النصوص

محور العمل السياسي


بسم الله الرحمن الرحيم 

بعد سقوط النظام الدكتاتوري الذي لم يكن يؤمن او يسمح لاي رؤية اخرى تزاحم رؤيته في العمل السياسي، انفتح الميدان العراقي على رؤى كثيرة ومعقدة ولهذا الانفتاح اسباب عدة منها :

1- وجود المعارضة لسياسة النظام المستبد وهذه المعارضة اما ظاهرة و معلنة - وان كانت بعيدة عن الميدان العراقي وقد اتخذت من المنفى ساحة عمل لها، وان كان خطابها السياسي والاعلامي ليس بالمستوى الذي يلفت نظر الشعب العراقي او يركز عليه بقوة- او المعارضة الاخرى فهي الداخلية المكتومة والتي عملت تارة بالمقاومة والمصادمة المباشرة مع النظام المباد او عملت بالتقية وايصال ما يمكن ايصاله من رسالتها الرافضة لسياسة النظام فاتخذت من الصبر والصلاة درعاً لها امام الواقع المرير ولكن المظاهر الدينية التي فعلتها هذه المعارضة كصلاة الجمعة والزيارات للعتبات المقدسة شكلت عملاً سياسياً كبيراً أحست السلطة الحاكمة بخطورته وتفاقمه على الرغم من كونه عملاً دينياً يحمل صفات التقية في ظاهره ولكنه مبطن بكل قوة الرفض والقدرة على التغيير وفضح سلطة النظام الجائرة ومحاولة نخره من الداخل شعبياً.. كما اسلفنا في محور سابق.. فكانت هاتان المعارضتان الخارجية والداخلية تشكلان محوراً واسعاً للعمل السياسي بعد سقوط النظام باعتبار عملها السياسي في المرحلة الجديدة هو ثمرة جهاد وكفاح ضد الدكتاتورية فهما الاحق على الاقل من وجهة نظرهما لممارسة العمل السياسي الجديد وتسلم مقاليد المسؤولية والقيادة وان كان التغيير الذي حصل بفعل قوة الاحتلال لم يات ولم يقم بحملته الكبرى في اسقاط السلطة الا بعلمه الاكيد بحجم هذه المعارضة داخلياً وخارجياً وقلة شعبية النظام او انعدامها بحيث ان الشعب سيترك السلطة تحارب وحدها هذا ان حاربت فعلاً.. وانها - أي قوة الاحتلال-ستحارب دولة منخورة شعبياً من الداخل مرفوضة من الخارج.

اما النخر الذي حصل للسلطة من الداخل فاسبابه كثيرة واوسعها واوضحها على المشهد هو الحركة الاصلاحية الكبرى التي قادها الشهيد السيد الصدر الثاني وقد كانت هذه الحركة تفعيلاً وتتويجاً للرفض الداخلي المكتوم في النفس العراقية الذي له جذور وفروع من المواجهات والتضحيات مع السلطة واوسع هذه المواجهات هي الانتفاضة الشعبانية عام 1991.

واما الرفض الخارجي فقد كان يشكل ثقلاً سياسياً ضد السلطة وان لم يكن بمستوى النخر الذي احدثته المعارضة الداخلية في التسعينات حتى نهايتها ولكنه أي الرفض الخارجي كان يشكل الواجهة الخارجية المعارضة - واجهة المنفى - اذا كانت الواجهة الداخلية تشكل واجهة الوطن، فان واجهة المنفى أسست قاعدة سياسية بديلة على الاقل امام قوى الاحتلال التي نسقت معها على هذا الاساس في مؤتمري لندن واربيل قبيل الاحتلال.

2- السبب الثاني لكثرة الرؤى وتعددها في العمل السياسي هو الجوع للعمل السياسي والحرمان الطويل منه بمعناه الحر والمستقل فقد كانت الجهود الشعبية العراقية تُقنن وتُسخر لمصلحة النظام السابق ومشاريعه وحروبه ولم تكن هناك ارادة شعبية تعمل على الساحة السياسية سوى ارادة السلطة القائمة التي تصادر كل ارادة اخرى وتجر او تجير القوى الشعبية للسير في ركابها عبر سياستها الواحدة وخطابها الاعلامي الواحد.. فكانت المشاركة الواسعة لكثير من القوى الشعبية هي ردة فعل نفسية وسياسية في امتلاك فرصتها واختبار قدرتها على العمل السياسي وتجريب دورها فيه.

3- الحرية المتاحة للعمل السياسي بعد سقوط النظام المباد والسماح بتشكيل كتل واحزاب سياسية متعددة فلم تعد هناك قيود ولم تعد هناك شروط لتاسيس حزب او تكتل سياسي في حين انه حتى في الدولة الديمقراطية قد توضع شروط على تشكيل أي تشكيل سياسي جديد منها شعبية هذا التكتل ونظاميته ومشروعية نظامه الداخلي او برنامج العمل السياسي الذي ينتهجه ولكن انفلات الوضع السياسي في العراق وغياب الدولة او ضعفها جعل من تشكيل تكتل سياسي جديد امراً سانحاً وسهلاً امام الجميع سياسيين وغيرهم من هنا استغلت بعض القوى التي لا تريد للعراق الاستقرار هذا الانفلات والفوضى السياسية في تشكيل الاحزاب لتمارس سياساتها غير الوطنية او حتى الارهابية تحت واجهة حزب سياسي ما... وحين انكشافها بعد فترة زمنية من قبل الشعب بدات هكذا كتل بالانسحاب خارج العراق بعد ان مررت اجندة سياسية معينة تحت غطاء حرية العمل السياسي في المرحلة الجديدة او بالاحرى الفوضى السياسية كما يقول الشاعر :

 

صلى المصلي لامر كان يطلبه

لما انتهى الامر لا صلى ولا صاما

 

وكذلك انسحاب الاحزاب او التكتلات الصغيرة او الضعيفة بعد ان جربت حظها السياسي وعرفت حجمها في الساحة السياسية..

ولهذه الاسباب أي كثرة الجهات والتكتلات السياسية ومجهولية اغلبها من قبل جماهير الشعب ادى ذلك الى العزوف الشعبي عنها في الانتخابات فاكلت الاسماك الكبيرة الاسماك الصغيرة او ابعدتها عن العمل في الساحة السياسية لان الشعب العراقي في الانتخابات تَصرف - امام هذه الكثرة غير المعروفة الهوية من قبل اكثرها - بالتوجه الى المرجعية الدينية في الغالب منه فتوجه الى التكتلات الكبرى التي تثق بمرجعيتها الدينية او السياسية على الرغم من مجهولية بعض الاسماء التي انطوت تحت جناح هذه التكتلات ولكن لتجنب الكثير من الخسائر والرهان على المجهول فقد مالت الجماهير الى الخيار الاكثر ضماناً او الاقل خسارة.

ولكن للمرجعية الرشيدة رأياً في كل ما يحدث على الساحة العراقية السياسية الجديدة مثلما كان دورها المهم والمسؤول في الانتخابات.. وقد كان دورها في العملية السياسية متأتياً من مسؤوليتها الدينية والتاريخية ازاء المخاضات السياسية الجديدة ومستقبل الشعب العراقي ومتأتياً من ثقة الجماهير العراقية بها لمعرفتها بثقل هذه المرجعية الديني والتاريخي والسياسي في تاريخ العراق ولا سيما الحديث منه فقد شخص سماحة الشيخ اليعقوبي هذه الضرورة الملحة في المشاركة السياسية الفاعلة بعيداً عن المغريات الدنيوية مقتدياً بقول الامام علي (عليه السلام) بهذا الصدد (ومن ضرورات المرحلة تنظيم اموركم واستجماع قواكم ليكون لكم دور فاعل في ادارة شؤون البلد ورسم حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا حباً في الدنيا ولا طمعاً في المناصب ولكن كما قال الامام علي (عليه السلام) لاننا نأسى ان يغلب على هذه الامة سفهاؤها فيتخذون عباد الله خولاً ومال الله دولاً..) ولكن هذه المشاركة لها تعهداتها واشتراطاتها التي يجب ان تحقق رضا المرجعية.. كما ان المرجعية الرشيدة تعكس هذا الرضا على جماهير الامة اولاً لثقتها بالجماهير المؤمنة وثانياً لايمانها بالديمقراطية واختيار الشعب لممثليه بعملية ديمقراطية مستقلة وصحيحة من الانتخاب والاستفتاء، بل ان المرجعية تشخص بدقة منذ بداية العملية وبداية المرحلة الجديدة في حياة العراقيين هذه المشاركة عبر مشروع سياسي قائم على دلالات دينية وسياسية وهي كما يوضحها سماحة الشيخ في :

1- لا شرعية لكل الخطوات السياسية التي حدثت بعد سقوط النظام لكونها فاقدة للشرعية.

2- ندعو الى اجراء انتخابات عامة لتشكيل المجلس التاسيسي.

3- تفصيلات المجلس التاسيسي.

وكان هذا المشروع الذي وضع خطوطه العامة الشيخ اليعقوبي ووضع تفاصيله المكتب السياسي لحزب الفضيلة واجرى عليه تعديلات محددة مكتب السيد الحائري في النجف وتاريخه تموز 2003 واخذت به - مع بعض التعديلات - سلطة الاحتلال والحكومة المؤقتة التي شكلها مجلس الحكم بعد عام تقريباً وبعد ان فشلت عمليتها السياسية فرجعت الى هذا المشروع وشكلت الجمعية التاسيسية بنفس اللحظة.

وقد كانت هذه الرؤية المبكرة الاستباقية لسماحة الشيخ تؤشر وعي المرجعية بالعملية السياسية واشتراطاتها وجذورها وتفرعاتها الصحيحة لكي لايخسر الشعب مزيداً من التضحيات ومزيداً من الوقت على حساب مستقبله وأمنه وصالحه العام.

ومن هنا جاءت فكرة تاسيس حزب الفضيلة من لدن سماحة الشيخ كخطوة أساسية وفعالة للمشاركة في العملية السياسية وكقناة حزبية للمرجعية توصل من خلالها رأيها في الواقع السياسي على الارض السياسية العراقية في المرحلة الجديدة.. وبهداية من القرآن الكريم على تشكيل الجماعات المؤمنة للعمل السياسي الذي يدخل ضمن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.. (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ). وهذه الامة هي الحزب او التكتل السياسي القادر على العمل بشروط الآية الكريمة.

وهذه الامة - الجماعة - المراد لها تحمل المسؤولية كما يقول سماحة الشيخ (لها خصوصياتها وشروطها واهدافها التي تسعى لتحقيقها وقد بينتها آيات قرانية عديدة..) لان المرجعية لا تريده حزباً رقماً يضاف الى الارقام الحزبية العديدة التي تعمل في الساحة العراقية وانما تريده آلية لتنظيم عمل قواعد المرجعية أي ان الجماهير المؤمنة المتعلقة بالمرجعية بها حاجة ماسة لحزب سياسي يمثلها في العملية السياسية لانه حزب يحقق الالتزام بالشريعة الاسلامية من ناحية ويحقق الشعبية الواسعة المتمثلة بقواعد المرجعية الرشيدة.

وقد تأسس حزب الفضيلة بعد اسبوعين تقريباً من السقوط لان فكرته وخطوطه الشرعية والسياسية متوفرة كتوفر عناصره القيادية المرتقبة لهذا الدور السياسي الفاعل، كما ان المرجعية الدينية التي تقف وراءه تدعو الى عدم البقاء في الظل ولا سيما من قبل العناصر الكفوءة لان أي انسحاب الى الظل والعزلة سيعطي فرصة لآخر غير كفوء او غير نزيه لاخذ الدور والمكان المناسب للنزيه الكفوء.. وبالتالي فانه سيكون تقصيراً شرعياً ووطنياً من قبل العناصر الكفوءة بحق الامة التي تنتظر من ينصفها في السياسة في قضية حقوقها وواجباتها وتحسين وضعها المعيشي والامني ودرء المفاسد الادارية والمالية.. أي هو الشعور بالمسؤولية الذي يجب ان يدفع هذه العناصر الكفوءة الى أخذ مواقعها الحقيقية.. وعن هذه النقطة يقول سماحة الشيخ (... ولا تبقوا في الظل فقد وجدت كثيراً من الاكفاء ينسحبون من المسؤولية وكانهم لطول حرمانهم من المواقع السياسية والوظيفية العليا ألفوا الحياة في الظل ولم يستطيعوا الخروج الى النور ليروا ان اللذة الحقيقية في التعب والعناء لنيل رضا الله تبارك وتعالى..).

كما ان سماحته يحمل الحوزة العلمية في هذا الشأن مسؤولية عزلة العناصر الكفوءة عن الدور السياسي ويعدها من اهم مستحدثات المسائل الفقهية المرتبطة بافعال المكلفين من هنا كان (لزاماً على علماء الاسلام توعية الامة وارشادها الى ما يجب ان تتخذه من مواقف بازاء القضايا التي تعترضها ومنها تسلم العراقيين بانفسهم ادارة شؤون بلدهم وبناء مؤسساته.. وحتى لا تبقى ذريعة لقوات الاحتلال بالبقاء..) ففي هذا الكلام تحذير ضمني ان يبقى الاحتلال او ان تتسلم منه السلطة عناصر غير كفوءة او غير نزيهة.. وهذا ما حصل فعلاً فلا قوات الاحتلال خرجت من العراق لحد الآن ولا العناصر النزيهة سيطرت على كل مقاليد الامور مما حصل الفساد الاداري والمالي الذي لا يقل خراباً وتدميراً للعراق من الاحتلال او الارهاب.. (ما من واقعة الا ولله فيها حكم) وبما ان الذي يمر به البلد من اهم تلك الوقائع لذلك فلا بد للمرجعية وبعدها لقواعدها الشعبية من الانتصار لحكم الله في العملية السياسية الجديدة في العراق.. ويشير سماحة الشيخ في اكثر من مناسبة وموقع من (خطاب المرحلة) الى قضية غاية في الاهمية وهي قضية ولاية الفقيه وينظر لها من زاوية الواقع العراقي وخصوصية المجتمع العراقي وخصوصية المراجع الدينية الكرام، وبعيداً عن التعصب الى هذا المبدأ - مبدأ ولاية الفقيه- وان كان يحمل في مكنوناته العمل بحكم الشريعة الاسلامية الواجب على الامة مراعاتها (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ولكن لكل مجتمع خصوصياته ولكل مرحلة سياسية وزمنية خصوصياتها ومستحقاتها العملية الواقعية مثلما للعمل بالشريعة الاسلامية مستحقاته، كما ان نظام الحكم في الاسلام يبتني على ولاية الفقيه الجامع للشرائط والاجتهاد والعدالة والكفاءة..

ولكن في الوقت نفسه الذي يدعو فيه سماحة الشيخ الى عدم تطبيق نظام ولاية الفقيه في المرحلة الراهنة إلا انه يدعو الى ما هو اقرب شرعاً وروحاً ووطنية الى هذا النظام العادل وذلك باجراء انتخابات لاختيار ثلة من العراقيين لادارة البلد وهم كما تؤيدهم المرجعية رجال مؤمنون قادرون على تطبيق حكم الله وذلك بنزاهتهم وحرصهم على الشريعة والوطن ولكفاءتهم التي تعضد من هذه النزاهة.. فان سماحة الشيخ يوضح باختصار خصوصية الشعب العراقي وخصوصية المرحلة لاسباب منها(ديمغرافية الشعب العراقي أي تركيبته السكانية كذلك الحوزة العلمية في النجف الاشرف وتشتت القرار وسعة قاعدة المرجعيات التي لا تؤمن بهذا النظام وغيرها من الاسباب..) وهو بهذا يراعي الجانبين المهمين من القضية وهما المرجعية والمجتمع أي الدين والانسان فيحافظ على الموازنة في النقطة الوسطية بينهما وهذه الموازنة تتطلب الحكمة السياسية والمعرفة الدقيقة بالمجتمع العراقي مثلما تتطلب الالمام الكامل بالاحكام الشرعية وانها في الواقع موازنة صعبة فمثلما يقول الله سبحانه وتعالى (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) وهو ما يوافق العملية السياسية ويعززها بالمدد الديمقراطي الا ان لله حدوداً يجب ان تراعى ولا يتجاوزها احد بحجة الديمقراطية والحرية التي يضمنها النظام الديمقراطي الحر.

من هنا جاءت اهمية التوعية الدينية والارشاد الاسلامي الذي يبين للمسلم حقوقه وواجباته او حريته وحدودها لان الله سبحانه اعرف بمصلحة الانسان من الانسان نفسه بل الانسان ظالم لنفسه في كثير من المواقع (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

وهذه التوعية الدينية التي عليها ان تركز قناعة الانسان بان ابتغاء مرضاة الله اهم من ابتغاء مرضاته هو - الانسان- كما ينبه سماحة الشيخ الى نقطة مهمة ضمن العمل الحزبي وذلك باهمية الموازنة ايضاً بين النظرية والتطبيق لكي يكون هذا العمل ايجابياً ومثمراً ومقبولاً لدى المرجعية من ناحية ولدى الجماهير المؤمنة من ناحية اخرى، فالاخطاء التي تحصل في التطبيق والابتعاد عن المبادئ والاهداف السامية التي تحددها النظرية التي يقوم عليها الحزب النزيه هي التي تجعله في دائرة الرفض ولا سيما من قبل المرجعية الدينية، بل ان بعض العلماء والمرجعيات قد اتخذوا مواقف سلبية - كما يقول سماحة الشيخ - من تشكيل الاحزاب.. لهذه الاسباب أي اسباب الانحراف عن المبادئ وعدم الموازنة بين النظرية والتطبيق كذلك لظهور (الانا) الحزبية ضمن العمل السياسي بما يؤثر على المصلحة العامة.. فالعمل السياسي اذن برأي المرجعية يجب ان يكون بنكران الذات وتَشرب هذه الذات بالمبادئ والقيم الشرعية والتحصن بها بما يكفي لخوض غمار التطبيق لان الانتقال من النظرية الى التطبيق هو الامتحان الشرعي والوطني الذي تمتحن به الذات الحزبية والسياسية، وقد كان هذا المؤشر واضحاً في العملية السياسية العراقية بعد سنوات من التغيير فلمست الجماهير التناقض الواضح بين ما يدعو له بعض السياسيين في خطابهم السياسي والاعلامي وبين فعلهم في الواقع السياسي وانحيازهم الطائفي او الحزبي ما ادى الى تجاذبات وتعارضات متعددة أضرت بلحمة العملية السياسية وفرّقت الصف الوطني العراقي، وهذا ما خلق ردة فعل عكسية وسلبية من الشعب تجاه تعدد وكثرة الاحزاب السياسية.

كما ان هناك الجهل السياسي لدى بعض الاحزاب السياسية وعدم استيعابها لتوجهات الشعب العراقي وتطلعاته وخصوصياته الاجتماعية والثقافية ما أحدث هوة عميقة بين هذه الاحزاب وبين الشعب الذي تدعي العمل لصالحه.. ومن هذه النقطة بالذات يشير سماحة الشيخ الى نشوء الحاجة لتاسيس حزب الفضيلة اولاً بتحصين شرعي ومبدئي ورقابي من قبل المرجعية الرشيدة، وثانياً بمعرفة تامة وتفصيلية بقضايا الشعب العراقي وخصوصياته لانه منبثق من اعماق هذا الشعب وتطلعاته ومعاناته.. وبنية مخلصة للتعاون مع الجهات السياسية الاخرى وبنظر الى التعدد الايجابي للتوجهات والكتل السياسية على انه تعدد في الرؤى وخصوصيات مختلفة في العمل السياسي قد يفيد اختلاف وجهات نظرها في تكوين فكرة في أي موضوع بمستوى متوازن وقريب من كل القناعات الشعبية لانها تمثل شرائح متعددة من الشعب.

وعن هذا الانفتاح الحزبي والسياسي على الجهات السياسية الاخرى وعلى افراد الشعب ومنصفاً لجهودها يقول سماحة الشيخ (.. بل هو منفتح لكل من يؤمن باهدافه ويقتنع ببرنامج عمله ويكون دور هذا الحزب مكملاً لفعاليات الجهات الاخرى وسانداً لها وعاملاً معها لتحقيق الاهداف المشتركة، وليس بديلاً عنها ولا لاغياً لدورها) وهذه النظرة الجماعية غير المستبدة بالرأي في مجال العمل السياسي تضع الجهات السياسية الاخرى على محك العمل الجماعي التعاوني وتقبل الرأي الآخر وطرحه على طاولة النقاش والاقناع وتفعيل الحوار السياسي من اجل الوصول الى رأي مشترك يمثل قناعات الشعب.

من هذه الافكار وهذه المنطلقات الدينية والوطنية والايمان بالعمل السياسي المشترك كان افتاء مرجعية الشيخ اليعقوبي بوجوب العمل السياسي أي بوجوب العمل الوطني وعده من الواجبات الشرعية وهو واجب كفائي وليس واجباً عينياً، كفائي أي اجتماعي وليس فردياً، وهذا ما يقرره سماحة الشيخ بقوله (ولعل من اهم الواجبات الاجتماعية ادارة شؤون الامة على جميع المستويات وحينما يوصي امير المؤمنين (عليه السلام) بالتقوى ونظم الامر فانما يقصد بتنظيم الامر هذه الواجبات الاجتماعية لا الفردية التي لا تحتاج الى نظم الامر..).

لهذا ركزت مرجعيته الرشيدة على تبني مشروع سياسي وفكري (بمستوى التحديات التي يشهدها العالم) ولم يتركز المشروع على الاكتفاء بتاسيس حزب سياسي وانما تعداه الى تاسيس جماعة الفضلاء وهي الجماعة الضرورية لتمثيل الحوزة الشريفة وتوحيد رأيها وجمعه ازاء كل القضايا والمواقف التي تخص الشعب العراقي، وكذلك تاسيس وتفعيل الروابط النسوية وجامعة الصدر الدينية لتوسيع افاق العمل السياسي الذي يدخل في كل مفاصل المجتمع سواء الدينية او الاجتماعية او الاقتصادية او الثقافية...

كما ان سماحته لا يرى في مبدأ التقية - الذي تبناه الائمة المعصومون (عليهم السلام)- معنى العزلة وعدم التدخل في الشأن السياسي.. بل هو يرى التقية هي (العمل بالممكن) ولا تعني السلبية والانكماش والتقصير في العمل مقتدياً باقوال الائمة منهم الامام الحسن (عليه السلام) (ان الله تعالى ندبنا لسياسة الامة) وقول الامام الحسين (عليه السلام) (ان مجاري الامور والاحكام على ايدي العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه..)

وهذا سر نجاح العمل السياسي حين يكون مدعوماً ومسنوداً بمرجعية تميز بين حلاله وحرامه.

[: عدد الزيارات]