• Post on Facebook
  • Twitter
  • pdf
  • نسخة للطباعة
  • save
الأكثر شعبية
استفتاء الصيام في المناطق التي يطول فيها النهار
الثلاثاء 7/ 5 غرة شهر رمضان المبارك 1440
المرجع اليعقوبي يستقبل سماحة آية الله الشيخ الآراكي
المرجع اليعقوبي يدعو الى التصدي لإبراز عظمة الاسلام المحمدي وجواهر الثقلين العظيمين ودفع الشبهات عنه
استفتاء / احكام التلقيح الصناعي
المرجع اليعقوبي: جامعة المذاهب الإسلامية مشروع ناهض للوحدة الإسلامية وللحد من مخاطر التكفير والتطرف الفكري والديني
استفتاء حول صيد الاسماك
المرجع اليعقوبي يستقبل سماحة آية الله الشيخ الآراكي
المرجع اليعقوبي: جامعة المذاهب الإسلامية مشروع ناهض للوحدة الإسلامية وللحد من مخاطر التكفير والتطرف الفكري والديني
توجيهات حول حفلات التخرج في الجامعات
وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ- وجوب العمل لإنقاذ المجتمع من الظلم والجهل والتخلف والحرمان
الدرس 705 - محاضرة لاستقبال شهر رمضان المبارك 1440
المعالم الحضارية لدولة الامام الموعود (عج)
معالم مدرسة الوعي والإصلاح في سيرة السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس)
التشيع لأهل البيت (عليهم السلام): امتيازات واستحقاقات

(قبس 107) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ

|   |   عدد القراءات : 892
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

بسم الله الرحمن الرحيم 

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)([1])

 [الحديد : 16]

الذي أريد أن أعرضه هنا هو كيف نحوّل إيماننا بالله تعالى من مستوى النظرية إلى مستوى التطبيق، يعني إذا كنّا كلنا نعلم أنّ هذا التصرف خطأ فلماذا نفعله؟ وإذا كنا نعلم أن هذا التصرف صحيح فلماذا لا نفعله؟ كيف نولّد في أنفسنا الدواعي والدوافع نحو التطبيق بحيث نتعامل مع الله تبارك وتعالى كأننا نراه فإن لم نكن نراه فإنه يرانا؟ وهذا مما لا يشك فيه مؤمن.

فهذه المرأة التي لا تلتزم بالحجاب، وهذا الشاب الذي لا يصلي، وهذا الشخص الذي يلعب الطاولي والدومينو والمؤذن ينادي حيّ على الصلاة، وهؤلاء الذين يغشون في السوق ويأكلون المال بالباطل متذرعين بالحيل الشرعية، وهذا الذين يخون الأمانة، وهذه العشائر التي تحكم بغير ما أنزل الله وتتقاتل فتسفك الدماء وتُيتم الأطفال من أجل الأمور التافهة، وهؤلاء الشباب والشابات الذين يكونون علاقات غير مشروعة تحت عناوين مختلفة كالزمالة ونحوها، كل هؤلاء وغيرهم ألا يعلمون أنّ هذه أفعال محرمة لا يرضاها الله تبارك وتعالى؟ لابد أنهم يعلمون! فما الذي يُجرّئهم على الله؟! ألا يعلم هؤلاء أن أمامنا عقبةً كؤوداً هي الموت، وما بعد الموت أعظم وأدهى؟ أليس هؤلاء مسلمين ويؤمنون بالله – ولو نظرياً على الأقل - ويؤمنون بالآخرة والمعاد والحساب، فلماذا لا ينعكس هذا الإيمان على تصرفاتهم؟ أين الخلل؟

وهنا تذكرت كلمة أمير المؤمنين (×): (ما رأيت يقيناً أشبه بشكٍّ مثل الموت)، فإنه يقين مائة بالمائة على مستوى النظرية، لكنك لا تجد من يؤمن به عملياً، بمعنى أنه يستعد له الاستعداد الكامل، وكأنه كُتبَ على غيره، فترى الإنسان إذا عزم على سفر قد لا يطول شهراً يُعدُّ كل ما يحتاجه أو يُحتمل أنه يحتاج إليه، ويهيّئ جميع أموره حتى الحقير منها، فلماذا لا يستعد بنفس الاستعداد لسفر الآخرة ويحضر زاده لهذا السفر الذي بينه القرآن الكريم: [وَتَزَوَّدُواْ فإن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ] (البقرة: 197)، وقال الإمام الحسين (×): (وحصل زادك قبل حلول أجلك).

فكيف نرجع إلى الله تعالى ونعود إليه خصوصاً بمناسبة العيد الذي قلنا أن معناه العود إلى الله تبارك وتعالى؟ وكيف نحبب الإيمان إلى نفوسنا وقلوبنا استجابة للعتاب الرقيق الرحيم الذي يوجهه الله تبارك وتعالى إلينا نحن المؤمنين: [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] (الحديد: 16)، ثم يضرب لنا مثالاً لهذه القلوب التي تقسو بسبب الخوض في أمور الدنيا، لكنها ترقّ وتحيى بعد أن يزهر فيها الإيمان وتعمر بذكر الله تعالى، فيقول في الآية التالية: [اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] (الحديد: 16-17)، بل قد وصف في آية أخرى إعمار القلب بالإيمان وذكر الله بالحياة، فقال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ] (الأنفال: 24)، ونحن هنا نثير بعض المحفزات النفسية والعقلية والقلبية التي تحثنا نحو التطبيق:

1-                 إن من شأن كل عاقل أن يرد الجميل بالجميل ويجازي الإحسان بالإحسان [هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ] (الرحمن: 60) [وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ] (القصص: 77)، ونعم الله تعالى علينا كثيرة سواء على صعيد أبداننا التي هي عبارة عن معامل ومصانع كثيرة تعمل بدقة وإتقان، وأبسط مراجعة لكتاب (الطب محراب الإيمان)([2]) تنبئك عن هذا مما يوقف شعر رأسك، أو على صعيد الحياة حولنا من كون متناسق وأرض طيبة معطاء ونعم لا تعد وتحصى [وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا] (إبراهيم: 34)، وجزاء الإحسان إحسان مثله، ولما كان الله غنياً عن عباده ولا يمكن أن يصل إليه نفع من أحد، فرَدٌ الإحسان بالنسبة إليه طاعته، ومن أشكال شكر النعم أن تطيع المنعم بها، أمّا عصيانه مع نعمه الوفيرة فهذا مما لا يرضاه عاقل.

2-   إنّ كل واحد منا يحب أن تزيد النعم عليه، وهي بيد الله سبحانه المنعم الحقيقي، وقد وعدنا سبحانه: [لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] (إبراهيم:7)، وفي الحديث: (بالشكر تدوم النعم)، فعلى من يريد زيادة النعم كالمال والبنين والجاه والصحة وغيرها فعليه أن يطيع الله ويشكـره ليزيـده الله مـن النعـم [وَلَوْ أَنَّ أهل الْقُرَى آمَنُواْ

وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ] (الأعراف:96).

3-   إنه إذا أخبرنا إنسان ثقة بأن حيواناً مفترساً في هذه الجهة، فإننا سنهرب بالاتجاه المعاكس، ونحذر منه ونتخذ الإجراءات الواقية من الوقوع في الخطر، فإذا أكّد هذا الخبر ثقة آخر ازداد استعدادنا لذلك وكنّا أكثر حزماً، وقد أخبرنا مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ومثلهم من الأوصياء والعلماء أنه سيكون هناك يوم قيامة يثاب فيه المطيع على طاعته ويعاقب العاصي على عصيانه بنارٍ وقودها الناس والحجارة، أفلا يوجب هذا البيان المؤكد الحذر والابتعاد عن كل ما يورطنا في هذه النار المتأججة، وقد وصفها القرآن الكريم بمشاهد مرعبة، وأخبرنا أنّ معصية الله سبحانه توقعنا فيها، وأنّ طاعته تورثنا جنة عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر [فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ] (السجدة: 17)؟.

4-   أن نسأل أنفسنا سؤالاً: ماذا يخسر الإنسان لو أطاع الله سبحانه واستقام على الشريعة؟!. لا يخسر شيئاً، بل هو يعيش ويتمتع بالحياة كما يفعل البعيد عن الله سبحانه، وفوق ذلك له المكاسب الدنيوية والأخروية التي يحققها له الإيمان بالله سبحانه والسير على شريعته، قال الله تعالى: [وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ] (النساء: 104)، وقد اتبع هذا الأسلوب الإمام الصادق (×) حين قال لأحدهم: (يا هذا إن كان ما تقول أنت – بأنه لا جنة ولا نار ولا حساب حق- فنحن وأنتم سواء، فإننا نأكل كما تأكلون وننكح كما تنكحون، وإن كان الأمر كما نقول هلكتم ونجونا)([3]) وهو أسلوب لا يستطيع أن يرفضه أي عاقل.

5-                 أن نلتفت إلى أن الله تعالى مطلّع علينا ولا تخفى عليه خافية في السماوات والأرض، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وقد جعل على كل واحد منّا ملائكة يحصون الأعمال في كتابٍ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وجعل الشهود على ذلك من أعضائنا التي نمارس بها حياتنا [شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ] (فصلت: 20-23)، فإذا التفتنا إلى هذه الحقائق فسنكون دقيقين في تصرفاتنا، وسنحسب ألف حساب قبل أن نورط أنفسنا في المعصية.

6-   إن الإنسان الذي يمتنع عن إعطاء شيء من نفسه أو ماله لطاعة الله تعالى فإنه سيدفع أكثر منها في معصية الله وهو راغم، وستكون عليه حسرة يوم القيامة، فلا يدفع الحقوق الشرعية في أمواله لكنه يدفع أموالاً كثيرة في أمور تافهة تجرّ عليه حسرة يوم القيامة، أو يقصّر في العبادة أو يتكاسل عن قضاء حوائج المؤمنين فيبتليه الله بمشاغل كان يمكن أن يدفعها الله عنه لو لم يقصر في طاعة الله فيفوز بالآخرة ويكفيه الله مؤونة الدنيا وتعبها.

7-   إن من يطيع الله سبحانه ويتجنب معصيته يعيش لذة الانتصار على أعدى أعدائه، وهي النفس الأمارة بالسوء كما وصفها الحديث الشريف، وكلّما كان تمرد النفس على الترك قوياً كان الفعل أكثر لذة، مثلاً: تعرض أمامك امرأة متبرجة قد أظهرت مفاتنها أو طالبة جامعية أو زميلة في دائرة تبرعت بإنشاء علاقة عاطفية معك فتنتصر أنت على نفسك الطموحة إلى ذلك، فتعيش لذة الانتصار، وهو ما أشار إليه الحديث الشريف: (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها لله تعالى أبدله الله نوراً وإيماناً يجد حلاوته في قلبه)، أو يغيظك شخص ويسيء إليك وأنت قادر على رد إساءته، فتتركها لله تعالى وتنتصر على نفسك التي ترغب بالتشفي والانتقام، وهذا معنى الحديث: (ما جرعة أحبُّ إليّ من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها)([4]).

وتوجد نقاط كثيرة لا أعتقد أن الوقت يسع لها. ولكن نلفت([5]) النظر الى أمرين مهمين يدعوان الإنسان الى الالتزام بالشريعة والعمل بالقوانين الإلهية:

 

الأمر الأول:

إن التكاليف الشرعية ليست طوقاً في عنق الإنسان ثقيلاً يريد أن يتحرر منه، بل هو تشريف له. وأضرب لك مثالاً لو أن الملك دعي إلى مأدبة فأناب إنساناً بدلا عنه، كم سيكون هذا الإنسان محظوظاً أن ينال شرف النيابة عن الملك ويتحدث باسمه، فكذلك الإنسان اختاره الله سبحانه ليكون خليفته في هذه الأرض [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] (البقرة:30) والله ملك الملوك ورب الملوك فكم تكون عظمة النعمة أن يستخلف أحداً ويسخر له كل ما في الأرض [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] (البقرة:29) وينقل عن شخص عارف انه احتفل يوم بلوغه سن التكليف الشرعي لأنه يوم تشريفه بأعظم النعم.

 

الأمر الثاني :

إن الشريعة الإلهية إنما وضعها الله سبحانه لتنظيم حياة البشر وهدايتهم إلى ما فيه صلاحهم؛ لأنه خالقهم وهو العارف بما يصلحهم، فإن أي جهاز يعطل نرجع إلى الشركة المصنعة للجهاز فتعرف عيبه وطريقة إصلاحه، والله هو خالق الإنسان وصانعه فهو العارف بمناشئ انحرافه وطرق علاجها، ومن القبيح والمستهجن أن نرجع إلى نفس الإنسان التائه الضال ليرسم لنا طريق الصلاح، وقد جربت البشرية كل النظم الوضعية فزادتها سوءاً على سوء وظلماً على ظلم، ومازالت تتجرع ويلات تلك النظم البشرية، والنتيجة أن الالتزام بالتعاليم الإلهية هو الطريق الوحيد الذي يضمن للبشرية سعادتها واستقرارها وطمأنينتها، وأنت ترى بعينك وتحس سعادة المؤمن واستقراره الروحي في مقابل شقاء الكافر الفاسق وصراعه النفسي وانحرافاته [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى] (طه:124).

فعلى الأخوة المؤمنين أن يلتفتوا إلى هذه النقاط التي ذكرناها ويعملوا على تحقيقها دائماً، ولا يغرنكم بالله الغرور وهو الشيطان الذي يريد أن يخرجكم من الجنة، أي جنة طاعة الله سبحانه ورضوانه، قال تعالى: [وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] (التوبة:72) [كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا] (الأعراف:27) وهو تقوى الله سبحانه، قال تعالى: [وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ] (الأعراف:26) ليريهما سوءاتهما وعورتهما، وأسوء العورات هو الانحراف عن طاعة الله سبحانه، والانغماس في طاعة الهوى والنفس الأمارة بالسوء. قال تعالى: [إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ] (الأعراف:26).

فما أشد العدو الذي يرانا ولا نراه، ولكن الله تعالى أعاننا عليه ونبهنا إلى خدعه وغروره وشراكه وفخوخه، وما علينا إلا أن نكون على حذر وملتفتين، ولا تأخذنا الغفلة فإنه ليس له سلطة على البشر إلا التزيين والغواية، ويبقى اتخاذ القرار بإرادة الإنسان واختياره [وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (إبراهيم:22) فليس لنا أن نتسامح ونتهاون في أمر الله سبحانه فنخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.

إننا جميعا مطالبون بالعودة إلى الله سبحانه والرجوع إليه لأنه هو الغاية وهو المنتهى [إِنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى] (العلق:8) [وَأَنَّ إلى رَبِّكَ الْمُنتَهَى] (النجم:42) قال تعالى: [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] (سبأ:46)، فلنغسل قلوبنا مما علق بها من أدران المعاصي ولنتوجه إلى الله ضارعين تائبين عازمين على عدم العود لمعصيته، وإن الله ليفرح بعودة عبده إليه أكثر من فرح شخص تائه في الصحراء قد فقد دابته وعليها كل متاعه وما يحتاج إليه من مؤنه، ثم عثر عليها فأوصلته إلى غايته، وقد قال تعالى [إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] (البقرة:222)، أما يريد أحدكم أن يكون ممن أحبه الله سبحانه؟! ولك أن تجرّب عندما يحبك مدير دائرتك أو رئيسك أو مرجعك كم تشعر بالنشوة، فكيف إذا أحبك رب العالمين وخالق الكون وما فيه؟!.

أسأل الله سبحانه لنا جميعاً الهداية والتوفيق خصوصاً في الفرص العظيمة التي أعدها الله سبحانه ليزيد فضله على عباده فيها وليضاعف النعم عليهم، سواء على صعيد الزمان كشهر رمضان والليالي والأيام الشريفة العظيمة، أو المكان كالمساجد والعتبات المقدسة في مجالس ذكر أهل البيت (^) والاحتفال بمناسباتهم، فاغتنموا هذه الفرصة إن إضاعة الفرصة غصة، وأختم كلامي بوصية رسول الله (’ وسلم) لأبي ذر : ((يا أبا ذرّ اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)).

ومن أعظم الأسباب التوسل بأولياء الله العظام وخصوصاً بقية الله الأعظم الذي نعيش برعايته وبركاته وأنظاره الشريفة، جعلنا الله من أهل خاصته وذوي الخطوة لديه وما ذلك على الله بعسير..

أسأل الله تعالى أن يوفقنا لطاعته، فتكون أيامنا كلّها أعياداً، والعيد الأكبر حين نلقاه تبارك وتعالى وهو راضٍ عنّا [وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] (التوبة: 72).



([1]) من خطبة ألقيت في صلاة الظهرين يوم عيد الأضحى المبارك 1422هـ الموافق 23/2/2002م في جامع حي الغدير في النجف الأشرف. وتجد بقيتها في كتاب خطاب المرحلة: ج2 ص126.

([2])  تأليف: الدكتور السوري خالص جلبي، وهي رسالة دكتوراه في كلية الطب.

([3]) الكافي: 1/78.

([4]) الكافي: 2/109.

([5] ) هذه الاضافة من بيان مفصّل صدر بمناسبة حلول شهر رمضان في تلك الفترة ألحقنا منه هنا ما يرتيط بالموضوع.