علي بن أبي طالب (عليه السلام) نفس رسول الله (ص)
علي بن أبي طالب (عليه السلام) نفس رسول الله ([1]) (صلى الله عليه وآله وسلم)
قال الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} (آل عمران: 61)
روى علي بن إبراهيم في تفسيره بسنده عن الأمام الصادق (×) قال: (إنَّ نَصَارَى نَجْرَانَ لَمَّا وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَكَانَ سَيِّدُهُمْ الْأَهْتَمَ والْعَاقِبَ والسَّيِّدَ وحَضَرَتْ صَلَاتُهُمْ فَأَقْبَلُوا يَضْرِبُونَ بِالنَّاقُوسِ وصَلَّوْا، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) هَذَا فِي مَسْجِدِكَ؟ فَقَالَ دَعُوهُمْ فَلَمَّا فَرَغُوا دَنَوْا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالُوا إِلَى مَا تَدْعُونَ؟، فَقَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وأَنَّ عِيسَى عَبْدٌ مَخْلُوقٌ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويُحْدِثُ، قَالُوا فَمَنْ أَبُوهُ فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالَ قُلْ لَهُمْ مَا تَقُولُونَ فِي آدَمَ (عليه السلام)؟ أَكَانَ عَبْداً مَخْلُوقاً يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويَنْكِحُ؟ فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: فَمَنْ أَبُوهُ؟ فَبُهِتُوا، فَبَقُوا سَاكِتِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} الْآيَةَ، وأَمَّا قَوْلُهُ: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَى قَوْلِهِ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ} فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): فَبَاهِلُونِي فَإِنْ كُنْتُ صَادِقاً أُنْزِلَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْكُمْ، وإِنْ كُنْتُ كَاذِباً نَزَلَتْ عَلَيَّ، فَقَالُوا أَنْصَفْتَ فَتَوَاعَدُوا لِلْمُبَاهَلَةِ، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ قَالَ رُؤَسَاؤُهُمْ -السَّيِّدُ والْعَاقِبُ والْأَهْتَمُ-: إِنْ بَاهَلَنَا بِقَوْمِهِ بَاهَلْنَاهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإِنْ بَاهَلَنَا بِأَهْلِ بَيْتِهِ خَاصَّةً فَلَا نُبَاهِلُهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقْدِمُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا وهُوَ صَادِقٌ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا([2]) جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومَعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وفَاطِمَةُ والْحَسَنُ والْحُسَيْنُ (صلوات الله عليهم)، فَقَالَ النَّصَارَى: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: هَذَا ابْنُ عَمِّهِ ووَصِيُّهُ وخَتَنُهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وهَذِهِ بِنْتُهُ فَاطِمَةُ، وهَذَانِ ابْنَاهُ الْحَسَنُ والْحُسَيْنُ، فَعَرَفُوا وقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): نُعْطِيكَ الرِّضَا فَاعْفُنَا مِنَ الْمُبَاهَلَةِ، فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلَى الْجِزْيَةِ وانْصَرَفُوا)([3]).
أقول: كأنهم لمّا رأوا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء بأهله خاصّة علموا بيقينه بالحق الذي جاءهم به([4]) واستعداده للتضحية بنفسه وبأهله من أجله، ولو لم يكن متيقناً لما عرّض أهله للهلاك، وإنما يقدّم أتباعه للّعن والعذاب كما يفعل أهل الباطل وطلاب الدنيا، وبذلك كشف علماء النصارى عن بطلان عقيدتهم وإن تمسّكوا بها من أجل الدنيا والحفاظ على الامتيازات والمصالح.
ولعل فرض الجزية الضخمة عليهم لإشعارهم بأنهم سيتنازلون عن الدنيا التي تركوا الحق من أجلها وسيذعنون للحق ولو بعد حين.
وتبيّن الحادثة صورة نقية لسماحة الإسلام، واحترامه للحوار بالحجج والبراهين وعدم لجوئه للعنف، ومنح حقوق الأقليات، حتى أنهم مارسوا شعائرهم في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، علماً أن الواقعة حصلت في السنة التاسعة من الهجرة في عام الوفود بعد فتح مكة وبسط الإسلام نفوذه الواسع.
وقد روت مصادر الفريقين([5]) عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وعن جمع من الصحابة أنها نزلت في الخمسة أهل الكساء، روى الشيخ الصدوق في الامالي بسنده عن الأمام السجاد (×) عن عمه الأمام الحسن السبط (×) قال: (قال الله تعالى لمحمد (صلى الله عليه وآله) حين جحده كفرة الكتاب وحاجوه: {فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ} فأخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الأنفس معه أبي، ومن البنين أنا وأخي، ومن النساء فاطمة أمي من الناس جميعا، فنحن أهله ولحمه ودمه ونفسه، ونحن منه وهو منا)([6]).
وفي تفسير الثعالبي عن مقاتل والكلبي أن أسقف نجران قال: (يا معاشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو أقسموا على الله أن يزيل جبلاً لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة)([7]) فصالحوه على جزية عظيمة يدفعونها كل عام.
وروى مسلم في صحيحه وأبن حنبل في مسنده وغيرهما أن معاوية أمر سعد أبن أبي وقاص أن يسب علياً فامتنع لثلاث خصال ثم وقال: (لئن تكون لي واحدة منهن أحبَّ إلي من حمر النعم-وهي أغلى أنواع الإبل-) ([8]).
ثم ذكر حديث المنزلة وحديث (لأعطين الراية) في خيبر، ثم قال ((ولما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة والحسن والحسين وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي)([9]).
فالمراد بأنفسنا علي بن طالب خاصة وبالنساء فاطمة الزهراء وبالأبناء الحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين)، روى الشيخ المفيد في الاختصاص بسنده عن الأمام الكاظم (×) قال: (اجتمعت الأمة بَرِّها وفاجرها أن حديث النجراني حين دعاه النبي (|) إلى المباهلة لم يكن في الكساء إلا النبي (|) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، فقال الله تبارك وتعالى: { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ } فكان تأويل أبنائنا الحسن والحسين، ونسائنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب (عليهم السلام)([10]).
أقول: هذا الأشكال منقوض بنفس الآية فقد عبّرت عن السيدة الزهراء(÷) بالنساء، وقد ورد مثله في آيات كثيرة كقوله تعالى {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ } (المنافقون : 8) والقائل واحد وقوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} (البقرة : 215) والسائل واحد وهكذا، فأنه لا يضرّ التعبير بالجمع إرادة الواحد كما لو كان المفهوم عاماً لكن المصاديق منحصرة بواحد، لا سيما وأنها دعوة إلى الطرف الآخر ويتحقق مصداقها بواحد، وقد ورد مثله في آيات عديدة وشرحنا ذلك في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] وقد نزلت في أمير المؤمنين (×)، وصحّ أن ينادى الفرد بصيغة الجمع إكراماً كما في التحية (السلام عليكم)، ويمكن أن يعادل الواحد الجميع لاجتماع صفات الكمال فيه قال تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (النحل: 120).
وأكّد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذه الحقيقة في أكثر من مناسبة كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليّ مني وأنا منه لا يؤدي عني إلا عليّ)([11]) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تحذير بني وليعة: (لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلاً كنفسي يعني علي بن أبي طالب)([12]).
وقد تعرضت هذه المنقبة لأمير المؤمنين (×) كغيرها من مناقبه للجحود والأنكار فتصدى الأئمة(عليهم السلام) والعلماء السائرون على هداهم للدفاع عنها، روى الشريف الرضي (رضوان الله تعالى عليه) في حقائق التأويل قال: (ومن شجون هذه المسألة ما حكي عن القاسم بن سهل النوشجاني قال: كنت بين يدي المأمون في إيوان أبي مسلم بمرو، وعلي بن موسى الرضا (×) قاعد عن يمينه، فقال لي المأمون: يا قاسم، أي فضائل صاحبك أفضل؟ فقلت: ليس شيء منها أفضل من آية المباهلة، فإن الله سبحانه جعل نفس رسوله صلى الله عليه وآله ونفس علي واحدة، فقال لي: إن قال لك خصمك: إن الناس قد عرفوا الأبناء في هذه الآية والنساء، وهم: الحسن والحسين وفاطمة، وأما الأنفس فهي نفس رسول الله وحده، بأي شيء تجيبه، قال النوشجاني: فأظلم عليّ ما بينه وبيني وأمسكت لا أهتدي بحجة، فقال المأمون للرضا (×): ما تقول فيها يا أبا الحسن؟، فقال له: في هذا شيء لا مذهب عنه، قال: وما هو؟، قال: هو أنه رسول الله (|) داع ولذلك قال الله سبحانه: {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم.. إلى آخر الآية} والداعي لا يدعو نفسه إنما يدعو غيره، فلما دعا الأبناء والنساء ولم يصح أن يدعو نفسه لم يصح أن يتوجه دعاء الأنفس إلا إلى علي بن أبي طالب (×)، إذ لم يكن بحضرته - بعد من ذكرناه - غيره ممن يجوز توجه دعاء الأنفس إليه، ولو لم يكن ذلك كذلك لبطل معنى الآية. قال النوشجاني: فانجلى عن بصري، وأمسك المأمون قليلاً، ثم قال له: يا أبا الحسن إذا أصيب الصواب انقطع الجواب)([13]).
أقول: ولو لم يكن المراد بالأنفس علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإنه سوف لا يكون له ذكر في الآية مع أنه كان موجوداً في الواقعة([14])، مع حرصه (صلى الله عليه وآله وسلم) على عدم إدخال غيرهم في المباهلة حتى مثل أم سلمة التي أكّد لها (صلى الله عليه وآله وسلم) أنها على خير، ولكان إيراد {وأنفسنا} لغواً لدخول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: {ندعُ}، ولعل النكتة في تأخير ذكر الأنفس عن الأبناء والنساء وعدم جعلها في البداية هو لمنع حصول التوهم المذكور.
وهذه الحقيقة يترتب عليها استحقاق أمير المؤمنين (عليه السلام) الإمامة والخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه منزّل منزلة نفسه، فهو الأحق بأن يقوم مقامه ، ولو وجد من يستحق هذه المنزلة لأصطحبه النبي (|)، وبذلك تكون أحاديث إعلانه خليفة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالغدير تأكيداً على هذه الحقيقة، ومنه إلى ذريته الطاهرة المعصومة من أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنهم أفضل الخلق وأكملهم.
ومما يستفاد من الآية الكريمة أنها صريحة في أن الحسن والحسين (‘) أبناء رسول الله (|) وإن رغمت أنوف الحاسدين والمعادين الذين كبر عليهم الاعتراف بهذه الحقيقة وقالوا أن أبن البنت ليس أبناً واستشهدوا بقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتُنا بنوهن أبناء الرجال الأباعدِ([15])
ورتّبوا على ذلك أن العباسيين وهم أولاد العباس عم النبي (|) أولى بالخلافة من آل علي(×) لأن بني العم أولى من بني البنت وقال شاعرهم:
لكم رحمٌ يا بني بنته ولكن بنو العم أولى بها([16])
روى الشيخ الصدوق في العيون بسنده عن الأمام موسى بن جعفر (×) في حديث له مع هارون العباسي أن هارون سأله مستنكراً (كيف قلتم: إنّا ذرية النبي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعقب وإنما العقب للذكر لا للأنثى وأنتم ولد الابنة ولا يكون لها عقب، فقمت أسأله بحق القرابة والقبر ومن فيه إلا ما أعفاني عن هذه المسألة، فقال: لا، أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم كذا أُنهي إليّ، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله، فقلت: تأذن لي في الجواب؟ قال: هات، فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {بسم الله الرحمن الرحيم ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى} (الأنعام: 84-5-85). من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس لعيسى أب، فقلت: إنما ألحقناه بذراري الأنبياء (عليهم السلام) من طريق مريم (عليها السلام)، وكذلك أُلحقنا بذراري النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قِبل أمنا فاطمة (عليها السلام)، أزيدك يا أمير المؤمنين؟ قال: هات، قلت: قول الله عز وجل: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} ولم يدّع أحد أنه أدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلا علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فكان تأويلُ قوله عز وجل {أبناءنا}: الحسن والحسين و {نساءنا}: فاطمة، و {أنفسنا} علي بن أبي طالب)([17]).
وقد عبّر الأئمة (عليهم السلام) عن ألمهم من إقصاء الأمة لهم ومنعهم من حقوقهم مع أن الملجأ إليهم في الملمات والمواقف الصعبة وأنهم السبّاقون إلى المواجهة والجهاد والتضحية، روى العياشي في تفسيره عن ابي جعفر مؤمن الطاق قال (قال أبو عبد الله (×): ما تقول قريش في الخمس؟ قال: قلت: تزعم أنه لها -بدعوى أنهم هم أولو القربى-، قال: ما أنصفونا والله لو كان مباهلة ليباهلن بنا، ولئن كان مبارزةً ليبارزن بنا، ثم نكون وهم على سواء)([18])، وفي رواية أخرى ذكر المبارزة يوم بدر وقال (عليه السلام): (أفيكون لنا المرّ ولهم الحلو!).
وفي الآية الكريمة دعوة إلى تبيين الحق لكل الناس، ومناظرة أهل الأديان والأيديولوجيات الأخرى وإقامة الحجج البالغة عليهم لهدايتهم إلى الحق وإلا استحقوا اللعنة والعذاب، وأن تكون المناظرة والمحاججة علنية وأمام الجمهور لتهدي أكبر عدد من الناس إلى الحق، ومنه تظهر الحاجة إلى تبنّي الحوزة العلمية مركزاً لعلم الكلام والعقائد لتأهيل القادرين على المناظرة والاحتجاج.
وقد روى الشيخ الكليني في أصول الكافي عن أبي المسترق تعليم الإمام الصادق (عليه السلام) كيفية المباهلة وشروطها بعد أن شكى كثرة مماراة الناس وإشكالاتهم وقال (عليه السلام) في نهاية كلامه: (فإنك لا تلبث أن ترى ذلك -أي العذاب- فيه) قال أبو المسترق: (فوالله ما وجدت خلقاً يجيبني إليه)([19]).
كما أنها تكشف عن عظمة المرأة في الإسلام وأهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به، حين تسهم في إقامة الحجة لإثبات الحق، ويقدمها الرجل معه لتكون واجهة دينية وحاملة لليقين الأكمل الذي يتبين من الاستعداد للمباهلة وتحمّل نتائجها والثقة باليقين الذي تحمله القائم على الحجج الحقيقية.
1 – درس التفسير ليوم الأربعاء 10/ رجب الأصب / 1447 الموافق 31 / 12 / 2025.
([2]) روي أن الواقعة حصلت يوم 24 أو 25 من ذي الحجة وذكر بعض المطّلعين أنه شُيّد على موضعها مسجد يُعرف بـ(مسجد الإجابة) ويقع على مقربة من المسجد النبوي الشريف اليوم وكان يومئذٍ خارج المدينة.
([3]) تفسير القمي: 1/ 104، ط. الثالثة- قم، تفسير البرهان: 2/ 224.
([4]) حول قضية عيسى (عليه السلام).
([5]) أورد السيوطي في الدر المنثور: 2/ 230 وما بعدها جملة منها بطرق عديدة، وأحصى علماؤنا (كالسيد المرعشي (قدس سره) في إحقاق الحق) عشرات المصادر من علماء العامة الذين رووا هذه الواقعة.
([6]) الأمالي: 2/ 177، تفسير البرهان: 2/ 225، ح 2.
([7]) الجواهر الحسان في تفسير القرآن، للثعالبي: 1/ 433.
([8]) حكاه في تفسير البرهان: 2/ 231، ح 16 عن عدة مصادر عنه.
([9]) صحيح مسلم: 4/ 1871 ح 32 في فضائل علي، مسند احمد بن حنبل: 3/160 رقم 1608،مناقب الخوارزمي: 59، سنن النسائي: 5/123، سنن الترمذي: 5/ 456 رقم 3724. ورواها الشيخ الصدوق في أماليه: 1/ 313.
([10]) الاختصاص: 56، تفسير البرهان: 2/ 225، ح 3.
([11]) رواه جمع كبير من علماء العامة بأسانيد صحيحة كأحمد في مسنده: 4/ 164 وابن ماجة في سننه: 1/ 57، والترمذي في صحيحه: 2/ 213، والبخاري في صحيحه: ج 4.
([12]) أمالي الصدوق: 423، ح 1، والرواية عن الإمام الرضا (عليه السلام)، مسند ابن حنبل: 2/ 593، الاستيعاب: ج 3، الرقم 1855، أنساب الأشراف للبلاذري: 2/ 123 رقم 85، وغيرها من المصادر.
([13]) حقائق التأويل السيد الشريف الرضي :1 / 112، تفسير الفرقان: 5/ 20 الهامش.
([14]) فلا نحتاج إلى المناقشة في معنى الآية إذا ثبت الواقع الخارجي الذي يمثل تفسيرها، ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن عباس حين أرسله للاحتجاج على الخوارج: (لا تحاججهم في القرآن فإنه حمال تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة فإنهم لا يجدون عنها محيصاً) بمعنى أنه لو قال لهم مثلاً [أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] (النساء: 59) لقالوا: [إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ] (الأنعام: 57)، ولكن السنة هي التطبيق الخارجي المفسر للآيات.
([15]) لا يعرف قائله، وقيل لشاعر جاهلي، ونُسب للفرزدق في ديوانه، واستشهدوا به في النحو على جواز تقديم الخبر، والفقهاء على دخول أبناء الأبناء في الميراث.
([16]) البيت لابن المعتز عبد الله بن محمد بن المعتز بالله بن المتوكل بن المعتصم بن هارون العباسي (247 هـ – 296 هـ) في ديوانه.
6 -عيون أخبار الرضا: 1/ 84 ح 9 ، تفسير البرهان 2/ 229 ح 8.
7 – تفسير العياشي: 1/ 176 ح 56.
([19]) أصول الكافي: 2/ 514، نور الثقلين: 1/ 223، ح 174.