• Post on Facebook
  • Twitter
  • pdf
  • نسخة للطباعة
  • save
الأكثر شعبية

الدنيا بحر عميق فما هي سفينة النجاة

|   |   عدد القراءات : 2265
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

بسم الله الرحمن الرحيم

الدنيا بحر عميق فما هي سفينة النجاة؟([1])

كان لقمان الحكيم كثير المواعظ لولده وحكى لنا القرآن الكريم جملة منها في سورة لقمان، ونقل الأئمة المعصومون سلام الله عليهم لنا عنه مواعظ كثيرة، ومن تلك المواعظ ما أحفظه منذ أربعين عاماً عندما كنت أرافق والدي (رحمه الله تعالى) في مجالسه، وهي مروية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن لقمان وعظ ولده فقال (يا بني أن الدنيا بحر عميق، قد هلك فيه عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الإيمان بالله، واجعل شراعها التوكل على الله، واجعل زادك فيها تقوى الله، فان نجوت فبرحمة الله وان هلكت فبذنوبك)([2])

نعم الدنيا بحر متلاطم الأمواج، بحر في مغرياته وشهواته وأهوائه وميوله وأحلامه فمن حب المال الى حب النساء الى حب الجاه والسلطة الى اللهو واللعب وغيرهما مما يزيّنه الشيطان.

وبحر في مسؤولياته، فالإنسان مكلف بواجبات ومسؤوليات أمام خالقه العظيم وأمام إمام زمانه (عليه السلام) وأمام نفسه وعائلته ومجتمعه وأمام الملائكة والتاريخ وغيرها.

وبحر في تحدياته التي تتجاذب الإنسان في كل اتجاه وتجعله يعيش صراعات متنوعة.

فالدنيا بحر عميق حقاً لا يقوى الإنسان وحده على امتطائه بسلام ليصل الى الغاية لذا هلك فيه عالم كثير) ولم يكتب النجاة إلا لقلة القليلة، كما أخبر تعالى (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين) (وقليل من عبادي الشكور) (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين).

وتستطيع أن تدقّق بلغة الأرقام فدّون عدد البشر اليوم ثم أبدأ بإنقاص أهل الملل والنحل والديانات لتصل الى النتيجة المرعبة.

وإذا عرفنا أن الدنيا بحر عميق ونحن في عمق هذا البحر، فان السؤال الطبيعي هو كيف ننجو؟ أو ما هي سفينة النجاة؟ وهنا يكمل لقمان الحكيم فيذكر السفينة وهي الإيمان بالله تعالى وتوحيده حقاً وفعلاً، وهذا ما ورد في أول كلمة أطلقها رسول الله (ص) (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وردّدها أبناؤه المعصومون (عليهم السلام) (لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمِنَ من عذابي) وشراعها التوكل على الله (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وزادك فيها التقوى (وتزوّدوا فان خير الزاد التقوى وأتقونِ يا أولي الألباب).

وهذه الكلمات العميقة تحتاج الى من يفسّرها ويفصّل معانيها ويُبيِّن تطبيقاتها وحدودها وأحكامها، وهذا ما تميزت به شريعة الاسلام حتى جعلها الله تعالى خاتمة الرسالات وأكملها، فهي تتواصل مع الشرائع السماوية السابقة بالمبادئ السامية والقيم النبيلة إلا أنها تزيد عليها تفصيلاً وبياناً وسعة وشمولاً، وهذا العنوان في مواعظ لقمان وهي (السفينة) وردت على لسان النبي (ص) (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى).

وسُميّ العلماء الصالحون الهداة في الأحاديث (سفن النجاة) لأنهم خلفاء الأئمة المعصومين(سلام الله عليهم) والأمناء على شريعتهم والمبلغون لرسالتهم. وهكذا تجد التواصل والوراثة مستمرة بين حلقات هذه السلسلة الكريمة من الرسل والأنبياء والأئمة والعلماء الصالحين.

ويستطيع كل واحد منكم أن يكون سفينة نجاة بدرجة من الدرجات حينما يعلِّم غيره مسألة شرعية يجهلها أو يوصل له موعظة ينتفع بها، أو يصدّه عن معصية أو انحراف أو ظلم، أو يهديه الى ما فيه رضا الله تبارك وتعالى وصلاح العباد.

ولا ينال ذلك أيها الأحبة إلا بلطف الله تبارك وتعالى وتوفيقه لأنه من الأرزاق المعنوية التي لا تنال بالأسباب الطبيعية، أي أنها تختلف عن الأرزاق المادية، قال تعالى (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) (الأنبياء/73) (واجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم) (وجعل بينك مودة ورحمة)

فمن شمله هذا اللطف أضاء في قلبه وعقله وجوارحه نور من الله تبارك وتعالى، (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) وستزل قدمه، ويضل الطريق في دنياه وآخرته. (قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا).

وكونوا - أيها الأحبة - على ثقة بأن الله تعالى كريم يعطي من غير احتساب، وهو رحيم بعباده، وكلما ظن العبد أن الأبواب مغلقة في وجهه، ولا سبيل الى النجاة، وإذا بباب رحمة الله تعالى تفتح له (حتى إذا استيئس الرسل وظنّوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنُنجي من نشاء ولا يُرّدّ بأسنا عن القوم المجرمين (يوسف 110).)

ويشبّه بعض الأخلاقيين الحالة بما موجود اليوم في الأبنية الراقية حيث تكون الأبواب الخارجية مغلقة فإذا وصل القادم أليها انفتحت تلقائياً، فالعارف بالحال يتوجه نحو الباب وإن رآها مغلقة لأنه يعلم أنها ستفتح له عندما يتوجه إليها، أما الجاهل فيرى عدم الجدوى في التوجه نحو الباب لأنها موصدة في وجهه.



([1]) من حديث سماحة الشيخ اليعقوبي مع حشد من الوفود والزوار، بينهم هيئة الشباب الرسالي في الشعلة والغزالية، وأساتذة وطلبة جامعة الصدر الدينية – فرع مدينة الصدر ببغداد، وموكب شباب أنصار المصطفى في ذي قار يوم الخميس 15/ع2/1431 المصادف 1/4/2010.

([2]) بحار الأنوار: 13/411.