ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النية

عدد القراءات : 50 6/ربيع الثاني/1448

بسمه تعالى

ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النية[1]

ورد في الحديث الشريف: عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ع‏ مَا ضَعُفَ‏ بَدَنٌ عَمَّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ[2]

فما دامت النيّة موجودة، والعزم موجودًا، والصدق حاضرًا، فإنّ البدن يأتي معك ويعينك، قد تظن أنك غير قادر على أداء عملٍ ما، لكن إذا كنت صادق النيّة، ذا عزم راسخ، فإنّ البدن لا يخذلك، بل يستجيب لك؛ «مَا ضَعُفَ بَدَنٌ عَمَّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ»، فإذا تحققت النيّة الصادقة، جاء البدن معك.

وأوضح شاهد على ذلك قضية زيارة الأربعين، وما يرافقها من حركة تستطيع أن تصفها بأنها إعجازية. فالإنسان في غير زيارة الأربعين، إذا كُلِّف أن يمشي كيلومترًا واحدًا لانسداد الطرق مثلاً تحت حر الشمس المحرقة فأنه يضجر وربما لا يستمر ويعود من حيث أتى ، لكنه في الزيارة الأربعينية يأتي الزائر ما يقرب من خمسمائة كيلومتر مشيًا من البصرة إلى كربلاء ومجموعة تقطع ألفي كيلو متراً من مشهد المقدسة، وهو فرح مسرور، وكأنه لم يقدّم شيئًا؛ لأن النيّة وُجدت، والعزم وُجد، وهذا أوضح شاهد على معنى الحديث.

فلا ينبغي للإنسان أن يتخاذل أو يتقاعس عن طاعةٍ أو أداء مسؤولية وأمانةٍ تقع على عاتقه، سواء كانت أمرًا بالمعروف أو نهيًا عن المنكر، فيقول: أنا ماذا أستطيع أن أفعل؟ وماذا سأغيّر؟لا، بل بالعكس، أنت تستطيع أن تقدّم.

وأذكر مثالًا من حياتنا اليومية: أحد الإخوة يقول: انتهت علبة معجون الأسنان عندي، فقلت: عندما أخرج إلى العمل سأشتري في طريقي علبة معجون أسنان وأعود بها. فلما رجعت نسيت ولم أشترِ، فقلت: لأعصر هذه العلبة قليلاً فلعل فيها ما يقضي الحاجة اليوم ، وأجلب غداً علبة جديدة فعصرتها، فحصلت منها على شيء يحقق به المطلوب في ذلك اليوم، فقلت: غدًا أشتري واحدة في طريقي.

وفي اليوم الثاني ذهب إلى العمل، ثم عاد ونسي أيضًا أن يشتري، ففعل مثل الأمس وتحقق المطلوب أيضاً ، وهكذا مرّ أسبوع كامل وهو يستعمل هذه العلبة التي كان يظن أنها قد انتهت، وكان يريد أن يرميها ويأتي بغيرها!

فأقول: إذا كانت علبة معجون أسنان فارغة يخرج منها كل هذا عندما قررتَ وعزمتَ، فكيف بهذا الإنسان الذي أودع الله تعالى فيه كل هذه القوى: القوى الروحية، والقوى العقلية، والقوى الجسدية؟

هذا مثال صغير من حياتنا.

فلا يقلّل الإنسان من قدرته على التغيير؛ تغيير نفسه أولًا، وتغيير مجتمعه ثانيًا. لا تقلّل من شأنك، ولا تقلّل من إمكاناتك. قد لا تستطيع أن تفعل الكثير، لكن اعزم، ولتكن عندك نيّة صادقة مخلصة لله تعالى، فإنّ الله يبارك في عملك، وتستطيع أن تغيّر.

والتاريخ حافل بالشواهد الكثيرة على أشخاص استطاعوا أن يغيّروا وجه التاريخ.

فالذين كانوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كانوا قلّة قليلة في مكة، وكانوا شبابًا، واضطهدتهم قريش وعذبتهم، وقتلت بعضهم، وجوّعتهم وحاصرتهم، لكنهم ثبتوا،  وواصلوا عملهم الرسالي ولذلك حقّق الله تعالى النصر على أيديهم، وهناك أمثلة كثيرة، بعضها قد لا نلتفت إليه أصلاً.

وقد خصصتُ في بعض محاضراتي السابقة لأحدهم وهو خالد بن سعيد بن العاص الأموي، فراجعوها، وقد تستغرب أن يكون في بني أمية مثل هذا الشخص.

فلا نتكل على غيرنا، ولا نعوّل على غيرنا، ونقول: نحن لا نستطيع أن نغيّر، وماذا يمكننا أن نفعل؟

لا، تستطيع أن تغيّر، وتستطيع أن تصلح ، ربما بكلمة، أو بموقف، أو بنصيحة تقدّمها، أو بتربية صالحة لأولادك وإخوانك، أو بأمرٍ بالمعروف، أو نهيٍ عن المنكر، أو بأي عمل تستطيع أن تقوم به ، فإذا أنت قدّمت هذا، والآخر قدّم هذا، والآخر قدّم هذا، استطعنا أن نغيّر ، والله تعالى وعد بذلك، فقال:﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾(العنكبوت : 69).

أنتم فقط امضوا في هذا الطريق، واسلكوا هذا الطريق، والله تعالى سينصركم، وسيفتح لكم آفاقًا جديدة لم تكونوا ملتفتين إليها.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لطاعته، إن شاء الله تعالى، واجتناب معصيته، والثبات على دينه، وعلى ولاية أهل البيت (سلام الله عليهم).

والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطاهرين.



 من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مع حشد من الزوار يوم الأحد 2 / ربيع الأول / 1448 الموافق 16 / 8 / 2026-[1]

[2] ـ من لا يحضره الفقيه ؛ ج‏4 ؛ ص400 ؛ وينظر : الأمالي( للصدوق) ؛ ص329 ، المواعظ : ص 95