنسان، بل هو أساس وقاعدة لبناء المجتمع الصالح، لأن المجتمع الذي تسوده روح الإحسان والتعاون والتكافل والتسامح يكون أكثر تماسكاً واستقراراً وأقدر على مواجهة التحديات، بينما يؤدي التنازع والاستئثار والأنانية والقوة إلى التنازع والجفاء وتفكك المجتمع وضياع قدراته.

إن المجتمع الممّهد لدولة العدل الإلهي هو المجتمع الذي تسوده الرحمة والإحسان والتكافل، لأن الأمام (×) يسعى لأقامه دولة العدل والإحسان طبقاً للآية الكريمة {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (النحل: 90)، فلا يستحق الإنسان الظالم والقاسي والأناني والمعتدي أن يكون جزءً منها ولا يطمع في ذلك قبل أن يهذب نفسه ويبني سلوكه على الإحسان.    

ولأهمية الإحسان في حياة الفرد والمجتمع أصبح معيارا لتقييم الانسان، قال أمير المؤمنين (×) (قيمة كل امريء ما يحسن) ([9]) وبه يعرف بين الناس وإليه ينسب>وعلى هذا قول أمير المؤمنين (الناس أبناء ما يحسنون) أي منسوبون إلى ما يعملونه من الأفعال الحسنة <([10]).

 وقد جعل الله تعالى إحسان العمل الهدف الذي يجب أن يسعى الإنسان من أجله وبه يتفاضل الناس {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الملك: 2) { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (هود: 7) ولا يكون الفعل إحسانا إلا إذا اجتمعت فيه عدة شروط:

1-أن يكون الفعل حسناً في نفسه كالصلاة والعدل وإيصال الحقوق إلى أهلها، أما القبيح فلا يمكن أن يكون فاعله محسنا، نعم قد يتغير عنوان الفعل فيتغير حكمه فإن مساعدة الفقير حسنة لكنه إذا علم أنه يريد شراء الخمر بهذا المال أو يستخدمه في العدوان على أحد يكون قبيحاً، والكذب قبيح لكنه في مورد إنقاذ إنسان بريء أو اصلاح بين زوجين أو متخاصمين يكون حسناً.

2- ان تكون النية مخلصة صادقة لقول النبي (|) (إنما الأعمال بالنيات ولكل أمرئ ما نوى) ([11]) ومن وصية النبي (|) لأبي ذر (رضوان الله تعالى عليه): (يا أبا ذر : ليكن لك في كل شيء نية حتى في النوم والأكل) ([12]) وروي أن النبي (|) سئل عن الإحسان فقال (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ([13]) ،  فلا يكون الفعل حسناً لو صدر لأغراض غير نبيلة ، كمساعدة الناس من أجل شراء ذممهم أو كسب أصواتهم في الانتخابات والاستمرار في الفساد ، قال الله تعالى مبيّناً هذه الحقيقة( {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} (الحج: 37) . 

 3- أن يتفقه وتكون له معرفة وتمييز بين ما يجب فعله وما لا يجوز ، قال الأمام الرضا (×) (اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا) ([14])   حتى تأتي بالفعل بتفاصيله الصحيحة، روى البرقي في المحاسن والعياشي في تفسيره بالإسناد عن الإمام الصادق (×) قال (إِذَا أَحْسَنَ العبد الْمُؤْمِنُ عَمَلَهُ، ضَاعَفَ اللَّهُ تعالى عَمَلَهُ لِكُلِّ حَسَنَةٍ سَبْعَمِائَةٍ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ)، فَأَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمُ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا لِثَوَابِ اللَّهِ ، فقلت له : وما الإحسان ؟ قال : فقال: (إذا صليت فأحسن ركوعك وسجودك ، وإذا صمت فتوقَّ كل ما فيه فساد صومك ، وإذا حججت فتوقَّ ما يحرم عليك في حجك وعمرتك -قال: وكل عمل تعمله لله فليكن نقياً من الدنس) ([15]) .

 4- تنقية العمل من مبطلاته ومفسداته كالرياء والعجب والمنّ على الآخر وإذلاله والانتقاص منه ، قال تعالى{ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} (البقرة: 264) وقال الأمام الصادق (×) (رأيت المعروف لا يصلح إلا بثلاث خصال: تصغيره، وستره، وتعجيله، فإنك إذا صغرته عظمته عند من تصنعه إليه، وإذا سترته تممته، وإذا عجلته هنأته، وإن كان غير ذلك محقته ونكدته) ([16]).

فلا بد أن نلتفت إلى أن بعض ما ظاهره الإحسان ليس هو كذلك كعدم مراعاة التوازن في الإنفاق فيسرف في الإنفاق على الآخرين ويترك عائلته محتاجة قال الأمام الصادق (×) ( لو أنَّ رجلاً أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن  ولا وُفق له ، أليس الله تعالى يقول { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} يعني المقتصدين) ([17]) أو ما يقوم به بعض المتحمسين والمندفعين عاطفياً والمتأثرين بالسلوك الجمعي مما قد يفقده حياته من دون حجة شرعية وهو يظن أنه يُحسِن صنعاً وقد جاء النص محل البحث عقب قوله تعالى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).    

إن طريق الإحسان ليس سهل المنال دائماً وليس طريقاً معبداً ومفروشاً بالزهور بل هو شائك ويحتاج إلى كثير من مجاهدة النفس و الصبر والمصابرة والتضحية بالمال والراحة والوقت وأحياناً بالجاه والمكانة الاجتماعية والمصالح الشخصية، قال تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سورة الحشر: 9)

   وقد بني دين الإسلام على الإحسان في أحكامه واخلاقه وسننه وقوانينه وسلوكه حتى مع أعدائه كما هو واضح للمتتبع، وخصّت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة بالذكر جملة من الموارد وأكدّت على الإحسان فيها ، كالعلاقة مع الوالدين { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (البقرة: 83 ، النساء / 96 ، الانعام / 151 ، الاسراء / 23 ) {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} (الأحقاف : 15) {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} (العنكبوت : 8) .

  وفي العلاقات الزوجية { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء : 19) وعن رسول الله (|) (جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ لِزَوْجِهَا) [18] .

  والتعامل مع الجيران قال الأمام الصادق (×) (عليكم بحسن الجوار فأن الله أمر بذلك) ([19]) وقال ولده الأمام موسى الكاظم (×) (ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى) ([20]).

   وفي العلاقة مع الناس { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة : 83) {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} (النساء : 86) ، وفي هداية الناس وأدب الحوار مع الآخرين أيّا كانوا {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46).

   ومن أرقى مراتب الإحسان التي ركزّ عليها القرآن الكريم عدم رد الاساءة بالمثل بل مقابلة السيئة بالحسنة فيطفئ نار الفتنة قال تعالى {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} (المؤمنون: 96) {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} (الرعد: 22) وبذلك يحوّل الخصومة إلى مودة {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت : 34) قال رسول الله (|) (جُبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها) ([21]) ، ويكون سبباً لهداية المسيء إلى الحق.

   وفي ضوء ما تقدم من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تتنّجز علينا عدة مسؤوليات:

1 – الأتصاف بالأخلاق الحسنة ومجاهدة النفس حتى تتحلى بها وتتخلى عن الرذائل قال رسول الله (|) (إن أحبكم الي وأقربكم مني يوم القيامة مجلساً أحسنكم خلقاً واشدكم تواضعاً) [22]  وقال (|) (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وإنه لضعيف العبادة) [23] وقال الأمام الصادق (×) (إن الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطى المجاهد في سبيل الله يغدو عليه ويروح) ([24])وقد ذكرنا في الرسالة العملية جملة منها، وألف العلماء المربّون في ذلك كتباً عديدة.

2 – فعل المعروف والإحسان إلى الآخرين بكل ما يمكن قال الامام الباقر (×) (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة، وأول أهل الجنة دخولاً إلى الجنة أهل المعروف، وإن أول أهل النار دخولاً إلى النار أهل المنكر) ([25])   ، وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم (×) (إنَّ خواتيم أعمالكم ([26]) قضاءُ حوائجِ إخوانكم والإحسان إليهم ما قدرتم وإلا لم يُقبل منكم عمل حنُّوا على إخوانكم وارحموهم تلحقوا بنا) ([27])

3 – إشاعة ثقافة الإحسان في المجتمع وحث الناس عليها، عن النبي (|) قال: (الدال على الخير كفاعله) ([28]) وقد جعل الله تعالى هذا التثقيف إحدى فرائضه تحت عنوان (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، ولا يقتصر فعل الإحسان على البشر بل ليشمل الحيوان أيضاً، روى أحدهم قال: (رأيت الحسن بن علي (×) يأكل وبين يديه كلب، كلما أكل لقمة طرح للكلب مثلها، فقلت له: يا بن رسول الله، ألا أرجم هذا الكلب عن طعامك؟ قال: دعه: إني لا ستحيي من الله عز وجل أن يكون ذو روح ينظر في وجهي وأنا آكل ثم لا أطعمه) ([29])

4 – إيجاد فرص الإحسان إلى الأخرين وتمكينهم من فعل الخير ومعونتهم عليها، فيزداد الأنسان سعادةً كلما أسعد الآخرين بإحسانه ومعروفه ، روى علي بن شعيب قال (دخلت على أبي الحسن الرضا (×) فقال لي: يا علي من أحسن الناس معاشاً؟ فقلت: أنت يا سيدي أعلم به مني، فقال: يا علي من حُسن معاش غيره في معاشه، يا علي من أسوأ الناس معاشاً؟ قلت أنت أعلم، فقال: من لم يعيِّش غيره في معاشه) ([30])  .

5 – تشجيع فعل الإحسان إذا صدر من الآخرين والثناء عليهم والشهادة لهم بما يستحقون في إنجاز علمي أو عملي ومكافأتهم إن أمكن، روى الخطيب البغدادي عن الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) (أنه كان مارّاً في حائط (بستان) فرأى عبداً أسوداً بيده رغيف خبز، يأكل لقمة ويطعم كلبه لقمة، حتى شاطره إياه. فقال له الإمام الحسن (عليه السلام): ما حملك على ما عملت وشاطرته؟ فقال الغلام: استحيت عيناي من عينه. فقال الإمام (عليه السلام): غلام من أنت؟ فقال: غلام أبان بن عثمان. فقال: والحائط (البستان)؟ قال: لأبان بن عثمان. فأقسم عليه الإمام ألا يبرح حتى يعود، فمرّ على صاحب البستان واشترى البستان والغلام معاً، ثم رجع إليه وقال: "يا غلام قد اشتريتك، وأنت حرٌ لوجه الله، والحائط هبة مني لك) ([31])

فما أحوج عالمنا اليوم- وقد تحكمّت فيه الأنانية والقسوة والظلم والعدوان- إلى ثقافة الإحسان التي تصنع الإنسان كما أراده الله تعالى وتجعل منه مصدر رحمة وخير ولا يقتصر الجهد على التطور المادي والتكنولوجي، ونحن بحاجة إلى إصلاح القلوب وتهذيب النفوس وعدم الاقتصار على سنِّ القوانين التي تبقى حبرا على ورق إن لم تقترن بالأخلاق الحسنة وبذلك يتحقق معنى خلافة الإنسان ويكون من أحب عباد الله تعالى إليه (إن الله يحب المحسنين).

( اللهم يَا مَنْ عَارَضَنِي بِالْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ، وَعَارَضْتُهُ بِالْإِسَاءَةِ وَالْعِصْيَانِ) ([32]) لكن الذي يطمئن القلب ويهوّن الخطب ما في المناجاة الشعبانية لأمير المؤمنين (×) (إِلهِي لَمْ يَزَلْ بِرُّكَ عَلَيَّ أَيَّامَ حَياتِي فَلا تَقْطَعْ بِرِّكَ عَنِّي فِي مَماتي) ، (أَللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَعَلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ أَجْمَعينَ، وَتَمِّمْ لَنا نَعْماءَكَ، وَهَنِّئْنا عَطاءَكَ، وَاكْتُبْنا لَكَ شاكِرينَ، وَلآلائِكَ ذاكِرينَ، آمينَ آمينَ رَبَّ الْعالَمينَ) ([33]) .



[1] - خطبتا صلاة عيد الأضحى عام 1447 الموافق 27 / 5 / 2026 .

[2] - الرافد لألفاظ القرآن الكريم

[3] - والمصداق الأكمل للآية هم المعصومون (عليهم السلام) قال أمير المؤمنين (×) (الأ وإني مخصوص في القرآن بأسماء احذروا أن تغلبوا عليها فتضلّوا في دينكم، أنا المحسن، بقول الله عزوجل (وإن الله لمع المحسنين) (تفسير الكاشاني: 4 / 123) وروي عن الأمام الباقر (عليه السلام) قوله (هذه الآية لآل محمد ولأشياعهم) (تفسير القمي: 2 / 151)

[4] - أمالي الطوسي : 2 / 188 ، البرهان : 9 / 192 .

[5] - غرر الحكم: 3808 ،3809.

[6] - غرر الحكم: 3369.

[7] - الكافي: ج2/73.

[8] -  أصول الكافي: ج 2  / 198 .

[9] - الأمالي: 532، الخصال: 420 ح 14، تحف العقول: 201، الإرشاد 1: 300.

[10] - المفردات للراغب: مادة (حسن).

[11] - الكافي 2 :  69 /1 .

[12] - وسائل الشيعة: 1 / 48 ح 8 .

[13] - تفسير نور الثقلين: 1 / 553 ح 579 .

[14] - معاني الأخبار : 172 معنى المحدث ، عيون أخبار الرضا (×) : 2 / 275 .

[15] -  البرهان: 2 / 168  عن المحاسن: 254 ح 283 ، تفسير العياشي : 1 / 146 ح 478 . 

[16] - بحار الأنوار: 71 / 408 ح 8 عن الخصال : 1 / 66 .

[17] - بحار الأنوار : 93 / 168.

[18] -  بحار الأنوار: 74 / 166 ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت.

[19] - أمالي الصدوق : 441 ح 586 ، ميزان الحكمة : 2 / 179 .

[20] - الكافي:  ج 2/  667 .

[21] - تحف العقول : 73 .

[22] - ميزان الحكمة : 3 / 135العنوان / 152 .

[23] - ميزان الحكمة : 3 / 135العنوان / 152 .

[24] - ميزان الحكمة : 3 / 135العنوان / 152 .

[25] - بحار الأنوار : 71 / 407 ح 8 عن أمالي الصدوق : 153 .

[26] - باعتبار أن الأمور بخواتيمها .

[27] - بحار الأنوار: ج 72/ ص 379.

[28] - ثواب الأعمال : 15  .

[29] - بحار الأنوار: 43/ 352 ح29 عن مقتل الحسين للخوارزمي: 1/ 102-103.

[30] - تحف العقول: 329 ، بحار الأنوار: 78/ 341 .

[31] -: تاريخ بغداد للحافظ الخطيب البغدادي.

[32] - من دعاء الأمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة.

[33] - من دعاء الأمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة.