{ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً} من مشاهد القيامة في القرآن طلب الارجاع الى الدنيا للتدارك

عدد القراءات : 62 6/ربيع الثاني/1448

{ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً}

من مشاهد القيامة في القرآن طلب الارجاع الى الدنيا للتدارك[1]

قال تعالى {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ)} (المؤمنون 99 -100).

ركزّ القرآن الكريم خصوصاً المكي منه ـ أي النازل في مكة ـ  على عرض مشاهد من يوم القيامة الذي يبدأ من حيث تنتهي الحياه الدنيا بالموت ، وفي الحديث الشريف : (...فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ‏ قِيَامَتُهُ‏...)[2] ، لأن الوعظ بذكر الموت وما بعده أبلغ وسيلة وأشدّ تأثيراً في الإيقاظ من الغفلة وتثبيت عقائد المؤمنين وزجر وتحذير للعصاة والكفار، فإن القلوب تحتاج دائماً إلى الموعظة لكي تبقى حيّة، وفي وصية أمير المؤمنين لولده الحسن (‘): (... أَيْ بُنَيَّ... أَحْيِ قَلْبَكَ‏ بِالْمَوْعِظَةِ...)[3]، روى السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) أنه كان يزور السيد الشهيد الصدر الأول ( قدس سره) ويحضر مجلسه العام فإذا انفضَّ الحاضرون وبقيا معاً يتبادلان كلاماً في الموعظة، وركّز كثيراً في تلك الفترة من حياته على اقتناص المواعظ وقال : ((كان زادي الموعظة  كما أقول: وقد وفقني الله تعالى في أوائل شبابي الى هذه النعمة وأفردتُ دفتراً خاصاً أسجّل به الآيات والأحاديث والحِكَم التي تُحيي القلوب وتُهذّب النفس والسلوك)).

فالآية الكريمة تعرض أحد هذه المشاهد حينما ينزل الموت بالإنسان ويتيقّن أن الدنيا التي كانت كل همِّه وغايته ومبتغاه قد انتهت ، بكل ما كان يتوهّمه من لذّات وآمال وطموحات ، وامور يتباهى بها من مال أو رئاسة أو ألقاب وعناوين، وعليه الآن أن يستعدَّ للحساب الدقيق على كل ما عمل واكتسب في حياته ، فيطلب من الله تعالى  الذي أحسن أليه واعتنى به (رَبِّ ارْجِعُونِ) والرب واحد والفعل للجمع وذلك بأن يأمر الملائكة المأمورة بقيظ روحه أن يتوقفوا ويعطيه المهلة بأن يرجع إلى الدنيا ويمنحه فرصةً جديدةً ليصحّح مسيرته ويتلافى أخطاءه ويُكرّس نفسه للعمل الصالح.

  وتلفت الآية الكريمة إلى أنَّ هذا الإنسان، حين تنكشف عنه حجب الغفلة، لا يطلب الرجوع إلى الدنيا ليستكثر من أموالها، أو ليستعيد مناصبه ومباهجها، أو ليُكمل مشروعاته التي كان يتنافس عليها، وإنّما يحصر غايته في كلمة واحدة: {أَعْمَلُ صَالِحاً} ، وفي آية أخرى {أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} (الأعراف : 53)؛ لأنّ المقاييس تتغيّر عند حضور الموت، وتنكشف القيمة الحقيقية للأشياء.

فالمال الذي أفنى عمره في جمعه لا يراه حينئذٍ غايةً تستحق الرجوع، والمنصب الذي خاصم وقاتل من أجله لا يجد فيه نجاةً، والمتع واللذات التي استغرق حبُّها قلبه تصبح في تلك الساعة كأنها أحلام عابرة، ولا يبقى أمامه إلّا العمل الصالح؛ لأنه العملة الوحيدة المقبولة في عالم الآخرة.

وهذا يكشف عن حقيقة قرآنية مهمّة، وهي أن الإنسان يعرف المطلوب منه في هذه الدنيا، ولا يجهل دائماً ما ينفعه، وإنّما قد تحجبه الشهوة والعادة وطول الأمل عن العمل بما يعلم. فإذا انقطعت أسباب الغفلة، عرف أن ما كان يصرف  أكثر عمره فيه لم يكن يستحق، وأن ما كان يؤخّره إلى آخر القائمة هو أول ما يحتاج إليه.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46]، فسمّى الأموال والأولاد زينةً؛ والزينة أمرٌ عارض لا يمثّل حقيقة الإنسان ولا يصحبه في سفره، أمّا العمل الصالح فهو الباقي الذي يتحوّل إلى جزءٍ من وجود الإنسان ومصيره.

فالموعظة التي ينبغي أن نستخلصها هي أن نعيد ترتيب أولوياتنا الآن، قبل أن يعيد الموت ترتيبها لنا بعد فوات الأوان، وأن نسأل أنفسنا: لو علمنا أن هذا اليوم هو آخر أيامنا، فما العمل الذي سنندم لأننا لم نؤدِّه؟ وما الحق الذي سنسارع إلى إرجاعه؟ وما القطيعة التي سنبادر إلى إصلاحها؟ إن الجواب عن هذه الأسئلة يكشف لنا ما ينبغي أن نبدأ به من هذه اللحظة.

روى في الدر المنثور عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله ’ قال: (إذا حضر الإنسانَ الوفاةُ يجمع له كلُّ شيءٍ يمنعه عن الحق فيحول بين عينيه فعند ذلك يقول رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت)[4]، وتذكر الروايات بعض المصاديق كالذي رواه الشيخ الكليني في الكافي بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ × يَقُولُ‏: (مَنْ مَنَعَ‏ الزَّكَاةَ سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَ‏: رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ)([5]).   

ويستفاد من عدم ذكر المتعلق في قوله تعالى: {فِيمَا تَرَكْتُ} عموم متعلق الطلب، فيندم على ما ترك من أمور الدنيا كالمال والجاه والصحة والقوة ونحوها ولم يستثمرها في طاعة الله تعالى، ويندم على ما ترك وضيّع من عمره ولم يغتنمه، ويندم على ما ترك من الواجبات والمستحبات التي فرّط فيها وعلى المحرمات التي أرتكبها.

 ومنه يتضح أن دائرة الندم لا تختصّ بالصلاة والصيام وسائر العبادات الفردية، بل تشمل كل واجبٍ تركه الإنسان، وكل حقٍّ عطّله، وكل مالٍ حبسه عن مستحقّه، وكل ظلم فعله أو أذى أدخله على الآخرين مادي أو معنوي، وكل مسؤوليةٍ اجتماعيةٍ أعرض عنها ولم يحفظ الأمانة فيها.

وقد فسّرت الرواية المتقدمة الآية بمن منع الزكاة؛ لأن المال الذي يتركه الإنسان بعد موته قد يكون هو نفسه موضع ندامته: جمعه لغيره، وحوسب هو عليه، وانتفع به الورثة، وبقيت تبعته في ذمته.

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 10-11].

ومن الملفت أنه لم يقل: لأصلّي أو لأصوم، مع عظمة الصلاة والصيام، وإنّما قال: {فَأَصَّدَّقَ}؛ لأن تعلق الإنسان بماله من أشد الحجب التي تمنعه من الصلاح، ولأن حقوق العباد لا يكفي فيها الندم القلبي ما لم تُؤدَّ إلى أصحابها.

وقد يترك الإنسان بعده مالاً حراماً، أو دَيناً لم يسدّده، أو أمانةً لم يؤدِّها، أو ولداً لم يُحسن تربيته، أو علماً لم ينشره، أو مشروعاً نافعاً كان قادراً على إنجازه، أو مظلوماً استطاع نصرته فسكت عنه. وكل ذلك داخلٌ في دائرة {فِيمَا تَرَكْتُ} بحسب سعته ومسؤوليته.

ويمكن أن يكون معنا {فِيمَا تَرَكْتُ} أي فيما خلّفت من عمري الذي أضعته ولم أستفد منه فيما ينفعني في الآخرة ، وهذا الشعور بالأسف يحصل حتى للمؤمنين بدرجات متفاوتة ، في الحديث عن النبي (|) قال (قال ليس يتحسّر أهل الجنة إلا على ساعة مرّة بهم لم يذكروا الله فيها)[6] .   

وهنا حقيقة أخرى تكشف عنها الآية الكريمة، وهي أن طلب الرجوع إلى الدنيا يتضمّن اعترافاً ضمنيّاً بأن الإنسان كان مختاراً في أفعاله، وأنه كان قادراً على أن يسلك طريقاً غير الطريق الذي سلكه؛ إذ لو كان مجبوراً على معصيته، أو مسلوب الإرادة، لما كان لطلب الرجوع والعمل الصالح معنى.

فهو لا يقول: أرجعوني لأُمنح قدرةً لم تكن عندي، أو لأُعطى حجّةً لم تبلغني، وإنّما يقول: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}، معترفاً بأنه ترك العمل الصالح مع إمكانه، وفرّط فيه مع قدرته عليه.

وهذه الحقيقة تقطع أعذار الإنسان التي يصطنعها في الحياة الدنيا حين ينسب تقصيره إلى الظروف والبيئة والناس وضغوط الحياة. ولا شك في أن للظروف أثراً، وقد تتفاوت مسؤوليات الناس بتفاوت قدرتهم ووعيهم، لكنّ الإنسان لا يُسلب أصل الاختيار، ويبقى قادراً - ضمن المساحة التي وهبها الله تعالى له -  على أن يتخذ موقفاً، أو يقاوم شهوةً، أو يترك حراماً، أو يبدأ خطوةً في طريق الإصلاح.

قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10]، فجعل الفلاح والخسران نتيجةً لما يصنعه الإنسان بنفسه، بعد أن عرّفه طريق الفجور وطريق التقوى.

ومن هنا فإن يوم القيامة ليس يوم اكتشاف التكليف، بل يوم ظهور نتائج الاختيار؛ لأن الله تعالى لم يخلق الإنسان ثم يفاجئه بالحساب، بل أودع فيه العقل، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وفتح له باب التوبة، وأراه العبر في نفسه وفي من حوله، حتى لا تبقى له حجّة.

لكن الآية الكريمة تصرّح بأنّ طلبه يُرَدُّ بزجر {كلاّ}؛ لأن الطلب مجرد أماني فارغة ولقلقةُ لسان، وقد أُعطي فرصاً كثيرة وعمّر سنين طويلة في الدنيا وكانت الحجج والبينات تترى عليه فلم يرتدع ولم يهتدِ إلى الخير ولم يراقب الله تعالى.

وليس كل ندمٍ توبةً، كما أن ظهور الحسرة لا يدل دائماً على حصول التحوّل الحقيقي في النفس؛ فقد يندم الإنسان لأن المعصية جرّت عليه الألم والفضيحة والخسارة، لا لأنه أدرك قبح التمرّد على الله تعالى.

والتوبة النافعة هي الندم الذي يقع في زمن الاختيار، ويثمر تغييراً في السلوك، وردّاً للمظالم، وإصلاحاً لما أفسده الإنسان. أمّا الندم بعد سقوط القدرة على العمل، فهو تعبير عن الشعور بالإحباط، وانفعالٌ أمام نتائج المعصية، لا موقفٌ إراديٌّ يبدّل المصير.

ولهذا قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18]؛ لأن قوله: {الْآنَ} يكشف أنه لم يتب حين كانت التوبة موقفاً واختياراً، وإنّما أعلنها حين رأى المصير وسقطت من يده أدوات المعصية.

وهذا ما جرى لفرعون حين أدركه الغرق، فقال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، فجاءه الجواب: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 90-91]. فلم تكن المشكلة في لفظ الإيمان، وإنّما في أنه صدر بعد أن انتهت مرحلة الامتحان، ولم يعد أمامه طريقٌ آخر يسلكه.

وكذلك قال تعالى في قومٍ آخرين: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 84-85].

فالفرق بين التائب في الدنيا والمتحسّر عند الموت أن الأول بدّل نفسه قبل أن تُسلب منه القدرة، أمّا الآخر فإنما أراد أن يتخلّص من النتيجة من دون أن يثبت أنه غيّر السبب:

والان على هذا الميت أن يستسلم لأمر الله تعالى ويستعد لحياةٍ برزخية تنكشف فيها الحقائق ويستعيد فيها شريط الأعمال فيرى نور الصلاة والولاية وتلاوة القرآن وأمان الإنفاق في سبيل الله تعالى وسرور قضاء حوائج الناس {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً} (آل عمران: 30) ويمتد البرزخ إلى يوم البعث وفيها ما فيها من النعيم او الشقاء، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (×):‏ (إِنَّ الْقَبْرَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ‏ حُفَرِ النِّيرَان)<[7] وقال الامام الصادق (×)‏: (وَ اللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْبَرْزَخَ فَأَمَّا إِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْنَا فَنَحْنُ أَوْلَى بِكُم)[8]، ولأمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة خطب مؤثرة حتى في القلوب القاسية عن وضع الإنسان عند موته وبعده.

 ويظهر من الآيات الكريمة ، أن هذا الطلب - بالرجوع إلى الدنيا والوعد بالتغيير - يبقى حاضراً إلى يوم القيامة حينما يواجه ما يستحقه من العذاب، قال تعالى: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} (الشورى: 44) وقال تعالى {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} (السجدة: 12) وفي موضع آخر {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ  فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} (فاطر: 37).

والعجب العجاب من عتوِّ الإنسان واستكباره، فهو لا يجزم بأنه سيعمل صالحاً إذا رجع إلى الدنيا رغم الأهوال المفزعة التي رآها حين الموت وما بعده ، وإنما يحتمل ذلك { لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً } فهو لا يريد أن يلتزم بأن يكون صالحاً حتى لو أُرجع، وهذه هي حقيقتهم؛ لذا فإن الله تعالى يخبر عنهم أنهم لو أُرجعوا إلى الدنيا فإنهم سيعودون إلى نفس حياتهم البائسة وسلوكهم الشائن لأنهم تطبّعوا عليه، ولا يمتلكون الإرادة والعزم على تغييره ولا يردعهم كل ذلك العذاب والأهوال قال تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (الأنعام: 27 - 28).

وتدل بعض الروايات الشريفة على أن هذا هو سبب خلودهم في النار مع أن عمر عصيانهم في الدنيا محدود لا يقابل بالخلود، ففي الكافي بسنده عن الإمام الصادق (×) قال: (إِنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ‏ النَّارِ فِي النَّارِ لِأَنَّ نِيَّاتِهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَوْ خُلِّدُوا فِيهَا أَنْ يَعْصُوا اللَّهَ أَبَداً وَ إِنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ‏ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ نِيَّاتِهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَوْ بَقُوا فِيهَا أَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ أَبَداً فَبِالنِّيَّاتِ خُلِّدَ هَؤُلَاءِ وَ هَؤُلَاءِ ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏}  قَالَ عَلَى نِيَّتِهِ)[9].

وتبيّن الآيات الكريمة أنهم بعد أن ييأسوا من الاستجابة لطلبهم يطلبون إعدامهم الحياة حتى يتخلصوا من العذاب الذي هم فيه، قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} (الزخرف: 77)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} (فاطر: 36).

إن بيان هذه المشاهد المستقبلية قبل وقوعها وعرضها على الإنسان في دار الدنيا حيث فرصة التغيير سانحة لهي من أعظم منن الله تعالى على عباده؛ إذ لم يجعل الإنسان يتعلّم الحقائق كلّها بعد التجربة، لأن بعض التجارب لا يمكن تداركها. فالذي يجرّب الموت لا يستطيع أن يعود ليصحّح المسار أو ليخبر الناس بما حصل، ولكن الله تعالى أخبرهم عمّا وراء الموت، ووصف لهم الشعور بالندامة وتمنّى الرجوع لتدارك ما فات، وفتح أمامهم نافذةً يرون منها ما سيؤول إليه أمرهم. فكأن القرآن يقول له: ها أنت قد رجعت إلى الدنيا قبل أن تموت، وعرفت ما سيطلبه المفرّط عند الاحتضار وهو أن يعمل صالحاً ويستقيم في حياته،  فلا تعد بعد ذلك إلى الغفلة نفسها.

وقد نُقل عن بعض السلف أنه كان يقول في معنى هذه الآية: لينزل أحدكم نفسه منزلة من حضره الموت، فطلب من ربّه الرجوع فأجابه، ثم لينظر ماذا يصنع بالفرصة الجديدة. وقد ورد هذا المعنى في كتب التفسير عند قوله تعالى: {رَبِّ ارْجِعُونِ}.

فليس المقصود من مشاهد الآخرة في القرآن أن يعيش الإنسان الرعب المجرد، بل أن يتحوّل العلم بالمستقبل إلى قوةٍ تصنع الحاضر؛ لأن الإنذار الذي لا يغيّر السلوك يبقى معلومةً إضافيةً قد تقوم بها الحجّة على صاحبها.

ومن هنا ينبغي للقارئ أن يتعامل مع هذه الآية على أنها إجابة عملية لطلبه قبل أن يصدر منه، وأن يقول لنفسه: لقد أعادني الله تعالى بهذه الموعظة، فبأي عملٍ صالح أستثمر هذه العودة؟.

فلا بد من اليقظة من الغفلة ووعي هذه الحقائق في الدنيا للاستفادة من فرصة التوبة وتدارك ما فات وتغيير السلوك واستثمار العمر في الأعمال الصالحة، وليجعل القرآن إماَمَه وقائدَه إلى الهدى فإنه المنجي من الفتن وهو هدية الله تعالى إلى عباده، ولا يغترَّ أحدٌ بشبابه ويقول إن في العمر سعة فَيُسّوف التوبة فهذا من أعظم الكبائر، وقد يُطبع على قلبه فلا يوفَّق إلى التوبة، أو يدركه الموت مبكراً من حيث لا يشعر.

وليست التوبة مجرد كلمات ندم وأسف أو وعود بالصلاح فقد نفت الآية الكريمة أي قيمة لها {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} (المؤمنون: 100) وإنما هي مشروع تغييري يبدأ باليقظة والاعتراف بالخطأ ثم الندم الحقيقي الكاشف عن إرادة صادقة للتغيير، ثم ترك كل الأعمال السيئة وتجنب كل ما يؤدي إليها، ثم تدارك ما فات ومعالجة الأخطاء كقضاء الواجبات أو ردّ الحقوق إلى أهلها أو إصلاح ما فسد ثم استثمار العمر في الطاعات والأعمال الصالحة، ونحو ذلك مما ذكره أمير المؤمنين (×) في كلمته في معاني الاستغفار[10].

ولكي نتعظ بالآية الكريمة ولا يبقى الحديث عن الرجوع بعد الموت موعظةً عاطفيةً مؤقتة، يستطيع الإنسان أن يجعل لنفسه وقفاتٍ عمليةً يتدارك بها ما فات، منها:

·     أن يجلس مع نفسه جلسة محاسبةٍ صادقة، فيحدّد الواجبات التي ضيّعها، والمحرمات التي اعتادها، والحقوق التي في ذمته، والأشخاص الذين ظلمهم.

·     وأن يرتّب أولوياته فيبدأ بالأهم والأخطر، فلا ينشغل بالمستحبات مع بقاء حقوق الناس والفرائض الأساسية.

·     وأن يضع أجلاً قريباً للتنفيذ؛ لأن الإصلاح الذي لا يرتبط بخطوةٍ وزمنٍ محدد يتحوّل غالباً إلى أمنية جديدة من جنس قول المحتضر: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً}.

·     وأن يكتب وصيته، ويبيّن ما عليه من ديون وأمانات وحقوق، ولا يتركها معلقةً بذاكرته؛ فقد يأتي الموت في ساعة لا يتمكن فيها من البيان.

·     وأن يجعل له عملاً صالحاً مستمرّاً يترك أثره بعد وفاته: علماً نافعاً، أو تربيةً صالحة، أو صدقةً جارية، أو مشروعاً يخدم الناس، أو كلمة حق تهدي من بعده.

·     وأن يصلح سريرته؛ لأن العمل الصالح لا يُقاس بصورته الظاهرة وحدها، بل بنيّته ودافعه.

    وقد ربطت الروايات بين خلود الإنسان وبين نيّته وشاكلته، لأن النيّة تعبّر عن الاتجاه العميق المستقر في شخصيته.

    وهكذا تتحول الآية من مشهدٍ نقرؤه عن المفرّطين إلى ميزانٍ نحاسب به أنفسنا، ومن طلب رجوعٍ مستحيل في الآخرة إلى رجوعٍ ممكن اليوم بالتوبة والإصلاح.

فمن كان لا يزال قادراً على أن يقول: أستغفر الله، وأن يردَّ حقّاً، ويصل رحماً، ويقضي واجباً، ويترك حراماً، ويعمل صالحاً، فإنه لا يزال في زمن الإجابة، قبل أن تأتي ساعةٌ لا يسمع فيها إلّا الجواب الحاسم: {كَلَّا}.



درس التفسير الأسبوعي لسماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) يوم الأربعاء 6 / ربيع الأول / 1448 الموافق 6 / 9 / 2026 .  -[1]

[2] ـ إرشاد القلوب إلى الصواب (للديلمي) : ج‏1 / ص18 .

[3] ـ نهج البلاغة: كتاب: 31 ، من وصية له × للحسن بن علي × كتبها إليه بحاضرين‏  عند انصرافه من صفين‏.

[4] ـ الدر المنثور: 6/115.

[5] ـ الكافي: 3/504 ، ح1.

  كنز العمال للمتقي الهندي: 1 / 422 ، رقم 1806 ط . الرسالة .  -[6]

[7] ـ تفسير القمي: ج‏2 / ص94.

[8] ـ البرهان: 7/27 ، ح 5 عن تفسير علي بن إبراهيم: 2/94.

[9] ـ الكافي: 2/69 ، ح2 ، وسائل الشيعة: 1/50 ، ح4.

نهج البلاغة: الحكمة: 417. -[10]