عيد الشهادة

عدد القراءات : 27 24/ربيع الثاني/1448

عيد الشهادة ([1])

        قال الله تبارك وتعالى {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 169- 171).

        هذه الآيات الكريمة تعرّف الشهيد وتعطيه أرفع المقامات، وتصحّح مفهوم الحياة والموت، وتبيّن بوضوح ميزان الفوز والخسارة، وترتقي بمفهوم التضحية عن الاندفاع العاطفي، ولا تكتفي بالتسلية والمواساة العاطفية لذوي الشهداء، وتجعل من الشهادة باعثاً للحياة الكريمة وليس دعوة إلى الموت.

   {لَا تَحْسَبَنَّ} أي لا تظّن ولا تتوهم فالأفصح أن تكون القراءة بكسر السين >لا تَحسِبَنَّ< من حسِبَ يحسِبُ وحسِبان وهي مروية عن الاعمش ونافع والكسائي وابن كثير وغيرهم نظير ما في قوله تعالى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا} (العنكبوت: 2) وقال الراغب في معناه >ان يحكم لاحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله< أما (حسَب، يحسُبُ) فهي بمعنى عدَّ والمصدر حُسَبان بالضم وورد في قوله تعالى {والشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}

(الرحمن: 5).

     فالآية الكريمة تنهى عن توهم أن الذين يقتلون في سبيل الله يفنون وتنعدم علامات الحياة عندهم فيبطل شعورهم وفاعليتهم وتأثيرهم كما تفهمون من الموت، وإنما هم احياء في عالمهم الخاص عند الله تبارك وتعالى، وقد يُعجِّل بأرواحهم إلى الجنة كما في رواية الشيخ الطوسي الآتية ص 15 ، و بناءً على ما هو المروي عن المعصومين (عليهم السلام) من أن الجنة والنار مخلوقتان ويستشهد الإمام الرضا (عليه السلام) له بقوله تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 43-44) وفي رواية مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) أنه لما أدرك ولده علياً الأكبر وبه رمق بشّره بأنه عند جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سقاه شربة من ماء الكوثر لا يظمأ بعدها أبداً.

     فالشهداء عند ربّهم {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ} والنعمة والفضل مترادفان([2]) إلا أن ذكرهما معاً فيه إشعار بعظمة النعم والمواهب السنية التي مُنحت للشهداء، فهم أحياء يؤثّرون في الحياة والوجود بطريقةٍ ما ويتأثرون بها، ولا ينقطعون عن الحياة بالشهادة بل إنها تعطي زخماً لمشروعهم وإدامة لعملهم {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} (محمد: 4) وهم يرزقون ويتنعمون بأنواع الارزاق -والرزق فعل ولا يرزق الا الحي- ويستبشرون فشعورهم تحقق؛ باعتبار أن الشعور بالفرح والرزق والتفاعل مع الأحداث هو أجلى مظاهر الحياة الفعلية؛ ولذا فنحن نزور أضرحة الشهداء ونسلِّم عليهم.          

        والآية الكريمة تدحض عقيدة الذين يقولون أنهم موتى لا يضرّون ولا ينفعون، وغاية الأمر أنهم انتقلوا من حياة إلى حياة أخرى، من آلام الجسد واسقامه ومحدوديته، وضيق الدنيا وهمومها وآلامها ونكدها وتعبها وشرور أهلها، إلى عالم فسيح ليس فيه ما يعكّر صفو حياتهم وسعادتهم ولذتهم {ألَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فلا خوف من فقدان نعمة في الزمن الآتي، ولا حزن على خير فاتهم في الزمن السابق، وقد جيئ بالخوف نكرة في سياق النفي وكذا صيغة نفي الحزن ليفيدا العموم وشمول النفي لكل ما يمكن تصوره منهما، ((فارتفاع مطلق الخوف عن الإنسان إنما يكون إذا لم يكن ما عنده من وجوه النعم في معرض الزوال، وارتفاع مطلق الحزن إنما يتيسّر له إذا لم يفقد شيئاً من أنواع سعادته لا ابتداءً ولا بعد الوجدان، فرفْعُه تعالى مطلق الخوف والحزن عن الإنسان معناه أن يفيض عليه كل ما يمكنه أن يتنعم به ويستلذه، وأن لا يكون ذلك في معرض الزوال، وهذا هو خلود السعادة للإنسان وخلوده فيها، ومن هنا يتّضح أن نفي الخوف والحزن هو بعينه ارتزاق الإنسان عند الله فهو سبحانه يقول: {وَمَا عِندَ اللهِ خَيرٌ} (آل عمران: 198) ويقول: {ومَا عِندَ اللهِ باقٍ} (النحل: 96) ))([3]).

        أقول: وقد يكون انتفاء الخوف والحزن عنهم لاكتمال معرفتهم وتجلّي الحقائق لديهم فهم يرون كل شيء خيراً حتى ما يمرّ بأهليهم من ابتلاءات.

        فالموت ولادة ثانية، كالولادة الأولى من بطون أمهاتهم فإنهم خرجوا بها من ضيق الرحم وظلمته إلى الدنيا الوسيعة المزيّنة بالأموال والأولاد والزخارف واللذات المادية والمعنوية، وكان الجنين لا يعرف شيئاً عن العالم الجديد الذي سيخرج اليه فهو مجهول يخشى منه ويخاف مغادرة عالمه الذي أنِس به([4])، ولعل هذا تفسير لبكاء الجنين عند ولادته، لكنه بعد أن يتعرف على العالم الجديد في الدنيا يرفض قطعاً العودة إلى ضيق رحم الأم وظلمته، فكذلك الذي يموت في سبيل الله تعالى وتغادر روحه الدنيا وتخرج من حبس الجسد إلى العالم السعيد (عند ربهم).

        وهنا سؤال باعتبار إن كل إنسان – وليس الشهيد فقط - تبقى روحه بعد الموت في البرزخ ولا تفنى بل تسعد او تشقى إلى أن يقوم الناس من قبورهم إلى يوم القيامة {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (المؤمنون: 100).

       روي عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قوله في وصف المآل بعد الموت: (إن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران) ([5])، وروى في الكافي عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِ‏  قَالَ: (خَرَجْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (×) إِلَى الظَّهْرِ - أي ظهر الكوفة وهو الغري والنجف -  فَوَقَفَ بِوَادِي السَّلَامِ كَأَنَّهُ مُخَاطِبٌ لِأَقْوَامٍ فَقُمْتُ بِقِيَامِهِ حَتَّى أَعْيَيْتُ ثُمَّ جَلَسْتُ حَتَّى مَلِلْتُ ثُمَّ قُمْتُ حَتَّى نَالَنِي مِثْلُ مَا نَالَنِي أَوَّلًا ثُمَّ جَلَسْتُ حَتَّى مَلِلْتُ ثُمَّ قُمْتُ وَ جَمَعْتُ رِدَائِي فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَدْ أَشْفَقْتُ عَلَيْكَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فَرَاحَةَ سَاعَةٍ  ثُمَّ طَرَحْتُ الرِّدَاءَ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي يَا حَبَّةُ إِنْ هُوَ إِلَّا مُحَادَثَةُ مُؤْمِنٍ أَوْ مُؤَانَسَتُهُ قَالَ قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِنَّهُمْ لَكَذَلِكَ قَالَ نَعَمْ وَ لَوْ كُشِفَ لَكَ لَرَأَيْتَهُمْ حَلَقاً حَلَقاً مُحْتَبِينَ‏  يَتَحَادَثُونَ فَقُلْتُ أَجْسَامٌ أَمْ أَرْوَاحٌ فَقَالَ أَرْوَاحٌ وَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ إِلَّا قِيلَ لِرُوحِهِ الْحَقِي بِوَادِي السَّلَامِ وَ إِنَّهَا لَبُقْعَةٌ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ) ([6])، وأورده في البحار بطريق آخر عن ابن نباتة وفيه: أنه (عليه السلام) أتى الغريين وأنه قال: (هل هي إلا تربة مؤمن، أو مزاحمته في مجلسه) وقال (عليه السلام) في تفسيرها: (لو كشف لكم لرأيتم أرواح المؤمنين في هذا الظَهر حَلَقاً يتزاورون ويتحدثون، إن في هذا الظهر روح كل مؤمن) ([7]) ، والسؤال: ما هي الخصوصية في حياة الشهداء؟

    والظاهر من الآية الكريمة أن الخصوصية لمن يقتل في سبيل الله هي أن حياة الشهداء تكون {عِنْدَ رَبِّهِمْ} في مقام رفيع وحياة طيبة هنيئة سعيدة خاصة بهم ، لأنهم ارتقوا في درجات الكمال والاقتباس من أنوار الصفات الحسنى، فأصبحت لهم لياقة بدرجة ما ليكونوا عند ربهم، وهذه العندية الشريفة التي ذكرها الله تعالى في عدة مواضع كقوله تعالى {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] وقوله تعالى {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} (آل عمران: 198) وهو عطاء دائم قال تعالى {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} (النحل: 96)  ولكننا المسجونين في الدنيا لا نعرف طبيعة هذه الحياة العليا إلا بمقدار ما أخبرنا به المعصومون (عليهم السلام).

       أو أن الخصوصية في نفس وصفهم (أحياء) بلحاظ ما أكرمهم الله تعالى به من نعم عظيمة تجعل حياة الآخرين في البرزخ كأنها لا حياة بالنسبة إليهم لكنه معنى مجازي لا يصار إليه إلى لمسوِّغ.

      وذكرت الآيات جملة من صفات حياتهم (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) والفرح ظاهر على وجوههم وملامح بشرتهم، فهم مبتشرون([8]) بما أنعم الله تعالى عليهم، هذه البشرى التي وعدهم الله تعالى بها حينما باعوا أنفسهم  له تعالى واشترى منهم وتمت الصفقة فقال سبحانه {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}

 (التوبة: 111).

وهم متواصلون مع أهل هذا العالم ومطلّعون على أحوالهم لذلك فهم يستبشرون أيضاً بإخوانهم في الإيمان الذين  بقوا في الدنيا ولم يستشهدوا بأنهم متمسكون بالحق وثابتون على طريقه وماضون عليه، ولشدة فرحهم بما حَباهم الله تعالى فإنهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا والقتل في سبيل الله تعالى مرة أخرى، قال رسول الله (|):(مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا أَنَّ لَهَا الدنيا وما فيها، إلا الشهيد: فإنه يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا، لِمَا يرى من فضل الشهادة)[9] وروي عَنِ النَّبِيِّ (’): أَنَّهُ قَالَ: لِجَابِرٍ بن عبد الله الانصاري عندما شكى له الحاجة وكثرة العيال الذين خلفهم ابوه الشهيد في أُحُد (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَداً إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَ كَلَّمَ أَبَاكَ مُوَاجِهاً فَقَالَ لَهُ سَلْنِي أُعْطِكَ قَالَ أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى أُجَاهِدَ مَرَّةً أُخْرَى فَأُقْتَلَ فَقَالَ أَنَا لَا أَرُدُّ أَحَداً إِلَى الدُّنْيَا سَلْنِي‏ غَيْرَهَا قَالَ أَخْبِرِ الْأَحْيَاءَ بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى يَجْتَهِدُوا فِي الْجِهَادِ لَعَلَّهُمْ يُقْتَلُونَ فَيَجِيئُونَ إِلَيْنَا فَقَالَ تَعَالَى أَنَا رَسُولُكَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ‏ فَأَنْزَلَ- وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً) ([10]).

        ومن أحوالهم – أي الشهداء – في عالمهم الجديد {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} فقد تخلّصوا من همِّ الدنيا وغمّها ومصائبها وفتنها وضلالاتها، أما هنا فلا يصلهم إلا ما يسرّهم ويُفرحهم، وقد ذكرنا الوجه فيه، مضافاً إلى إن مصدر الخوف والحزن هي الذنوب والمعاصي والشهيد يُغفر له كل ذلك، روي عن رسول الله (|) قوله (الشهادة تكفر كل شيء إلا الدَّيْن) ([11]) فنفى عنهم الهم والحزن ووصفهم بالاستبشار لتدل على أنهم في أكمل حالات النعيم، أو أن الذين لم يلحقوا بهم لا خوف عليهم ولا يحزنون لاطمئنانهم بالحق الذي هم عليه.

        {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} إنتقال إلى القاعدة العامة وهذا من تمام سرورهم أن كل أعمالهم محفوظة عند الله تعالى، فالشهداء وغيرهم من المؤمنين لا تضيع أجور أعمالهم الصالحة وهي جميعاً محفوظة عند الله تبارك وتعالى ولكل درجته {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 95).

        وقد استفاد بعض أهل المعرفة من الآيات الكريمة علّو مقام أهل الجهاد الأكبر مع النفس الأمارة بالسوء لتهذيبها وتطهير الباطن إذا كان لأهل الجهاد الأصغر وهو قتال الأعداء كل هذه المقامات عند الله تعالى، بل يمكن القول أنها أعطيت للشهيد لنجاحه في الجهاد الأكبر، لانَّ من قتل في سبيل الله تعالى لم يبلغ هذه المنزلة إلا بعد أن انتصر في جهاد النفس وقهر أهواءه وغرائزه وتحرر من طاعة كل ما سوى  الله تبارك وتعالى فانتصر في الجهاد الأكبر أولاً، وهو معنى تساعد عليه الروايات كقول أمير المؤمنين (×) (مَا الْمُجَاهِدُ الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَعْظَمَ أَجْراً مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَّ، لَكَادَ الْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ)[12] وروي عن رسول الله (’) قوله (من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغه الله منازل الشّهداء وإن مات على فراشه) ([13])، فالمعيار هو الصدق والإخلاص والورع والثبات على منهاج رسول الله (|).

         وفي ضوء هذا الميزان تفهم الروايات الدالة على أن الموالي لأهل البيت (%) المتمسك بنهجهم الموطّن نفسه على طاعتهم في كل أموره يموت شهيداً وإن لم يُقتل، روي عن رسول الله (|) (مَنْ مَاتَ‏ عَلَى‏ حُبِ‏ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيداً) ([14]) وقال أمير المؤمنين (×) ((فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَ هُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وَ حَقِّ رَسُولِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً وَ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏ وَ اسْتَوْجَبَ‏ ثَوَابَ‏ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ وَ قَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ‏ لِسَيْفِهِ)) ([15]) وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ × قَالَ: (قَالَ لِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ الْمَيِّتَ مِنْكُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ شَهِيدٌ قُلْتُ وَ إِنْ مَاتَ‏ عَلَى‏ فِرَاشِهِ‏ قَالَ إِي وَ اللَّهِ وَ إِنْ مَاتَ‏ عَلَى‏ فِرَاشِهِ‏ حَيٌّ عِنْدَ رَبِّهِ يُرْزَقُ‏) ([16]) وفي رواية أخرى أن الإمام × قرأ بعد ذلك هذه الآية {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} (الحديد: 19) ([17])، وقال الامام زين العابدين ×: (مَنْ مَاتَ عَلَى مُوَالاتِنَا فِي غَيْبَةِ قَائِمِنَا أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَجْرَ أَلْفِ شَهِيدٍ مِثْلِ‏ شُهَدَاءِ بَدْرٍ وَ أُحُدٍ) ([18]).

     وروى الشيخ الكليني بسنده عن بريد العجلي قال: (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال (عليه السلام): هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة واستقبلوا الكرامة من الله عز وجل علموا أنهم كانوا على حق وعلى دين الله جل ذكره فاستبشروا بمن لم يلحقوا بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين)([19]).

        وقد توسعت الروايات الشريفة فنزّلت عدة حالات بمنزلة الشهيد وبحكمه، روى أمير المؤمنين × عن رسول الله ’ في حديث عيادته مع أصحابه لعبدالله بن رواحة أنه سألهم: (مَنِ الشَّهِيدُ مِنْ أُمَّتِي؟ فَقَالُوا: أَ لَيْسَ هُوَ الَّذِي يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ’: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، الشَّهِيدُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ وَالطَّعِينُ وَالْمَبْطُونُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالْغَرَقِ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ جُمْعاً قَالُوا وَكَيْفَ تَمُوتُ جُمْعاً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَعْتَرِضُ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا) ([20]).

        وبالعودة الى الآية فإنها ظاهرة في أكثر من غرض:

    أ – تسلية المفجوعين بالشهداء، وتثبيت قلوب المؤمنين والتخفيف عن ذوي الشهداء في أحد وهم سبعون كلهم من الأنصار عدا أربعة من المهاجرين بينهم الحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير فكأنّ أهلهم ومحبّيهم كانوا يشعرون بالأسى لموتهم وحرمانهم من الحياة ويتذكرونهم في كل نعمة تتجدد، فيتمنون وجودهم وتنعّمهم بها، فالآيات الكريمة تطمئنهم بأن الشهداء حاضرون معهم ويتفاعلون مع قضاياهم.

     ب – الردّ على أراجيف المنافقين وحربهم الخفية الناعمة لإضعاف همم المسلمين وتثبيط عزائمهم بإثارة الشبهات، وأنَّ الشهداء جنوا على أنفسهم وذويهم بالخروج إلى القتال ولو أخذو بنصيحتنا وبقوا في ديارهم لاستمروا في الحياة، مما يعطي درساً في وجوب ردّ شبهات المنافقين والمرجفين والمشككين في عقائد الناس وأخلاقهم، ودحض الأفكار والنظريات المخالفة للدين وفضح الشعارات الخادعة حتى لا ينجحوا في زعزعة عقائد ضعاف الإيمان.

      ومن تلك الشبهات ما ذكرته الآيات السابقة، فقد برروا أولاً تقاعسهم وخذلانهم وعدم خروجهم مع النبي (|) وجيش المسلمين لمّا {َقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا} (آل عمران: 167) مشركي قريش الغازين المعتدين الذين وصلوا إلى مشارف المدينة في أُحُد فإنه قتال {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (آل عمران: 167) إن كنتم مؤمنين حقا تبتغون رضوان الله تعالى {أَوِ ادْفَعُوا} عن حريمكم وأموالكم وأنفسكم، أو كثّروا سواد جيش المسلمين حتى يخاف العدو وينهزم {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} (آل عمران: 167) أي لا نعتقد بأن قتالاً سيقع فلا حاجة للخروج معكم، خداعاً ومكراً، وهم يعلمون أن قريشاً جاءت لتقتلهم مع النبي (|) وتسبي نسائهم، وقيل أنهم أرادوا أن خروجكم من المدينة إلى ملاقاة قريش وهم أضعافكم عدة وعدداً  هو انتحار وليس قتالاً، وقيل أنهم اعتذروا بعدم معرفتهم بفنون القتال وهو بعيد لأن العربي يؤمئذٍ قرين السيف.

ولما وقعت المعركة واستشهد سبعون من المسلمين ظهرت النشوة عليهم والاغترار بأن رأيهم كان هو  الصواب {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيداً} [النساء: 72] أي شاهداً القتال، ويزعمون أنه لو أطاعهم الخارجون إلى القتال وبقوا في المدينة لما ماتوا {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} الذين خرجوا للقتال وهم إخوانهم لأنهم بنو قومهم، ويكفي التعبير بالإخوان للنكاية بهم، لأن من القبيح والمعيب خذلان الأخوة وتركهم وحيدين في مواجهة الأعداء {وَقَعَدُوا} هم أي المنافقون (لَوْ أَطَاعُونَا) بالقعود وعدم الخروج للقتال (مَا قُتِلُوا) (آل عمران: 168)، وقد ذكر الله تعالى قولهم هذا في موضع آخر قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156] وهذا الشعور موجود في أوساط المجتمع فإذا مات أحد لهم بحادث فإنهم يقولون: لو أخذ نصيحتنا لما حصل له هذا الحادث ولما مات وذلك يورث حسرة في قلوبهم تتجدد باستمرار.

         وعلى أي حال فهذه شبهة تؤثر على معنويات المجاهدين أولاً وقد حكى الله تعالى قول المنهزمين في أُحُد {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [عمران: 154]، وتشعر أُسَر الشهداء بالحيف والمرارة والخسارة ثانياً، وتثبّط عزائم المقاتلين في المواجهات اللاحق ثالثاً، والمؤمنون مستهدفون باستمرار؛ لذلك تصدى الله تبارك وتعالى لرد الشبهة بجوابين نقضي وحلي:-

        فنقض عليهم بقوله تعالى: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران: 168) أجبهم يا رسول الله تعالى بأنكم إن كنتم اذكياء وعباقرة وصادقين  في دعواكم وقدرتكم على النجاة وتصرفكم في الأسباب فادفعوا الموت عنكم واخلدوا في الحياة، ولن تستطيعوا إذ {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (آل عمران: 185) و {كُلّ من عليها فانٍ} [الرحمن: 26] وأجابهم في موضع آخر {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154]، ومن لم يُقتل فإنه يموت في النهاية بسبب من الأسباب، قال علي (×): (إِنْ لَا تُقْتَلُوا تَمُوتُوا)([21]) والآجال مكتوبة على جميع الناس وإن تعددت الأسباب ولو قعدتم في بيوتكم ولم تخرجوا لاقتحم العدو عليكم وقتلكم في قعر بيوتكم.

 والجواب الحلي هو ما ورد في الآية الكريمة محل البحث إذ إن القتل في سبيل الله ليس موتاً بمعنى الفناء والعدم وإنما هو انتقال إلى حياة جديدة أسمى وأسعد من هذه الحياة التي أنتم حريصون عليها، وورد هذا المعنى بنحو مختصر في قوله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} (البقرة: 154).

وقد تبنى السيد الطباطبائي (قدس سره) أن إطلاق الشهيد على المقتول في سبيل الله تعالى لم يحصل في القرآن الكريم ([22]) ، وأن الآيات جميعاً لم تسِّم  من يقتل في سبيل الله شهيداً، وأن المراد من قوله تعالى {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} (آل عمران: 140) جمع شاهد وهم الشهداء على الاعمال، وهو المذكور في قوله تعالى {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143)، والمراد منه في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيداً} (النساء: 72) الحضور معهم وشهود الحرب بقرينة الآية التي تليها.

 وهي التفاتة جيدة وتشهد لها عشرات الآيات التي أطلقت الشهيد على هذا المعنى، لكنها غير كافية للجزم بان الشهيد لم يطلق على المقتول في سبيل الله في القرآن، فالآية الأخيرة تحتمل إرادة المقتول في سبيل الله، وكذا قوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} (الحديد : 19) لأن الصديقين من الشهداء بالمعنى الذي ذكره فلا يكون قسيماً له، وكذا في قوله تعالى { فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء : 69) خصوصاً وأن مصطلح الشهيد قد تبلور في زمن نزول القرآن الكريم من قبل النبي  (|) وكان شائعاً بين الأصحاب بحيث ينصرف اللفظ إليه كما في حديث عبد الله بن رواحة المتقدم ص 9 .

وعلى أي حال فأن الشهيد شاهد على الأمة وناطق بالحجة عليها بدمه لا بلسانه، وقد أطلقت الروايات الشريفة عنوان الشهيد على من يقتل في سبيل الله تعالى حتى من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عصر نزول القرآن، وقد تضمّن القبس جملة منها.

والخطاب في الآية موجّه بحسب الظاهر إلى النبي (|)، ولذا أثير إشكال لأنه (|) منزّه عن مثل هذا الظن والتوهم إذ الاعتقاد ببقاء الروح بعد الموت من ثوابت الدين فكيف يوجه مثل هذا الخطاب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمكن أن يجاب بعدة وجوه:

1 -  إن ظاهر الخطاب وإن كان كذلك إلا أن المطلوب إيصال هذه الحقيقة من خلاله إلى الأمة، وهو سياق معروف في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف (القرآنُ نَزَلَ بإيَّاك أعني واسمعي يا جارة))[23])، لأن الحقيقة الملقاة عظيمة لا يرقى الإنسان العادي إلى تلقّيها واستيعابها إلا بواسطة النبي (|).

2 - يمكن أن يكون الخطاب {لا تحسَبَنَّ} موجّهاً إلى جنس الإنسان كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ} [الانفطار: 6] فيشمل جميع الناس وليس إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ تنزيهاً للرسول (|) عن هذا الوهم.

3 -يُحتمل أن تكون القراءة بالجمع (وَلَا تَحسبُنَّ) فيكون المخاطب بها جميع الناس على نحو {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] وهي قراءة محتملة للفظ إلا أنني لم أجد من ذكرها في القراءات المروّية.

4- إنها {ولا يَحسبنّ} بالياء عند نافع وابن كثير وابن عامر ورويت عن أبي جعفر (عليه السلام) فيكون فاعلها {الذين} المذكورة في الآية، ويبعّدها أن هذه القراءة يأتي فاعلها معها كقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ} [آل عمران: 178].

5- ما احتمله بعض الأعلام([24]) من أن الآية هي من مقول القول الذي أمر رسول الله (|) بإبلاغه للناس مع ما سبقها وتكون معطوفة على الآية التي قبلها {قُلْ فَادْرَءُوا} [آل عمران: 168) أي: وقل لهم (وَلَا تَحْسَبَنَّ) وهو وجيه في نفسه، إلا أن السياق لا يحتمله لأنه حينئذٍ ينبغي أن يكون اللفظ بصيغة الجمع أي (وَلَا تَحسبُنَّ).

        والآية الكريمة صريحة بأنّ القتيل إنما يكون شهيداً وينال هذه المقامات الرفيعة عندما يكون قتله في سبيل الله مخلصاًَ لله تعالى ويقع عمله في إحدى السبل الموصلة إلى الله تبارك وتعالى، والتي أمر الله تعالى بها وقامت عليها حجة شرعية، وهي كثيرة وميادينها شتى،  قال النبي (|) (كم ممن أصابه السلاح ليس بشهيد ولا حميد)([25]) وذكر (|) القاعدة في ذلك فقال (إنما الأعمال بالنيات، ولكل أمرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند الله فقد وقع أجره على الله عز وجل، ومن غزا يريد الدنيا أو نوى عقالاً لم يكن له إلا ما نوى)([26])، وروي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (|) أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَ إِنَّمَا  لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِامْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا أَوْ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) ([27]).

        وقد كشفت الروايات الشريفة عن قيمة عظيمة للشهادة في سبيل الله تعالى ومقام رفيع للشهداء لا يصل إليه أحد، وهذا ما تتفق عليه الأمم المتحضرة جميعاً فإنها تقدّس الشهداء وتحتفل بذكراهم، وتسمّي معالمها الحضارية كالمدارس والشوارع والجسور والمؤسسات بأسمائهم، ليبقى ذكرهم حاضراً يمدّ الأمة بالروح المعنوية  ويثير فيها الولاء للمقدسات، ويشدّ عزيمتها، ويثبّت تمسكها بالمبادئ النبيلة العليا، قال رسول الله (|) (فوق كل ذي برِّ بَرُّ حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه برّ)([28]) وقال (|) (ما من أحدٍ يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأنَّ له ما على الأرض من شيء غير الشهيد، فإنه  يتمنى أن يرجع فيُقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة)([29]).

        وروى الشيخ الطوسي بسنده عن زيد الشهيد بن علي عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): للشهيد سبع خصال من الله: أول قطرة من دمه مغفور له كل ذنب، والثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه، وتقولان: مرحبا بك ويقول هو مثل ذلك لهما، والثالثة يكسى من كسوة الجنة، والرابعة تبتدره خزنة الجنة بكل ريح طيبة أيهم يأخذه معه، والخامسة أن يرى منزله، والسادسة يقال لروحه: اسرح في الجنة حيث شئت، والسابعة أن ينظر إلى وجه الله وإنها لراحة لكل نبي وشهيد)([30]).

قال العلامة الطبرسي في ذيل تفسير هذه الآية > وما روي في الأخبار من ثواب الشهداء أكثر من أن يحصي أعلاها إسناداً ما رواه علي بن موسى الرضا (×) عن الحسين بن علي (×) قال: (بينما أمير المؤمنين يخطب ويَحُضّهم على الجهاد إذ قام إليه شاب فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله؟ فقال: كنت رديف رسول الله (|) على ناقته العضباء ونحن منقلبون عن غزوة ذات السلاسل فسألته عما سألتني عنه فقال: "الغُزاة إذا هَمّوا بالغزو كتب الله لـهم براءة من النار فإذا تجهزوا لغزوهم باهى الله بهم الملائكة فإذا وَدّعهم أهلوهم بكَتْ عليهم الحيطان والبيوت ويخرجون من الذنوب كما تخرج الحية من سلخها ويُوّكل الله بكل رجل أربعين ملكاً يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شمالـه ولا يعمل حسنة إلاّ ضُعّف لـه ويكتب لـه كل يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله ألف سنة كل سنة ثلاثمائة يومٍ اليوم مثل عمر الدنيا وإذا صاروا بحضرة عدّوهم انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم فإذا برزوا لعدوهم وأشرعت الأسنة وفوقت السهام وتقدم الرجل إلى الرجل حَفّتهم الملائكة بأجنحتها يدعون الله بالنصرة والتثبيت فينادي مناد الجنة تحت ظلال السيوف فتكون الطعنة والضربة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في اليوم الصائف وإذا زال الشهيد من فرسه بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله إليه زوجته من الحور العين فتبشره بما أعد الله لـه من الكرامة فإذا وصل إلى الأرض تقول لـه الأرض مرحباً بالروح الطيب الذي أخرج من البدن الطيب أبشر فإن لك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ويقول الله عز وجل أنا خليفته في أهلـه من أرضاهم فقد أرضاني ومن أسخطهم فقد أسخطني)([31] ).

        لذا فإن أولياء الله تعالى والمؤمنين الصادقين كانوا يستأنسون بالمنية في سبيل الله تعالى ولا يهابون القتل طلبا لرضاه تعالى، ويقدمون عليه فرحين ويرون الموت على الفراش خسارة عظيمة ؛ لإنه يعني أنه بقي عندهم شيء مما خولهم الله تعالى به لم ينفقوه في سبيل الله تعالى وهي دماؤهم وانفسهم، قال أمير المؤمنين (×) في تحريض أصحابه على الجهاد في سبيل الله تعالى (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمَوْتَ لَا يَفُوتُهُ‏ الْمُقِيمُ‏ وَ لَا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ لَيْسَ عَنِ الْمَوْتِ مَحِيصٌ[32] وَ مَنْ لَمْ يَمُتْ يُقْتَلْ وَإِنَّ أَفْضَلَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى فِرَاش)[33] وكان (×) يسأل الله تعالى الشهادة بين يدي رسول الله (|) وقال (|) في بعض خطبه (فَقُلْتُ يَا رَسُولُ اللَّهِ أوَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ حِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ وَ لَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَ الشُّكْر) ([34]) ولما ضربه اللعين ابن ملجم على رأسه في محراب مسجد الكوفة وسقط مضرّجاً بدمائه قال كلمته المشهورة (فزت ورب الكعبة) ([35])  حيث بلغ امنيته وهي الشهادة وكأنه لم يكتفِ بأعماله التي عادل واحد منها – وهي ضربته للعامري في الخندق – عبادة الثقلين حتى جعل الفوز بأن ختم حياته بالشهادة ونستحضر هنا قول الامام الحسين ×: (إني لا أرى الموت الا سعادة ولا الحياة مع الظالمين الا برماً) ([36])، وقد اكرم الله تعالى أئمة اهل البيت (عليهم السلام) بأن ختم لهم جميعاً بالشهادة قال الامام الحسن (×): (لَقَدْ حَدَّثَنِي جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ (’) أَنَّ الْأَمْرَ يَمْلِكُهُ اثْنَا عَشَرَ إِمَاماً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ صَفْوَتِهِ مَا مِنَّا إِلَّا مَقْتُولٌ أَوْ مَسْمُوم‏)[37].

وعلى نهج  الإقدام والاستئناس بالقتل في سبيل الله تعالى مضى الشهيدان الصدران (قدس الله سريهما) فلم يخافا بطش صدام المقبور وجلاوزته ولم يتراجعا عن مسيرتهما في نصرة دين الله تعالى وهداية المجتمع وتوعيته وإيقاظه، وكان النظام الصدامي يخشى قتلهما لأنه يعلم أن لهما قاعدة مؤمنة واسعة تضحي من أجلهما، فقد روي[38]  أن مبعوثاً من القصر الجمهوري لصدّام المقبور اجتمع بنفسه مع السيد الشهيد محمد باقر الصدر كمحاولة أخيرة، وحاول أن ينتزع منه بعض التنازلات ليحفظ بها ماء وجه حكومته الأسود ويسوّقها على أنها انتصارات من قبيل سحب تأييده لثورة السيد الخميني (قدس سره) والجمهورية الإسلامية في إيران وإلغاء فتواه بحرمة الانتماء إلى حزب البعث وإلا فإنه مهدّد بحكم الإعدام، فأصَّّر السيد الشهيد على مواقفه وفوجئ المبعوث بشجاعة السيد الشهيد وإصراره فقام منه وهو  مملوء أسفاً وحسرة بأن مثل هذا العظيم يقتل ويدفن في التراب بحسب تعبيره ، لأنه يعلم شخصيته الفذة وتأثيرها العالمي وأن دول العالم تفتخر بانتماء مثله إليها.

وحصل مثل هذا مع السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) وجاءت إليه شخصيات عالية المستوى في حكومة صدام لثنيه عن حركته الميدانية، وتعبئة الأمة لإقامة الدين في حياتها، والتحذير من مشاريع الضلال والفساد والإنحراف، فلم يفلحوا ويأسوا منه فقرروا اغتياله وأُستشهد مساء الجمعة 3 ذو القعدة 1419 الموافق 19 / 2/ 1999.

        هذا الإقدام على الشهادة الذي سجّله أصحاب الإمام الحسين (×) بأرقى صورة وشهد لهم به حينما سألته أخته العقيلة زينب (÷) لما علمت عزم الأعداء على القتال وعدم تكافؤ العدة والعدد بين المعسكرين: (هل استعلمت من أصحابك نياتهم فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة، فقال لها: و اللّه لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل إلى محالب أمه)([39]).

        وقد أجاد المرحوم السيد رضا الهندي في وصف حالة الاصحاب بأنهم كانوا يوم عاشوراء في عيد عظيم، لان العيد يمثل الفرح والاستبشار والاحتفال بإنجاز كبير، ويزداد العيد عظمة واهمية كلما عظم الإنجاز، وأيّ عمل أعظم من نصرة أبي عبد الله الحسين (×) في وحدته والاستشهاد دونه، قال رحمه الله.

بَأبِي مَن شَرَوْا لِقَاءَ حُسينٍ                 بِفِرَاقِ النُـــــفوسِ وَالأروَاحِ

إلى أن يقول:

أدرَكوا بالحُسين أكبرَ عِيدٍ                 فَغَدَوا في مِنَى الطُفوفِ أضاحِي([40])

      



1 - درس التفسير ليومي الأربعاء 4 ، 11 / ذو القعدة 1447 الموافق 22، 29 / 2026 تزامناً مع ذكرى استشهاد المرجعين السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد الصدر (قدس الله روحيهما).

-2 ويختلفان من جهة أن لفظ النعمة يشير إلى نفس النعمة أو بأنها عطاء أنعم الله به على عباده، والفضل يعني الزيادة في العطاء.

3-   الميزان في تفسير القرآن: 4/ 64.

4 -  ويشهد له ما رواه الشيخ الصدوق في (الخصال: 107، ح 71) بسنده عن ياسر الخادم قال: (سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيرى الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا، وقد سلم الله عز وجل على يحيى في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً} (مريم/15) وقد سلم عيسى بن مريم عليه السلام على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً} (مريم : 33) (البرهان في تفسير القرآن، للشيخ هاشم البحراني: 6/ 193، ح 6).

5- أمالي الطوسي: 28. وعنه في بحار الأنوار:ج ٦ / ص ٢١٤  .

6 - الكافي ج 3 صفحة 243.

7 -   بحار الأنوار: 6/ 242.

-8 الفعل في الآية وإن كان بصيغة (استفعل) التي يغلب عليها طلب الفعل أي أنهم يطلبون البشرى كما في التفاسير، إلا أن ظاهرها هنا ما ذكرناه من معنى الثلاثي نظير قوله تعالى: {واستغنى اللهُ} (التغابن: 6).

9 - صحيح مسلم 3/ 1498، ح 108.

10 - لب اللباب / للقطب الراوندي (مخطوط)، وعنه في مستدرك الوسائل: 11 / 12 ح 12290.

[11] - كنز العمال: ج 4 / 397، ح 11098، ميزان الحكمة: 4 / 510.

[12] - نهج البلاغة: الحكمة 474.

[13]  - صحيح مسلم: 3 / 1517، ح 157.

[14]  - جامع الأخبار(للشعيري): ص 165، ومثله في بحار الانور: 68/ 137 ح 76.

[15]  - نهج البلاغة: الخطبة 190.

[16]  - المحاسن: ج‏1 / ص164، بحار الانوار: 67/ 142 ح 86.

[17] ـ مجمع البيان: ج 9 / 359.

[18] ـ الدعوات (للراوندي) / سلوة الحزين: ص274، عنه البحار: 82/ 173 و أخرجه في البحار: 52/ 125 ح 13 عنه و عن اكمال الدين: 1/ 323 ح 7.

-19 الكافي: 8/ 156، ح 146.

[20] ـ دعائم الإسلام: ج 1/ 266، وعنه في بحار الانوار: ج81/ 245، ح 30، وتوجد روايات أُخر في كتاب ميزان الحكمة: ج4/ 513.

-[21]  الارشاد: 1 / 238، ميزان الحكمة: 4 / 510.

22-  الميزان : 4/30 عند تفسير الآية 140 من سورة آل عمران.

  -[23]   الكافي: ج2 / ص630-631

24 - الميزان: ج 4 /  62  ، تفسير تسنيم للجوادي الآملي: 16 /299، وكذا تفسير ابن عاشور: 3/ 282

25- ميزان الحكمة: 4/ 513 عن كنز العمال: 11200. 

[26] - أمالي الطوسي: 2 / 231، وسائل الشيعة (آل البيت): ١/ ٤8 ح 10.

27- دعائم الإسلام: ج‏1 / ص4     -[27]

28- -  الكافي: ج 2 / 348، ح 4. 

- 29 ميزان الحكمة: 4/ 511 عن صحيح مسلم:3 /498 ح 109.

-30 وسائل الشيعة: 15/ 16، أبواب جهاد العدو، باب 1، ح 20.

31 - مجمع البيان في تفسير القرآن: 2/246 .

[32] ـ المَحيص: المَهْرَب و المَحيد، من الحَيْص بمعنى الحَيْد- أي العدول- و الهَرَب من الشي‏ء. راجع: لسان‏العرب، ج 7، ص 19 (حيص).

33 - الكافي (ط - الإسلامية): ج‏5 / ص 54، ومثله في نهج البلاغة: الخطبة 123 والإرشاد: 1 / 238.

34 - نهج البلاغة: الخطبة 156

35 - بحار الأنوار: 42 / 239 ح 45.

 36 - تحف العقول: 245.

37 ـ كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر، ص: 161. بحار الأنوار: 27 / 217 / ح 18. وتجد غيره في ميزان الحكمة

38- السيد محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة: 4/261.

39 - كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، للشيخ محمود الشريفي: ص 407.

-40 الرائق للمرحوم الشيخ مهدي اليعقوبي: 2/ 286.