{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} - النبي (ص) الرحمة المهداة للعالمين

عدد القراءات : 21 8/ربيع الثاني/1448

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107)

النبي >’< الرحمة المهداة للعالمين ([1])

عُرفِّت الرحمة بالرقة والعطف والرأفة _ كما في معجم مقاييس اللغة _ والأقرب أن هذه أوصاف في القلب ينشأ منها فعل يجلب الخير والصلاح والنفع للآخر هي الرحمة ولو أوجبت ألماً للآخر كإجراء عملية جراحية لمعالجة المريض، فالرحمة هي فعل الراحم.

       والاثبات بعد النفي والاستثناء من المنفي يفيد الحصر ككلمة التوحيد (لا إله الا الله)، فالآية الكريمة تنفي أي غرض وعلة لإرسال النبي (|) إلا أنه رحمة للعالمين، كل العالمين – لأنه جمع محلى باللام- فتشمل رحمته الموجودات جميعاً سوى الله تبارك وتعالى كما في قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الفاتحة: 2) فرحمة الرسالة المحمدية شاملة لجميع الناس من الاولين والأخرين، لذا عُدَّت الآية الكريمة دليلا على خاتمية وكمال دين الإسلام لعدم الحاجة إلى غيره، ومن لطيف ما قيل: إنَّ كل نبي كان مقدمة للعقوبة لقوله تعالى: {وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولا} (الاسراء: 15) ونبينا (|) كان مقدمة للرحمة {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} لتكون الخاتمة على الرحمة لا على العقوبة.

       فبعثه >’< بالرسالة أعظم تجليات الرحمة الالهية التي شملت كل شيء { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف : 156)، وتصف الأحاديث الشريفة سعة رحمة الله تعالى ومنها قول النبي (صلى الله عليه وآله): >إنّ الله تعالى خلق مائة رحمة يوم خلق السماوات والأرض، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض، فاهبط رحمة منها الى الأرض فبها تراحم الخلق، وبها تعطف الوالدة على ولدها وبها تشرب الطير والوحوش من الماء وبها تعيش الخلائق) ([2]).

         وقوله تعالى {للعالمين} متعلق بالرحمة وليس متعلقاً بـ {أرسلناك} والمجموع متعلق بـ {أرسلناك}، والعالمون تشمل حتى الملائكة روى الطبرسي في مجمع البيان (أن النبي (|) قال لجبرئيل: هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم كنت أخشى العاقبة فأمنت، لثناء الله تعالى عليّ في القرآن بقوله سبحانه: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}([3]) (التكوير:20)) فإنه (|) أول الموجودات ومنه انبثقت، وعمّتها الرحمة جميعا، وليس عجيباً ان يخلق الله تعالى واحدا كاملا يؤثر في الوجود كله، ، وروي في ذلك قوله (|) (عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أول شيء خلق اللّه تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير) ([4])

      وهو (|) رحمة للعالمين جميعاً حتى لمن لم يؤمن به فدعوى اختصاص رحمته بالمؤمنين مخالفة لصريح الآية، وشمول رحمته لغير المؤمنين متحقق بعدة وجوه، لأن الدين الذي جاء به يضمن السعادة لجميع الناس، ولا ينكر أحد حتى من أعداء الإسلام التغيير الإيجابي العظيم الذي أحدثه الإسلام في حياة البشرية، فإذا أعرض عنه بعضهم فبسوء اختيارهم ولا يضر بكونه رحمة لهم، كمَن شيّد مدرسة وجهّزها بكل ما تحتاج لأبناء المدينة فهي رحمة لهم جميعاً حتى لمن امتنع عن الالتحاق بها لسوء تدبيره والنتيجة السيئة حصلت بسبب عدم قابلية القابل لا لنقص في المقتضي أي فاعلية الفاعل.

         وهو رحمة بهم لأن الله تعالى دفع به عذاب الاستئصال الذي كان ينزل بالأمم الكافرة السابقة {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الأنفال: 33) ولو خلت الأرض منه (|) ومن أولاده الحجج المعصومين (عليهم السلام) لساخت بأهلها كما ورد في الحديث الشريف.

 وتجلّت رحمته (|) بهم عملياً فقد كانوا يؤذونه ويعتدون عليه وهو يدعو لهم (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ولم ينقل عنه (|) أنه حمل سيفاً في معاركه رغم أنه كان في لهواتها، وإنما كان يدعو عليّاً (×) لردّ كتائب المشركين، حتى لما تكالبوا عليه وجرحوه فإنه لم يطلب الانتقام منهم، روى مسلم في صحيحه (ان رسول الله (|) لما شُجَّ وجهه يوم أُحد شق ذلك على أصحابه، فقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: إني لم أُبعث لعّاناً وإنما بُعثت رحمة)([5])  فدعوى اختصاص رحمته بالمؤمنين، والإشكال على سعة رحمته للعالمين مع أن مصير الكافرين إلى النار  لا وجه له.

نعم توجد رحمة خاصة بالمؤمنين ذكرها الله تعالى في غير موضع كقوله تعالى{ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (البقرة : 105)، وقوله تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين} (الجاثية: 30)، وقوله تعالى  { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} (الأعراف : 156_157).

كما أن الله تعالى قد يحجب بعض أشكال الرحمة عن بعض عباده لأنهم يسيئون استغلالها لو أعطيت لهم فيظلمون ويعتدون على غيرهم قال تعالى {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (المؤمنون: 75).

ووردت الرحمة بالتنكير لتعظيمها وللدلالة على السعة ولا يُراد بها معنى الوحدة قطعاً بل جنس الرحمة، وقد صيغت الآية بأبلغ نظم ((فهي تشتمل على أربعة وعشرين حرفاً بدون حرف العطف الذي عطفت به، ذكر فيها الرسول ومرسله والمرسل إليهم والرسالة وأوصاف هؤلاء الأربعة مع إفادة عموم الأحوال واستغراق المرسل إليهم وخصوصية الحصر وتنكير (رحمة) للتعظيم، فهذه اثنا عشر معنى خصوصياً)) ([6]).

      (الرحمة) هنا حال من ضمير المخاطب العائد إلى النبي (|)، وإن الإتيان بالصفة على صيغة المصدر (رحمة) يفيد أن الرسول (|) متمحض بالرحمة وأنها متحدة به ووجوده كله رحمة بحيث أنه مظهر وتجسيد لها، وزاد هذه الدلالة وضوحاً استعمال صيغه حصر الموصوف بهذه الصفة وقصره عليها، فالله تعالى رب العالمين، والنبي >’< أًرسل رحمةً للعالمين، فالتربية الإلهية تتحقق من خلال هذا النبي الأكرم، وبهذا المعنى ورد حديث شريف عنه (|) قال: (إنما أنا رحمة مهداة)([7]) ، في الدنيا والآخرة وقد ورد في الاحاديث ان النبي >’< قال لأصحابه: >حياتي خير لكم ومماتي خير لكم< قالوا: هذا خيرنا في حياتكم فما خيرنا في مماتك؟ فقال: >تعرض عليَ أعمالكم كل عشية الاثنين والخميس، فما كان من خير حمدت الله تعالى، وما كان من شر أستغفر الله لكم< ([8])  .

         وتظهر رحمته العظيمة من خلال الشفاعة الواسعة وهو المقام المحمود الذي وعده الله تعالى به في الآية 79 من سورة الاسراء حيث يعجز الأنبياء جميعاً عن شمول الخلق بالشفاعة ويحيلونهم الى النبي >’< فيشفع لهم، وهو المروي في عدة احاديث منها ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره بسند موثق عن الامام الصادق >×< وجاء فيه: (فيقول >’<: انطلقوا، فينطلق بهم الى باب الجنة، ويستقبل باب الرحمة ويخر ساجداً فيمكث ما شاء الله، فيقول الله: ارفع رأسك واشفع تُشفَّع واسأل تعطَ، وذلك قوله: {عسى ان يبعثك ربُّك مقاما محمودا})([9]) فالنبي (|) هو المظهر الأول للرحمة المرسلة للعالمين.

     والمظهر الثاني يتجلى في الدين القيّم الذي جاء به فإنه بجميع تفاصيله رحمة مهداة إلى العالمين، ويصرّح القرآن الكريم بأن الالتزام بهذه الشريعة سبب لنيل الرحمة والحياة في كنفها في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران : 132) وقال تعالى: { لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف : 63) {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (النور : 56) { وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (يونس : 57) { هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف : 203)  حتى في الأحكام التي ينظر إليها على أنها أحكام قاسية كالاقتصاص من القاتل بالقتل فإن فيه رحمة بالناس لقطع دابر الجريمة والفساد وقلعها من جذورها، قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} (البقرة: 179)، وكالجهاد الذي شرع لإزالة الموانع التي  يفرضها الطغاة والمستكبرون للحيلولة دون وصول الإسلام الى الناس وتنعمهم بهذه الهدية العظيمة، فإذا زالت فهم أحرار في اعتناق الإسلام {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } (البقرة : 256)، حتى إنّ نار جهنم خلقت رحمة للعاصين لتطهرهم من الأدران والرذائل التي تنكد عليهم آخرتهم وقد قيل ((آخر الدواء الكيّ)).

   إن أظهر تجليات الرحمة في دين الإسلام هو هدايتهم إلى التوحيد ومعرفة الله تبارك وتعالى، وتحريرهم من عبادة الطواغيت والمستكبرين والأهواء المضلّة والأصنام وبذلك تتحقق لهم السعادة والسمو والطمأنينة، اما اتباع الآلهة من دون الله تعالى فإنها توجب الشقاء والنكد، قال أمير المؤمنين >×<: (فبعث الله محمداً بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان الى عبادته، ومن طاعة الشيطان الى طاعته، بقرآن قد بيّنه وأحكمه، ليعلم العباد ربّهم إذ جهلوه، وليقرّوا به بعد إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذ أنكروه) ([10]).

     ومنها إرسال الأنبياء وهم خيرة الخلق وصفوتهم المطهرون الأتقياء ليرشدوا الناس إلى ما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، وأنزل معهم الشرائع ليعلموهم كيف يعيشون حياة طيبة من دون عنت ومشقة وضيق وإكراه ، وليؤلفوا بين قلوبهم وليحلّوا نزاعاتهم ومشاكلهم ويجمعوهم على الخير والهدى {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 63)، ولولا النبوات والرسالات الإلهية لكان الناس غارقين في البهيمية والوحشية كالحيوانات، ولا تعرف غير الصراع من أجل البقاء ولقمة العيش.

       ومن مظاهر الرحمة الإلهية: بعث الناس يوم القيامة، لأن الاعتقاد بالمعاد والقيام للحساب فيثاب المحسن على إحسانه ويحاسب المسيء على إساءته أقوى حافز لعمل الخير ورادع عن فعل الشر والسوء والظلم والعدوان حينما تغيب كل الموانع الأخرى كرقابة الناس أو أجهزة تنفيذ القانون.

      ومنها إقامة دولة العدل الالهي التي تضمن الحياة الكريمة لكل الناس وتؤدي إليهم حقوقهم وتلزمهم بواجباتهم {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: 25) وقد جاءت الآية محل البحث لتؤكد هذا المعنى لورودها عقب الوعد بوراثة الأرض {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} (الأنبياء: 105_ 106).

وأمر الله تعالى الناس بالعدل والأنصاف حتى على أنفسهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (النساء: 135) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8)

      وهكذا تستمر مظاهر الرحمة الالهية في تشريعات الإسلام {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} (البقرة: 178) حتى جعل نيل الرحمة غرضاً لهذه الشريعة {لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 63) {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204).

      أما أخلاق الإسلام فهي مبنية على الرحمة وقد نطقت بها الآيات الكريمة كقوله تعالى في الوالدين {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء: 24) وقوله تعالى مخاطباً نبيه الكريم (|) {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ}

(آل عمران: 159) وقال تعالى واصفاً نبيه الكريم (|) { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة : 128) أما الأحاديث الشريفة الآمرة بالرحمة والإحسان والرفق وإدخال السرور والتفريج عن المؤمنين ومساعدة المحتاجين فهي فوق الإحصاء ، حتى ورد في الحديث الشريف: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)([11]) ( وإنَّما يرحمُ اللَّهُ من عبادِه الرُّحماءَ)([12]) ، وأوجبها أكثر على الضعفاء الذين لا يمتلكون القوة، روى الشيخ الكليني عن الإمام أبي الحسن >×< قال: (اذا وعدتم الصبيان ففوا لهم فإنهم يرون انكم الذين ترزقونهم، إنَّ الله عز وجل ليس يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان)([13]).

     ثم رتّب تبارك وتعالى الكون كله ليكون رحمة بالناس {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (القصص: 73)  {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} (الشورى: 28)

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21).

       وشملت رحمته الحيوانات وتوجد مئات الروايات في الرفق بالحيوان والإحسان إليه وحلول اللعنة على من يؤذيه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (×)(قَالَ:كَانَ رَجُلٌ شَيْخٌ نَاسِكٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَبَيْنَا هُوَ يُصَلِّي وَ هُوَ فِي عِبَادَتِهِ إِذْ بَصُرَ بِغُلَامَيْنِ صَبِيَّيْنِ قَدْ أَخَذَا دِيكاً وَ هُمَا يَنْتِفَانِ رِيشَهُ فَأَقْبَلَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَ لَمْ يَنْهَهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ أَنْ سِيخِي بِعَبْدِي فَسَاخَتْ بِهِ الْأَرْضُ فَهُوَ يَهْوِي أَبَدَ الْآبِدِينَ وَ دَهْرَ الدَّاهِرِينَ‏) ([14] ) وإن الأمام الحسن (×) اشترى عبداً واعتقه واشترى البستان الذي كان يعمل فيه وأهداه له لأنه رحم  كلباً وأطعمه وأدخل السرور عليه ([15])  .

       فالرحمة المقصودة في الآية الكريمة المتمثلة بإرسال النبي>’< ليست حالة عاطفية تستدعي الشفقة على مستحقها فقط وإنما هي مشروع رباني واسع يشمل الوجود كله برحمته وخيره ((فظهر أن الرحمة فيض منبسط ونور متسع ومحيط بجميع عوالم الوجود سماءً أو أرضاً ،ظاهراً و باطناً، إيجاداً وإبقاءً ، مادياً وروحانياً ،ونور الرحمة في  سريانه ونفوذه وجريانه وشموله كنور الوجود المنبسط منه تعالى شأنه وعظم برهانه ، ففي كل مورد ورد نور الوجود منه تعالى يلازمه نور الرحمة ، وفي كل مورد أحاط به علمه الواسع المحيط تحيط به الرحمة الواسعة {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (النور : 35) { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا } (غافر : 7) ))([16]) .

 

وإنَّ من تمام التأسي بالنبي >’< ان يكون كل واحد منّا جزءاً من هذا المشروع ومثالاً للرحمة والإحسان في صفاته وسلوكه ومواقفه وطريقة تعامله.

ولو أن البشرية اغتنمت هذا الدين صدقا وعملت به حقاً لأحاطت بهم الرحمة ولعمّهم الخير وتهنّوا بالحياة الطيبة وتخلصوا من العذاب والشقاء والصراعات والحروب والتدمير.

ان الطريق لنيل الرحمة الإلهية هو ان نرحم أنفسنا أولاً بالورع والتقوى والتمسك بالدين قال >’<: (تعرضوا لرحمة الله بما أمركم به من طاعته)([17])، وأن نرحم الناس، سَمِعَ رسول الله >’< رجلا يقول: (اُحب أن يرحمني ربّي) فقال >’<: (إرحم نفسك وارحم خلق الله يرحمك الله) ([18])، وروي عن الامام الصادق >×< قوله: (من أراد الله أن يدخله في رحمته ويسكنه جنته فليُحسن خُلُقه، وليُعطي النصفة من نفسه، وليرحم اليتيم، وليعن الضعيف، وليتواضع لله الذي خلقه)([19]).

ونحن في أعظم الأزمنة لنيل الرحمة الألهية، شهر رجب الذي لُقِّب بالأصب  لأن الرحمة تصبُّ فيه صبّاً، وشهر شعبان الذي تتشعب منه الخيرات، وشهر رمضان الذي دعيتم فيه إلى ضيافة الله تبارك وتعالى.  



1 – درس التفسير ليوم الأربعاء 1 / شعبان / 1447 الموافق 21 / 1 /2026.

 [2]- كنز العمال: 10464 بواسطة ميزان الحكمة: 3/449 ح 7187

3 - مجمع البيان: ج 7 / ص 108 والظاهر أن مصدرها كتب العامة، فقد نقلها الآلوسي عن صاحب الشفاء وقال ((إلا أن الجلال السيوطي ذكر في (تزيين الأرائك) أنه لم يقف له على إسناد (روح المعاني: ج17 - 18، ص 138).

4– البحار: ج 15 ص 24 و ج 25 ص 22 و ج 54 ص 170 و مستدرك سفينة البحار: ج 2 ص 14 و سنن النبي (صلى اللّه عليه وآله) للطباطبائي: ص 400 و كشف الخفاء: ج 1 ص 265 وتفسير الميزان: ج 1 ص 121 وتفسير الآلوسي: ج 1 ص 51 وينابيع المودة للقندوزي: ج 5 ص 56 و مجمع النورين للمرندي: ص 24 و السيرة الحلبية (ط. دار المعرفة) ج 1 ص 240.

6 - صحيح مسلم: ج 4 / ص 2006 ح 2599. ت عبد الباقي.

7- تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: 17 / 121  -  دلائل النبوة للبيهقي: ج 1 / ص 158 ط. دار الكتب العلمية، ذخيرة الحفاظ للمقدسي: ج 2 / ص 992 ح 2066 ط. دار السلف.    

[8] - راجع الروايات عند تفسير قوله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله} (التوبة: 105).

[9] - تفسير القمي: 2/25، تفسير البرهان: 6/86 ح5

[10] - نهج البلاغة، الخطبة 196.

[11] - كنز العمال: 5969.

[12] صحيح البخاري ح 7448 وصحيح مسلم ح 923 -

[13] - الكافي: 6/50.

[14]   بحار الأنوار: 61 / 223   -

15 – (مرّ الإمام الحسن عليه السلام بمكان..فرأى عبداً أسود بيده قرص من الخبز وأمامه كلب يأكل من الخبز لقمة ويناول الكلب لقمة أخرى وقف الإمام عليه السلام حتى انتهت قطعة الخبز. صاح بالعبد وقال له: رأيتك تأكل لقمة من الخبز وتعطي الكلب لقمة منه فلماذا تصرّفت هكذا وأحسنت إليه؟ كيف رضيت أن تقسّم قرص الخبز بينك وبين هذا الكلب؟ فقال: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله عندما نظرت إلى عينيه استحييت، استحييت من عيني هذا الحيوان وهو ينظر إلى الخبز فقرّرت أن أكل منه لقمة وأعطيه منه أخرى. وعندما قال العبد الأسود هذه الكلمة، إستحلفه الإمام عليه السلام وقال له: من أنت ؟ قال: أنا عبد ىسأله عليه السلام: عبد من؟ قال: من عبيد أبان بن عثمان فقال عليه السلام: أستحلفك بالله جلّ جلاله لا تبرح عن مكانك حتى أعود. فجلس العبد، وذهب الإمام عليه السلام وعاد بعد قليل. فقال عليه السلام: لقد اشتريتك من مولاك.. بمجرّد أن قال عليه السلام: لقد اشتريتك من مولاك؛ قام العبد وقال: سمعاً وطاعةً يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله. قال عليه السلام: لقد أعتقتك وأنت حرّ، واشتريت هذا البستان من مولاك وأهديته لك). بحار الأنوار : 43 / 352

 /[16] 95. 4: التحقيق في كلمات القرآن الكريم -

[17] - تنبيه الخواطر: 2/120 بواسطة ميزان الحكمة: 3/452 ح7213

[18] - كنز العمال: 44154.

[19] - أمالي الصدوق: 473 ح 636 بواسطة ميزان الحكمة: 3/446 ح 7186