افريقيا: الحاضنة الأولى للإسلام
افريقيا: الحاضنة الأولى للإسلام ([1])
نستطيع أن نصف القارة الأفريقية بأنها (الحاضنة الأولى للإسلام) ، فحينما صدع النبي (|) بالدعوة الإسلامية في مكة حاربته قريش وحاصرته وعذّبت القليلين ممن آمن به وقتلت بعضهم كوالدي عمار بن ياسر ، لكن الفرج جاء حينما أمر النبي (|) أصحابه بالهجرة إلى الحبشة (اثيوبيا) ، وقال لهم أن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد ، فانتقل عدد كبير من الصحابة رجالاً ونساءً وأطفالاً بقيادة جعفر بن أبي طالب عبر البحر الأحمر قبل الهجرة بسنوات واستقروا هناك وتمتعوا فعلاً بحرية وأمان لممارسة شعائرهم والعمل بأحكام دينهم وبقوا هناك حوالي عشر سنوات إلى السنة السابعة للهجرة بعد أن فتح الله تعالى على المسلمين في صلح الحديبية عدا قليل منهم عادوا إلى مكة ثم هاجروا إلى المدينة حينما أمر النبي (|) بذلك.
ولذلك وصفتٌ القارة الأفريقية بالعنوان لأنها نصرت النبي (|) وأكرمت أصحابه بينما حاربه أهل مكة التي هي موطنه واجداده وبه تشرفت ، على أن صلة أفريقيا بالإسلام في بداياته لم تقتصر على هذا ، فأن مارية زوجة النبي (|) وأم ولده الوحيد إبراهيم هي من الاقباط الذين استوطنوا حوض النيل ، وأن مربّيته وخادمته أم ايمن نوبية أي من دولة السودان الآن ، وبلال مؤذّن الرسول (|) حبشي وكان من السابقين للإسلام وهو عبد مملوك فعذبّه أسياده في مكة اقسى أنواع التعذيب لكنه صبر وثبت على الإيمان ، حتى باعه اسياده ثم حُرِّر والتحق بالنبي (|) وكان صادق الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) فلم يستطع البقاء في المدينة بعد وفاة النبي(|) وحصول انقلاب السقيفة وهو يرى حق أمير المؤمنين(×) يٌغتَصب والسيدة الزهراء (عليها السلام) تُظلم فخرج منها.
هذه الوشائج المتجذرة بين أفريقيا والإسلام شرف عظيم لمن ينتمي إلى القارة السمراء كما يصفونها وبنفس الوقت تحملّهم مسؤولية وأمان بأن يواصلوا حمل لواء الإسلام وفاءً لهذه العلاقة الخاصة، واستجابة للدعوة العامة التي وجهها الله تبارك وتعالى إلى جميع المؤمنين {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: 125) وهو امر لا يستثني أحداً، ورصد لهذا العمل ثواباً جزيلاً كما في الحديث النبوي الشريف (يا علي ....... وأيم الله لئن يهدي الله عزّ وجلّ على يديك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس وغربت))[2](
إذن ما الذي يقعدنا عن الاستجابة لهذا الأمر ولماذا نقصّر فيه ، وقد تفضل الله تعالى عليكم فجعلكم من حملة العلم أي أنكم روّاد وقادة في هذه الحركة المباركة.
واعلموا أن سُبل الله تعالى الذي أمر بالدعوة إليها كثيرة وأرقاها وأكملها ولاية أهل البيت (عليهم السلام) كما في دعاء الندبة (فكانوا هم السبيل إليك والمسلك إلى رضوانك) وهم الوسيلة التي أمر الله تعالى باتخاذها للوصول أليه تبارك وتعالى في قوله تعالى { وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} (المائدة : 35).
وأجد في الافارقة ما يؤهلهم لممارسة هذا الدور العظيم لأنهم يتصفون بالنقاء والطيبة والنزوع إلى الكمال والمسارعة إلى الخير وقد وجدوا في الإسلام خير منقذ من الهمجية والجاهلية والحشية كما وجدوا فيه العدالة الاجتماعية والكرامة التي ينشدونها وحرمهم منها الأبيض غير المسلم الذي احتلهم وصادر ثرواتهم واستعبدهم وسخرهم لأنانيته وملذاته واستكباره وهذا ما ينشده البشر جميعاً ويسعى اليه بقوة ، فحينما وصلهم الإسلام عبر مصر انتشر سريعاً سواحل الاطلسي ثم عبروا به من خلال مضيق جبل طارق إلى الاندلس أي اسبانيا والبرتغال وغرب فرنسا فأعملوا على إقناع الناس بالإسلام وأنه النظام الوحيد الذي يحرّر الإنسان من عبادة أخيه الإنسان ومن عبادة شهوات النفس الأمّارة بالسوء ونوازعها الشيطانية ، ويوفر حقوق الإنسان كاملةً بل الحيوان إلى أصغر مخلوق ، لاحظوا كمثال كلمة أمير المؤمنين (×) (وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُ) [3]
تصوروا أن رئيس دولة مترامية الأطراف تضم العشرات من الدول في التقسيم المعاصر لا يجد أن الدنيا وما فيها تصلح ثمناً لظلم هذا المخلوق الضئيل بسلب قشر شعيرة منه, فهذه العدالة وهذا التفاني في خدمة الناس وتكريمهم لا تجده في غير الإسلام وقادته الأمناء المخلصين .
وقد أخبرنا الأئمة (عليهم السلام) بأن الناس جميعاً لو أطلعوا على تعاليم الإسلام العظيمة فأنهم سيعتنقونه خصوصاً في عالمنا المعاصر حيث ازدادت مشاكل الحضارة المادية واستعصت على الحل وهيمن الخوف والقلق والإحباط واليأس على البشرية واندفع كثير منهم إلى الانتحار وإنهاء حياتهم اختياراً, ولو أوصلنا لهم الإسلام المحمدي الأصيل لوجدوا فيه الحل الكامل والعلاج الناجع.
وهذا ما دعانا إليه الأئمة المعصومون (عليهم السلام), عن الصلت الهروي قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (×) يقول (رَحِمَ اللهُ عَبْداً أَحْيَا أَمْرَنَا، فَقُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ يُحْيِي أَمْرَكُمْ؟ قَالَ: يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا)[4] . وقد قطعتم النصف الأول من الطريق بتلقيكم العلوم الدينية وبقي عليكم النصف الثاني وهو تبليغ ما تحملتم ونشره, وقد وفّر لنا التقدم التكنولوجي المعاصر ووسائل التواصل الاجتماعي فرصة لإيصال صوت الإسلام إلى ملايين البشر مضافاً إلى الحركة الميدانية والوصول إلى ابعد انسان، فنحن في ظرف أيسر مما قام به اجدادنا السابقون حين انطلقوا تحت عنوان التجارة وتبادل السلع إلى أقاصي الأرض في جنوب شرق أسيا ومجاهيل أفريقيا والأمريكيتين واوصلوا الإسلام وشيّدوا المساجد وثبتوا أوتاد الإسلام، فسارعوا إلى اغتنام هذه الفرص الثمينة.
ولعل مسؤولية النساء أكبر لأن حاجة المجتمع النسوي أكثر حيث عشن فترة طويلة من الحرمان والتجهيل والاقصاء، فلا تقصر الأخوات المتعلمات في أداء هذه الرسالة.