• Post on Facebook
  • Twitter
  • pdf
  • نسخة للطباعة
  • save

خطبتا صلاة عيد الفطر المبارك 1438

|   |   عدد القراءات : 2152
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
خطبتا صلاة عيد الفطر المبارك 1438

خطبتا صلاة عيد الفطر المبارك 1438

اقام سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) صلاة عيد الفطر المبارك بمكتبه في النجف الاشرف.

و القى سماحته (دام ظله) خطبتي صلاة العيد في جموع المؤمنين المصلين .

وكانت الخطبة الاولى بعنوان (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)

اما في الخطبة الثانية فكانت بعنوان (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)

وبعد انتهاءه من القاء الخطبتين استقبل سماحة التهاني من جموع المؤمنين والمريدين .

وفيما يلي النص الكامل للخطبتين :

الخطبة الاولى :

 

بسمه تعالى

(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)[1]

قال الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (الانفطار:6) وهو خطاب موجّه الى الانسان على شكل سؤال واستفهام لكنه ليس لطلب المعرفة لان الله تعالى محيط بكل شيء علما، وإنما هو استنكاري لتوبيخ وعتاب المخاطب وتعجب من عصيان الانسان لربّه الكريم وتنبيه العاصي لقبيح فعله، فظاهر السؤال عن العلة وسبب الاغترار وحقيقته عن النتيجة وما حصل بالاغترار أي محاسبته على ما صدر منه من معاصي فيسأله ما الذي غرّر بك ودفعك وسوَّل لك حتى عصيت ربك الكريم وتمرّدت عليه، وهذا فعلٌ مخالف للفطرة الإنسانية التي توجب مقابلة الإحسان بالإحسان، لذا يصفه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله (أحمق الحمق الاغترار)[2].

وقد ذكرت الآية عدة عناصر تجعل الحجة أبلغ والتوبيخ أعنف:

((أولها)) توجيه الخطاب اليه بما انه انسان عاقل مدرك للمسؤولية ولقواعد التعامل وقد أنعم الله تعالى عليه بنعم لا تعد ولا تحصى وقد ذكرت الآيات التالية بعضاً منها (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (الانفطار:7) الخ، وليذكّره بأنَّ انسانيته هي أعظم النعم (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:14).

((ثانيها)) ويقول له: انك بمعصيتك تجاوزت على ربَّك الذي تّولى تربيتك ورعايتك وصناعتك ودبَّّر شؤونك كلها وانت لا تعلم.

((ثالثها)) وتعديّتَ على الكريم الذي أغدق عليك النعم من دون مقابل ولا توقع نفع منك فإنه تعالى غني عن العالمين، وقد كان من كرمه أنه حلم عنك ولم يعاجلك بالعقوبة وفتح لك باب التوبة والرجوع ولم يمنعه طول العكوف على المعصية من الاستمرار في إحسانه، ولم يقف كرمه عند العفو عن السيئات بل يبدلها إلى حسنات وغير ذلك من مظاهر الكرم.

والتغرير: الخداع والاستغفال والتجهيل بإراءة ظاهر محبوب تميل اليه النفس لكنه لا حقيقة له واخفاء الباطن والحقيقة حتى يسوقه الى الغرض الذي يريده على غفلة منه فإثارة السؤال فيه تنبيه من الغفلة والفات نظر الانسان إلى ما هو عليه من حالة الاغترار الذي ادى به لهذا التجاوز الكبير وتحذير من الوقوع فيه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال (سكر الغفلة والغرور أبعد إفاقة من سكر الخمور)[3].

والمستفاد من الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة أن أسباب الاغترار الموجب للوقوع في المعصية عديدة منها:

1- المظاهر الدنيوية الخداعة من مال وجاه ومناصب وانتماءات وعصبيات (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) (الأنعام:70) (وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185) اي الخداع والوهم، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال (لا تغرنَّك العاجلة بزور الملاهي، فإن اللهو ينقطع ويلزمك ما اكتسبت من المآثم)[4].

2- تزيين إبليس وجنوده (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (لقمان:33) والغَرور صفة مشبّهة لكل من تأصّل فيه تغرير الآخرين لذا فُسِّر بالشيطان لانه كذلك (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً) (النساء:120).

3- أماني النفس واهواؤها وميلها الى اللذات واتباع الشهوات والعجب والاتكال على الذات (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (الحديد:14). من وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لابن مسعود (لا تغترّنَ بصلاحك وعلمك وعملك وبّرك وعبادتك)[5] وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال (جماع الشرّ في الاغترار بالمَهَل، والاتّكال على العمل)6 وقوله (غرور الأمل يفسد العمل)6 وقوله ( كفى بالمرء غروراً أن يثق بكل ما تسوّل له نفسه)[6].

4- مكر شياطين الانس وطواغيتهم ودّجاليهم والخداع والتضليل الذي يمارسونه والشبهات التي يلقونها (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) (آل عمران:24). روي عن الامام الباقر (عليه السلام) قوله (لا تغرّنك الناس من نفسك، فإن الأمر يصل اليك دونهم)[7] أي لا تغرّنك الناس من حولك ويوهمونك بأمور تسبب اغترارك، فإنك المسؤول عن افعالك وسوف يتخلّون عنك ولا ينفعونك بشيء وعن الامام الصادق (عليه السلام) (لا يغرنّك بكاؤهم، فإن التقوى في القلب)[8].

ومنشأ الوقوع في هذه الاسباب يرجع الى الجهل روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه لما تلا الآية عقّب مجيباً على السؤال: (جهله)[9]، هذا الجهل يشمل جهل الإنسان بربّه وحقوقه عليه ولزوم طاعته وعليه أن يْؤثر رضا ربّه على رضا نفسه أو أي أحد من المخلوقات، وان يتيقن انه بمحضر خالقه وتحت نظره سبحانه (عميت عين لا تراك عليها رقيبا)[10]، والجهل بمبدأ الانسان ومعاده ومآله، والجهل بحقيقة الدنيا الزائلة، والجهل بحقيقة الشيطان ومكره وخدعه وعداوته لبني آدم ونحو ذلك.

والمفروض ان الانسان كلما ازداد معرفة بربه الكريم يزداد طاعة ومحبة له تبارك وتعالى ويزداد خوفاً من عصيانه وغضبه سبحانه (سبحانك وبحمدك من ذا يعرف قدرك فلا يخافك، ومن ذا يعلم ما انت فلا يهابك)[11]،

لذا قد يُنسب التغرير الى أسباب أخرى ليست هي بنفسها موجبة له، لكن الانسان لجهله وغفلته عن حقائق الأمور وعواقبها اغترَّ بها كحلم الله تعالى وعدم اخذه العاصين بالعقوبة عند صدور كل ذنب، واغداقه النعم على الكفار، وستره على قبائح العباد، وهذه كلها من الصفات الحسنى وكرم من الله تعالى ورحمة بالعباد لكن الانسان لجهله يسيء الاستفادة منها قال الله تبارك وتعالى (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران:196-197) أي لا تجعل حلم الله تعالى بإمهال الكفار وعدم معالجتهم بالعقوبة سبباً للاغترار والغفلة عن الحساب والعقاب.

وفي دعاء الامام السجاد (عليه السلام) في ليالي شهر رمضان المعروف بدعاء ابي حمزة الثمالي (وَيَحْمِلُني وَيُجَرَّئُني عَلى مَعْصِيَتِكَ حِلْمُكَ عَنّي، وَيَدْعُوني اِلى قِلَّةِ الْحَياءِ سِتْرُكَ عَلَيَّ، وَيُسْرِعُني اِلَى التَّوَثُّبِ عَلى مَحارِمِكَ مَعْرِفَتي بِسِعَةِ رَحْمَتِكَ، وَعَظيمِ عَفْوِكَ)[12] وفيه أيضاً ( اِلهي لَمْ اَعْصِكَ حينَ عَصَيْتُكَ وَ اَنَا بِرُبُوبِيَّتِكَ جاحِدٌ ، وَ لا بِاَمْرِكَ مُسْتَخِفٌّ ، وَ لا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌّ ، وَ لا لِوَعيدِكَ مُتَهاوِنٌ ، لكِنْ خَطيئَةٌ عَرَضَتْ وَ سَوَّلَتْ لي نَفْسي ، وَ غَلَبَني هَوايَ ، وَ اَعانَني عَلَيْها شِقْوَتي ، وَ غَرَّني سِتْرُكَ الْمُرْخى عَلَيَّ)11.

اذن بهذا التقريب يمكن فهم معنى نسبة الاغترار الى حلم الله تعالى أو كرمه أو رحمته، وهذا دفع بعض المفسرين الى القول: (( وانما قال الكريم دون سائر اسمائه وصفاته لانه كان لقنه الإجابة حتى يقول غرّني كرم الكريم))[13]. وهذا التلقين بحد ذاته مظهر آخر للكرم الإلهي.

لكن السيد الطباطبائي (قدس) اعترض على هذا الفهم قائلاً: ((ومن هنا يظهر ان لا محل لقول بعضهم: ان توصيف الرب بالكريم من قبيل تلقين الحجة وهو من الكرم ايضاً، كيف؟ والسياق سياق الوعيد، والكلام ينتهي الى مثل قوله (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ) (الانفطار:14-15)، ولو كفى الانسان العاصي قوله ((غرني كرمك)) لصرف العذاب عن الكافر المعاند كما يصرفه عن المؤمن العاصي، ولا عذر بعد البيان))[14].

أقول: لا نجد وجهاً للاعتراض:

1- لان هذا المعنى وارد في كلام المعصومين (عليهم السلام) كما تقدم.

2- واتضح مما تقدم ان الكرم والرحمة ونحوهما ليست هي السبب المباشر للاغترار الانسان حتى يعترض عليه، وانما السبب سوء استفادة الانسان منها وهي حالة موجودة حتى مع كرام الخلق كما في الرواية (ان علي بن الحسين (عليه السلام) دعا مملوكه مرتين فلم يجبه فلما أجابه في الثالثة قال له: يا بني اما سمعت صوتي قال: بلى، قال فما بالك لم تجبني، قال: أمنتك، قال (عليه السلام): الحمدلله الذي جعل مملوكي يأمنّي)[15].

3- ان هذا الاعتراف لا يفيد العاصي بل يوجب استحقاقه للعقوبة المضاعفة، لانه قابل الكرم والحلم والعفو بالعصيان والتمرد واغّتر بالحسنة والنعمة فحوّلها الى سيئة ونقمة بدل شكرها وأداء حقها وأمن مكر الله تعالى، واذا نفعه هذا الجواب فلما فيه من الاعتراف بسعة كرم الله تعالى حتى طمع في معصيته وهذا الاعتراف أمر يحصل في الآخرة ولا علاقة له بمعاصيه في الدنيا.

4- ان الكافر لا يستطيع ان يقول هذا الكلام لانه لم يكن يعتقده ولا يعرفه، وليس كرم الله تعالى الذي غرّه بالمعصية وإنما غرّه هواه وتسويل الشيطان وزخارف الدنيا. كما صرحت الآيات الكثيرة التي اوردناها في أسباب الاغترار.

5- ان هذا التلقين لا يفهمه الا أهل المعرفة خصوصاً وان الآية لم تذكر بصراحة ووضوح: أيها الكافر او العاصي قل (غرّني كرمك) عندما تسأل: لماذا كفرت وعصيت، وانما اكتفت بوصف الرب بالكريم وفهم أهل المعرفة من ذكر هذا الاسم دون غيره انه إشارة الى هذا المعنى، فهذا التلقين للحجة لا يفهمه الا من يستحقه ومثل هذا لا يغريه كرم الله تعالى بالمعصية وانما بمزيد من الطاعات واجتناب المعاصي والاعتراف بالعجز والتقصير ((فاذا كان الفرد مستحقاً لفهمها كان مستحقاً لتطبيقها ويتحمل مسؤوليتها، اما السائرون في المعصية والموغلون في الرذيلة فلا يعرفونها ولا يفهمونها ابداً، وليس لهم التوفيق في الرجوع الى مصادر التفسير))[16].

اقول: ولو قرأوها في التفاسير أو سمعوها من أحد فانهم لا ينتفعون بها لأنهم سيذهلون عنها.

6- ان هذا السؤال يقع يوم القيامة بحسب الظاهر حيث يكون باب العمل والتكليف مغلقاً، وليس في الدنيا حتى يكون سبباً للتغرير بالعاصي، فقول ((غرني كرمك)) يكون لاستدرار الرحمة والعفو وليس للتمادي في الذنوب.

7- ان السيد الطباطبائي يعلم ان هذا المعنى يليق بكرم الله تعالى، وان الله تعالى عند حسن ظن عبده، وانه عز وجل أكرم من ذلك، فقد يجيز كذب العبد اذا ادعّاه تطبيقاً لقوله تعالى (وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ) (يس:57) ففي تفسير القمي بسنده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ( إن آخر عبد يؤمر به الى النار، فاذا أٌمر به التفت، فيقول الجبار جلّ جلاله: ردّوه فيردّونه فيقول: لم التفتَّ إليَّ؟ فيقول: يا ربِّ لم يكن ظني بك هذا، فيقول: وما كان ظنّك بي؟ فيقول: يا ربِّ كان ظني بك ان تغفر لي خطيئتي وتسكنني جنتّك، قال: فيقول الجبار: يا ملائكتي، وعزّتي وجلالي وآلائي وعلّوي وارتفاع مكاني، ما ظنّ بي عبدي هذا ساعة من خير قطّ ولو ظن بي ساعة من خير ما روّعته بالنار، أجيزوا له كذبه فأدخلوه الجنة)[17].

وقد استقرب السيد الشهيد الصدر الثاني (قده) إفادة الآية لتلقين الحجة، واحتمل وجهاً لاعتراض السيد الطباطبائي على هذا المعنى قال فيه: ((ولعل الذي حدى بالسيد الطباطبائي الى نفي هذا المعنى لكي لا يكون كلام المشهور سبباً للذنوب، فجزاه الله خيرا، فقد سدَّ الباب وبيّن ان هذه الآية لا تعطي ذلك اطلاقاً حتى ان الناس اذا قرأوا القرآن او قرأوا التفاسير لا يكونون مطمئنين لذنوبهم، والا لو لا هذا العنوان الثانوي في الحقيقة وهو انسداد باب الذنوب فإن الآية تعطي ذلك حقاً ((غرني كرمك)) ولذا اوصي المبلغين وقادة المجتمع ان لا يركزوا على الروايات الباعثة على الاطمئنان والشفاعة وغفران الذنوب، لان الناس ليسوا على مستوى التطميع برحمة الله، فينفتح باب الذنوب ويستغل الشيطان هذه الثغرة للمرور إلى نفوس الناس وإغوائهم، وتكون ذممكم مشغولة من هذه الناحية، واذكر اني كنت ذات يوم في مجلس تعزية فصاح أحدهم (من صلّى عليَّ مرة لم تبقَ من ذنوبه مرة)[18] فهذا القول قد يكون صدر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير أنه صدر للمستحق لا لمن لا يستحق، اما ان يعلن في مجلس عام فهو مصيبة من المصائب، لانها اذا وصلت الى غير المستحقين يتذرعون بها لاقتراف الذنوب واقتحام المعاصي، وحينها اعترضت على صاحب المجلس رحمه الله- وكان من فضلاء الحوزة ان لا يسمح بمثل ذلك)).

أقول: هذه المخاوف في محلها إذ ان هذا الفهم قد اسيء استخدامه لدى العامة فعلاً فتراهم يوغلون في المعاصي والمنكرات ولما تنهى أحدهم يقول (( الله كريم)) وهذا جهلٌ فظيع بعلاقة العبد بربّه، وكأنهم لم يسمعوا الآيات الكثيرة كقوله تعالى (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7) وقوله تعالى (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) (الحجر:49-50) وفي دعاء الافتتاح في ليالي شهر رمضان (وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشدّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة) فهذا المعنى للآية إنما يُذكر شاهداً على سعة كرم الله تعالى ليزداد المؤمن محبة وتعلقاً بربه وليس فيه دفع للمعاصي والعياذ بالله بل إن فيه تأكيداً للحجة البالغة على العاصين.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) عند تلاوته هذه الآية (أَدْحَضُ مَسْئُولٍ حُجَّةً وَأَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَةً لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ وَمَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ أَ مَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ أَ مَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ وَعَزَّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَهِيَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكَ وَكَيْفَ لَا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ وَكُنْ لِلَّهِ مُطِيعاً وَبِذِكْرِهِ آنِساً وَتَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ وَيَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ وَأَنْتَ مُتَوَلٍّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٍّ مَا أَكْرَمَهُ وَتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَأَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ  مُتَقَلِّبٌ فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ وَلَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنٍ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ فَمَا ظَنُّكَ  بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ مُتَوَازِيَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الْأَخْلَاقِ وَمَسَاوِئِ الْأَعْمَالِ وَحَقّاً أَقُولُ مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ وَلَكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِكَ وَالنَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ أَوْ تَغُرَّكَ وَلَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَمٌ وَصَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ وَلَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ وَبَلَاغِ مَوْعِظَتِكَ بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ وَالشَّحِيحِ بِكَ وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلًّا وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ إِذَا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ وَحَقَّتْ بِجَلَائِلِهَا الْقِيَامَةُ وَلَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ وَبِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ وَبِكُلِّ مُطَاعٍ أَهْلُ طَاعَتِهِ فَلَمْ يُجْزَ فِي عَدْلِهِ وَقِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي الْهَوَاءِ وَلَا هَمْسُ قَدَمٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا بِحَقِّهِ فَكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ وَعَلَائِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ)[19].

علماً بأن المؤمن الذي يتأسى بربّه وُصِفَ في بعض الأحاديث الشريفة بانه لكرمه يغري الآخر بالتجاوز عليه( المؤمن غرّ كريم)[20] لانه لا يظن الشر والسوء ولا يحتمله في الآخر ويتغافل عنه كرماً منه وإحساناً في أخلاقه لا جهلاً ولا لقلة فطنته ويظن الآخر أنه قد خدعه كالذي يروى عن أحد أسرى بدر حينما توسل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفك أسره ويبقيه للصبية والعيال فعفا عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولما عاد الى القريش قال لهم: ((خدعت كريماً فانخدع.)). ثم أُسِر في المعركة التالية وأعاد نفس الطلب لكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمنحه فرصة أخرى وعاقبه بما يستحقه.

وبعيداً عن هذا المعنى وإشكالاته فإنه يمكن أن يكون إيراد لفظ الكريم لبيان أن الله تعالى لا يريد من سؤاله هذا نفعاً أو فائدة لأنه كريم لا يريد بعطائه جزاءً ولا شكورا ولا تضرّه معاصي العاصين كما لا تنفعه طاعة المطيعين وإنما يراد هداية العباد وصلاحهم قال تعالى (وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل:40).

ويمكن أن نفهم الآية على نحو آخر بحيث لا يكون المخاطب فيها الانسان العاصي، بل المطيع الطامع بمراتب الكمال، فيُسأل ما الذي اغراك وطمّعك حتى صرت تطلب هذه المنازل السامية، فيقول: أطمعني كرمك يا ربّي لانني اراك تعطي الكثير بالقليل وتبتدى بالنعم من لا يستحق وتعطي من سألك ومن لم يسألك ومن لم يعرفك، فالتعجب في الآية قد يكون من انحطاط الانسان وتسافله وقد يكون من رقيّه وتساميه اذا نظرنا الى الآية بمعزل عن السياق الدال على الأول.

ونذكر الآن رواية عن الامام الصادق (عليه السلام) تتضمن مثالاً للمغّتر بما تمنيه نفسه ويملي عليه جهله، ومثالاً لاغترار الناس بنماذج ظاهرها التدين والعمل الصالح الا انها في الحقيقة على العكس من ذلك، فقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال (قوله عز وجل: اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، قال ( يقول ارشدنا الى صراط المستقيم ارشدنا للزوم الطريق المؤدي الى محبتك، والمبلّغ الى دينك والمانع من ان نتّبع اهواءنا فنعطب او نأخذ بآرائنا فنهلك) ثم قال (عليه السلام) فان من اتبع هواه وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامة تعظمه وتصفه فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني، فرأيته قد أحدق به خلق كثير من غثاء العامة، فما زال يراوغهم حتى فارقهم ولم يقر، فتبعته فلم يلبث أن مر بخباز فتغفله فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي: لعله معاملة، ثم مر بعده بصاحب رمان فما زال به حتى تغفله وأخذ من عنده رمانتين مسارقه فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي: لعله معاملة، ثم أقول: وما حاجته إذاً إلى المسارقة؟! ثم لم أزل أتبعه حتى مر بمريض فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه ـ ثم ذكر أنه سأله عن فعله ـ فقال له: لعلك جعفر بن محمد؟ قلت: بلى، فقال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك؟! فقلت: وما الذي جهلت منه؟ قال: قول الله عزّ وجلّ ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) ، وإني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ، ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين ، فهذه  أربع سيئات ، فلما تصدقت بكل واحدة منها كان لي أربعين حسنة، فانتقص من أربعين حسنة أربع سيئات وبقى لي ست وثلاثون حسنة، فقلت له: ثكلتك امك، أنت الجاهل بكتاب الله، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول ( إنما يتقبل الله من المتقين) إنك لما سرقت رغيفين كانت سيئتين، ولما سرقت رمانتين كانت أيضا سيئتين، ولما دفعتهما إلى غير صاحبهما بغير أمر صاحبهما كنت إنما أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات، ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات فجعل يلاحظني فانصرفت وتركته، قال الصادق ( عليه السلام ) : بمثل هذا التأويل القبيح المستكره يضلون ويضلون )[21].

 

  

الخطبة الثانية

بسمه تعالى

(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)[22]

لا تعتنق عقيدة او فكرة ولا تقل او تفعل فعلاً الا عن علم ويقين

قال الله تبارك وتعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36)

ولا تقف: أي لا تتبع، من القفو وهو الاتباع كقولك اقتفيت أثره، والفرق ان الاتباع يطلق على كل افراده سواء كان اختياريا او باكراه، اما الاقتفاء فيختص بالاتباع الاختياري، فالآية تؤسس قاعدة رصينة في التلقّي والأخذ من قنوات ومصادر المعلومات الخارجية والداخلية وهي الاذن والعين والتأملات الذهنية فلابد أن يكون ذلك مستنداً الى العلم الذي يشمل المعلومات المتيقنة المأخوذة عن حس ومشاهدة، أو عن مصادر معتبرة عند العقلاء التي لا يُعبأ باحتمال الخطأ فيها كإخبار الثقة او التواتر.

وهذه القاعدة القرآنية يجب تفعيلها في كل نواحي الحياة، فلا يرتب أثراً على ما يسمعه او يجده مكتوباً أو ينقدح في ذهنه الا اذا وجد دليل علمي عليه سواء كان في الاعتقاد او السلوك او العلاقات مع الآخرين ولا ينشر شيئاً الا بعد ان يتأكد من مصداقيته وجواز نشره، في الحديث عن الامام الصادق (عليه السلام) قال (ان من حقيقة الايمان ان لا يجوز منطقك علمك)[23] وفي حديث عن الامام موسى بن جعفر (عليهما السلام) (ليس لك ان تتكلم بما شئت، لان الله عز وجل يقول (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) )1 وفي الحديث النبوي (ايّما رجل اشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها برئ كان حقا على الله ان يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاد ما قال[24]، فمن لا يأخذ بهذه القاعدة يعرّض نفسه للمسؤولية، ويكون اول شاهد عليه حواسه (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً).

مثلاً شخص يدّعي عنواناً معيناً كالسفاره عن الامام المهدي (عليه السلام) او الوكالة والنيابة عنه لا يجوز تصديقه لانها دعوى غير مستندة الى العلم،او شخص يتبنى مشروعاً معيناً كإصلاح الأوضاع العامة وتغيير أحوال الناس نحو الاحسن لا يجوز تصديقه واتباعه حتى يتحقق من مصداقيته، او ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من اتهامات لهذا وذاك بالفساد والصفقات المشبوهة لا يجوز تصديقه وترويجه الا بعد التحقق من صدقه

او ما تتداوله الناس من أخبار عن هذا وذاك أنه فعل كذا وقال كذا لا يجوز تبنّيه وترتيب الأثر عليه لان مثل هذه المصادر لا يوثق بها وقد تصل الحالة الى الاقتتال والقتل لمجرد انه قيل له ان هذا الرجل او تلك المرأة فعلا كذا وكذا قبل أن يتبيّن حقيقة الأمر وقد يكون المخبر مبغضاً او حاسداً او له غرض شخصي فيعمل على القاء الفتنه بهذه الاخبار وقد يكون متوهماً او مشتبهاً كما وقع في الكثير من الحالات.

والشرع المقدس يرى الصدق في هذه الأمور قبيحاً فكيف بالكذب لان فيها تدميراً للعلاقات الاجتماعية وتخريباً للأسَر، في الحديث النبوي الشريف (ثلاث يقبح فيهن الصدق: النميمة وإخبارك الرجل عن أهله بما يكرهه وتكذيبك الرجل عن الخبر)[25] وفي حديث اخر عن الامام (عليه السلام) قال ( من روى على أخيه المؤمن رواية يبتغي بها شينه وهدّم مروته اخرجه الله تعالى من ولايته الى ولاية الشيطان ثم لا يقبله الشيطان)[26] بغض النظر عن كونه صادقاً او كاذباً فيما روى ، وبالمقابل مدح الله تعالى قوماً فقال تعالى (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (الزمر:17-18) فلا يكتفي احدهم بصدق الخبر حتى يّرتب عليه الأثر أو ينقله للغير، لان الصدق قد يكون ضاراً، بل يتثبت من حسن القول مضافاً الى صدقه.

وهذه القاعدة القرآنية مما تدعو له الفطرة السليمة أيضاً فانها تتحرى دائما الوصول الى الواقع والحقيقة فلا تعطي قيمة للمظنون او المشكوك، ويحاول العقلاء أن يصلوا الى الحقيقة وتحصيل العلم بأنفسهم إن أمكن والا فيرجعون الى من له العلم بذلك كمراجعة المريض للطبيب، أو رجوع عامة الناس الى المجتهد العارف بتحصيل الاحكام الشرعية وهكذا، ولا يعذرون من يتبنى عقيدة او قولاً او فعلاً من دون ذلك، وقد لبّى الله تعالى حاجة هذه الفطرة لدى الانسان فاعطاه السمع والبصر والعقل لتكون له أدوات يصل بها الى الحقيقة، وسيسأل الانسان عن كيفية توظيفه واستعماله هذه الأدوات فهل ان ما اصغى له بسمعه كان من مصدره الموثوق، وهل ان ما نسبه الى عينه حينما يقول رأيت كان قد رآه فعلاً و واضحاً لديها فعلاً؟ وهل ان ما فكّر فيه ورتبّه بذهنه كان مستنداً الى معلومات صحيحة؟ وهذه الحواس ستشهد عليه وتجيب بصدق (حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (فصلت:20) فعلى الانسان ان يحذر ويتجنب اتباع ما ليس له به علم والا فانه لا يكون معذورا.

والمطلوب دائماً هو التثبت من المعلومة قبل البناء عليها، ومن صدق الدعوى قبل التسليم بها، ولو بنى المجتمع حياته على هذه القاعدة القرآنية لأغلق أبواب الكثير من المفاسد والاضرار والخرافات والانحرافات وبهذا المنهج نحافظ على العلاقات الاجتماعية وسمعة الأشخاص وكرامتهم ومنع حصول حالة الإحباط واليأس لدى العاملين بسبب ما يشيعه الحاسدون، وبذلك نستطيع تقويم عقائد وأفكار المجتمع من الانحراف والضلال.

فعلى مستوى الاعتقاد: لم يقدّم الملحدون دليلاً علمياً على نفي وجود الخالق تبارك وتعالى وغاية ما يدّعون انه لم يثبت عندهم وجوده سبحانه فكيف يريدون بجهلهم هذا نفي الأدلة القاطعة التي يقيمها المؤمنون بالله تعالى.

والذين ينكرون المعاد ليس عندهم دليل وانما هو مجرد استبعاد وقصور اذهانهم عن تصور الحالة بينما المؤمن عنده الحجج الدامغة على هذه الحقيقة، وكذلك الذين ينكرون الوحي والنبوة، قال تعالى (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) (يونس:36).

وهكذا اذن المطلوب التثبت وتحصيل العلم في كل شؤون الحياة فلا يجوز تصديق خبر بناءاً على الاشاعات أو الاقدام على فعل لمجرد ان الناس فعلته مما سمّوه بالسلوك الجمعي وجعلوا له مثلاً يستشهدون به وهو ((حشر مع الناس عيد)) كزيارة بعض القبور او القيام ببعض الاعمال التي لم يثبت أصلها، او اتباع شخص لمجرد ادعاءات ما لم يتحقق من توفر الشروط المطلوبة.

 فهذه كلها مخالفة لهذه القاعدة القرآنية، وقد روي في كتب العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله (بئس مطية الرجل: زعموا)[27] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (اياكم والظن فان الظن اكذب الكذب)[28] وفي حديث آخر (إن افرى الفرى ان يُريَ الرجل عينيه ما لم تريا)[29].

وفي حواراتنا لابد ان نستند في مواقفنا الى الحجة والبرهان لا الظنون والقياسات لا الظن والتهمة، لافي احكامنا على الآخرين بالظن والتهمة والاشتباه والاحتمال، لذا لا يبني القاضي على كلام المدعّي في قضية معنية وإنما يطالبه بالبينة ويسمح للمدعى عليه بالدفاع عن نفسه وهكذا.

وبذلك يكون الإسلام قد سبق الحضارات المعاصرة في تأسيس منهج التثبت العلمي الشامل لكل شيء، حتى العلوم التجريبية والطبيعية حيث لا مكان للافتراضات الوهمية والاحتمالات غير الممحصة والاحكام الساذجة، ويجعل ذلك مسؤولية شرعية وأمانة يُسئل عنها وهذه الرقابة الداخلية مما تميز المنهج الإلهي عن المادي، ويستشعرها المؤمن حتى لو خلى عن أي رقيب حتى على مستوى المشاعر والخلجات القلبية، فلا يقول كلمة بلسانه ولا ينقل حادثة عن أحد ، ولا يحكم بعقله حكماً ولا يعقد أمراً الا وقد استند فيه الى المعلومة الصحيحة.

فلنتعاون جميعاً لنشر هذه الثقافة القرآنية والمنهج القرآني الكفيل بتحقيق السعادة والصلاح ولتجنب التداعيات الاجتماعية الخطيرة، والا فان الثقة ستنعدم بالجميع ويختلط الصالح والفاسد وتضيع الحقيقة ونفقد كل أمل بالصلاح والإصلاح.

 

 

 

 

 

 



[1] - الخطبة الأولى لصلاة عيد الفطر المبارك يوم الاثنين 1/شوال/1438 الموافق 26/6/2017

[2] - غرر الحكم: رقم 2915

[3] - غرر الحكم: رقم 5651

[4] - غرر الحكم: رقم 10363

[5] - مكارم الاخلاق: 2/350

[6] - غرر الحكم: رقم 4771، 6390، 7053

[7] - بحار الانوار: 72/323 ح 2

[8] - بحار الانوار: 70/ 283 ح 4

[9] - الدر المنثور للسيوطي: 8/439

[10] - مفاتيح الجنان، دعاء الامام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة

[11] - مفاتيح الجنان، من دعاء الصباح عن أمير المؤمنين (عليه السلام)

[12] - مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي: 340، 335

[13] - حكاه في مجمع البحرين: مج 2/263 مادة (غرر) عن الشيخ ابي علي وفي مادة (لقن) ايضاً وذكره آخرون

[14] - الميزان في تفسير القرآن: 20/248

[15] - بحار الانوار: 46/56 ح 6 عن ارشاد المفيد ومناقب ابن شهراشوب إعلام الورى

[16] - منّة المّنان في الدفاع عن القرآن للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر: 4/379

[17] - بحار الانوار 7/87 عن ثواب الاعمال، وحكاه في هامش منّة المّنان: 4/382 عن تفسير القمي: 2/262-265

[18] - بحار الانوار: 91/63، مستدرك الوسائل: 5/234 أبواب الذكر، الباب 31 ح 13

[19] - نهج البلاغة خطبة 223

[20] - امالي الطوسي ج 2 ص 77

[21] - وسائل الشيعة: 9/467 كتاب الزكاة ، أبواب الصدقة باب 46، ح 6

[22] - الخطبة الثانية لصلاة عيد الفطر المبارك يوم الاثنين 1/شوال/1438 الموافق 26/6/2017

[23] - وسائل الشيعة: 18/16،17

[24] - الدر المنثور : 4/182 اخرجه الحاكم وصحّحه عن ابي ذر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

[25] - ميزان الحكمة: 5/44

[26] - الكافي 2/358

[27] - سنن ابي داوود: ص256

[28] - وسائل الشيعة: 18/38

[29] - من صحيح البخاري