• Post on Facebook
  • Twitter
  • pdf
  • نسخة للطباعة
  • save

المؤسسات الخيرية بين الواقع والطموح

|   |   عدد القراءات : 158
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

بسمه تعالى 

المؤسسات الخيرية بين الواقع والطموح [1]

لقد حثّت الشريعة المقدسة كثيراً من خلال الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على الانفاق في سبيل الله ومساعدة المحتاجين وبذل المعروف ووعد تعالى بمضاعفة الجزاء اضعافاً كثيرة لمن قام بشيء من ذلك كقوله تعالى (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) (البقرة:261) وقوله تعالى (إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) (التغابن:17).

والله تعالى يعلم انه ليس كل الناس عندهم من المال ما يكفي للقيام بهذا العمل ومقتضى كرمه وعدله منح فرص متساوية لجميع الناس فلكي لا يحرم هؤلاء من هذه الفرص العظيمة للطاعة فقد جعل نفس أجر الانفاق لمن يتوسط في إيصال المال من المنفق إلى المحتاج ففي الحديث الشريف (لو جرى ثواب المعروف على ثمانين كفاً لأوجروا كلهم، من غير أن ينقص من صاحبه من أجره شيئاً) [2] .

وهذا العمل الكبير هو عين ما تقوم به المنظمات الإنسانية والخيرية والمتطوعون النبلاء، وقد لا يتمكن الميسورون مالياً من توزيع المساعدات وايصالها إلى مستحقيها والتأكد من كون الشخص مستحقاً أصلاً لانشغالهم بتعقيدات السوق وتفاصيل عملهم فأنتم تقدمون لهم خدمة كبيرة بوضع البر في موضعه وتعريف المنفقين على المستحقين.

لذا فدوركم كبير لأنكم أنتم من تبحثون عن المستحقين وتحققون في احوالهم وتقصدون الميسورين وتعرضون الحوائج عليهم ثم تعودون بما يجود به هؤلاء لتوصلوه إلى مستحقيه، لذا فأنكم تستحقون الثواب الجزيل الذي وعدت به الاحاديث الشريفة.

وتقدّم لي مؤسسة فيض الزهراء (عليه السلام) الخيرية تقريرها الشهري عن نشاطاتها في تقديم المساعدات النقدية والعينية لآلاف المحتاجين وهو عمل واسع ويقوم عليه عدد كبير من ذوي الشهامة والنفوس الكبيرة رغم مشاغلهم الكثيرة في شؤونهم العائلية والاجتماعية.

إنّ هذا الجانب الإيجابي من سعة عملكم يستبطن واقعاً مؤلماً وهو كثرة المحتاجين والارامل والايتام في بلد لا ينقصه شيء من الثروات التي تغني أهله، ويزخر بالكفاءات القادرة على النهوض وتوفير الحياة الكريمة، لكن اسباباً عديدة لا تخفى عليكم أوصلتنا إلى هذا الحال.

اننا نأمل ان تتحول هذه المؤسسات الخيرية والإنسانية إلى شركات اعمار وبناء وازدهار وإنتاج لأنها تمتلك الإخلاص والهمم العالية والخبرة الميدانية والمصداقية وثقة الناس بهم وفيها كفاءات متنوعة فليكن في المؤسسة قسم للتخطيط الاستراتيجي والموارد البشرية والاعمال الفنية فيتحول المحتاجون من مستهلكين إلى منتجين ومساهمين في هذه الحركة التنموية المباركة.

وقد القيت قبل مدة خطاباً [3] عن تنشيط القطاع الخاص وذكرت شواهد من سيرة الائمة (عليهم السلام) في دعم هذه الحركة وتشجيع اتباعهم عليها مما يغنيهم عن الانخراط في اعمال السلطة الظالمة.

ومن الطريف أن أذكر ان بعض الأخوة يشفقون على حالي لما يروني اناقش البعض في هذه التفاصيل وأقوِّم الاعمال وأقدم النصائح والتوجيهات وهي لا تناسب هموم المرجعية ومسؤولياتها فأجيبهم بأن الحديث الشريف يقول (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله) [4] وانا عيالي ليست عائلتي الخاصة فقط بل كل هؤلاء المحتاجين إلى المساعدة جاعلين نصب أعيننا الحديث القدسي (الخلق عيالي فاحّبهم إليَّ أشفقهم على عيالي) [5] فالكدّ عليهم والسعي لقضاء حوائجهم جهاد في سبيل الله تعالى، وقد تتوفر لي فرصة لا تتاح لأحد لوجود جاه وتأثير ممكن استثماره لعمل المعروف.

مضافاً إلى الحديث الشريف (عن النبي صلى الله عليه وآله إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها صلاة ولا صدقة، قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله فما يكفرها؟ قال: الهموم في طلب المعيشة) [6] فليكن همنا لا يقتصر على توفير المعيشة لأفراد العائلة الخاصة بل لكل الناس المحتاجين.

إن كل ما تقدموه هو صدقة جارية في ميزان اعمالكم (كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) (إبراهيم:24-25) وكلما تنمو وتزدهر فأنها تسجل في رصيدكم حسنات جديدة كما لو زوّجتم شابين متعففين فأنجبا ثم كبرت ذريتهم وتزوجوا وأنجبوا وهكذا إلى أن يكون منهم في عصر الظهور الميمون عدد كبير من أنصار الامام (عليه السلام) وكلهم من بركة سعيكم اليوم.



[1] - من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مع إدارة ومعتمدي مؤسسة فيض الزهراء (عليها السلام) الخيرية في مدن العراق في ختام دورة تطويرية في الإدارة الناجحة، شارك فيها حوالي 130 معتمد، واستقبلهم سماحة الشيخ يوم السبت 30 شوال 1439 المصادف 14 / 7 / 2018

[2] - ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 2 – ص 1603 ، ثواب الأعمال: ١٧٠ / ١٤.

[3] - خطاب المرحلة: ج 6 / ص 25

[4] - الكافي - الشيخ الكليني - ج ٥ - ص ٨٨

[5] - دعائم الإسلام ج2 ص320 ح1207. وشرح نهج البلاغة: ج20 ص340 الرقم 893

[6] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٠ - ص ١٥٧