• Post on Facebook
  • Twitter
  • pdf
  • نسخة للطباعة
  • save

المقدمة

|   |   عدد القراءات : 3458
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

المقدمة

 

في نظرة عامة وشاملة لخطابات الشيخ اليعقوبي من خلال احاديثه ومؤلفاته وبياناته نلمس انه يمثل مرجعية دينية تتعاظم فاعليتها وتأثيراتها من خلال الاندماج العميق مع قضايا الشعب العراقي في اهم تفاصيل حياته ولاسيما في هذه المرحلة التي تمثل منعطفاً تاريخياً مهماً وهي مرحلة ما بعد سقوط النظام المباد والتي تمثل التكوينات والمخاضات السياسية العسيرة الشاخصة في كل جوانب الحياة السياسية منها والاقتصادية أو الدينية والاجتماعية ما استدعى هذا التكوين الصعب ضرورة التصدي للمرحلة من قبل ذات عراقية أصيلة نابعة من صميم الواقع العراقي وحرارة الإحساس به بعيداً عن كل المغريات التي يفرزها المشهد الجديد وتحدياً لكل تداعياته وشواخصه القاسية.

من هنا كان لابد لهذه الذات العراقية المنقذة من آفاق عقلية وأعماق روحية تستوعب الواقع وتلم أطرافه المتناثرة والمتنامية على أرضية حرية الاختيار والتنوع السياسي والفكري الذي جاءت به المرحلة الجديدة كثمرة من ثمار الديمقراطية والحرية المرتجاة، فكان العمق الروحي اكثر ما يتجلى في القاعدة الاسلامية العريضة والمتينة الراسخة منذ تاريخ طويل من الاستتباب والاشراق الديني في آفاق النفس المسلمة التي عمرت هذه الارض بنور هداها وينابيع ايمانها حيث منّ الله سبحانه وتعالى عليها بالرحمة الالهية الكبرى المتمثلة بالدين الاسلامي وحامل رسالته السماوية نبي الهدى والرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).. فكانت هذه المرجعية الدينية في العراق خير من يمثل هذه الارضية الايمانية الصلبة التي يستطيع ان يقف عليها الشعب في التغييرات الكبرى لانها العاصم الثر الاكثر اماناً واحتواءً لها.

ولكن هذا العمق الروحي لابد ان يؤازره الافق العقلي لكي يظلل طريقه وينير مساحاته الواسعة بالحقائق العلمية والمنطق العقلي والحجج البالغة..

من هنا كان باب الاجتهاد واختلاف علماء الدين والفقهاء او المرجعيات في فيوضاتها العقلية وطروحاتها الفكرية وبالتالي في مدى تاثيرها في المشهد الديني والسياسي وتفاعلها الصميم مع الواقع العراقي ولا سيما الراهن منه ومن هنا كانت هذه الثنائية الروح والعقل، او الايمان الراسخ والوعي العميق , هي البلسم الامين لجراح المرحلة او لنقل هي سفينة النجاة وسط تلاطم الامواج وتجاذب الصراعات المعلنة والخفية التي تضمر وراءها مصالح مشروعة او غير مشروعة.

وقد اثبتت هذه الثنائية.. الروح والعقل المتمثلة بالمرجعيات حضوراً فاعلاً وشادّاً سواءً على مستوى القرار او التوجيه والمدد الايماني للامة لاسيما حين تكون هذه المرجعية فاعلة وناطقة ونازلة الى ميدان العمل الشعبي والتفاعل مع المحاور المهمة والشرائح المؤثرة في المجتمع العراقي ووضعها امام مسؤوليتها الدينية والانسانية والوطنية وبالتالي امام الفعل الذي يجب ان تقوم به في كل منعطف وازاء كل حدث وممارسة سياسية او اقتصادية او اجتماعية فتكون هذه الثنائية بمثابة المجسات الواعية التي تتلمس الطريق قبل وضع الخطى عليه والنور الذي ينهمر من الاعماق لكي يضيء المدى للجماهير المؤمنة به.

ولكن هذا الايمان إيمان الجماهير بهذه الثنائية او هذه المرجعية يتأتى او يتجدد ويقوى بالدور الذي تؤديه هذه المرجعية او الذي ادته خلال هذه المدة من الزمن حيث كانت هذه الجماهير ترقب بعين الخلاص لدور هذه المرجعية او تلك مما يعمق او يقلل انتماء هذه الجماهير واعتصامها بمرجعيتها.

فكانت مرجعية الشيخ اليعقوبي من المرجعيات الفاعلة والشادّة للجماهير في الساحة العراقية من خلال التواصل الحميم والمضني مع القضايا التي تهم حاضر هذه الامة ومستقبلها, فمع كل حدث او انعطاف في الساحة العراقية هناك وقفة وتحليل وتوصية لسماحته، وبالتالي دور مؤثر وفاعل في الحياة العراقية ما استقطب انظار الامة الى هذه الفعالية في المشهد العراقي المتسارع والمتعدد الصور والاتجاهات.. فكان هذا التاثير الروحي والفعل العقلي يكمن في المؤلفات والبيانات والمحاضرات والاحاديث وغيرها ....

كما تتسم الطروحات الدينية والسياسية للشيخ اليعقوبي بالجرأة والموضوعية والرؤية البعيدة لمآلات المشهد العراقي وانعطافاته وتداعياته على كل الصعد والمستويات.. بل ان رؤيته التحليلية والعلمية للمشهد فضلاً عن جذره الايماني العميق.. هي التي تجعله يتحلى بهذه الرؤى والتصريحات الجريئة التي قد تتصادم مع الكثير من الجهات او المسؤولين او المصالح ولكن واجبه الديني والسياسي والعراقي الوطني يملي عليه هذه الطروحات فلا تأخذه في الحق لومة لائم متحملاً المسؤولية وتبعاتها من مواقفه الصريحة المسؤولة كمرجعية دينية وسياسية ناطقة بكلمة الحق المخلصة الصادمة.. فلم يقف الشيخ من الاحداث والاخبار العراقية المتسارعة موقفاً محايداً بل كان له رأي فيها وموقف واضح ليس عليه غبار الريبة او الخشية وهذا ما نطالعه في بياناته واحاديثه أو أجوبته على الاسئلة الموجهة اليه في المقابلات المختلفة.

فعن احداث سامراء الثانية التي اتت على ما تبقى من الحضرة العسكرية الشريفة انتقد الشيخ المسؤولين في الدولة ووصفهم بالعجزة المشلولين الذين اكتفوا باستنكار الحدث اولئك (القابعون في سجونهم الاختيارية التي حاصروا بها انفسهم وانعزلوا عن الشعب المظلوم...) وهو لا يستبعد منهم هذا الموقف المشين - كما يقول الشيخ - بعد ان انتهكوا اقدس المقدسات وهو الانسان الذي كرمه الله تبارك وتعالى وجعله خليفته على ارضه.

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) كما ينتقد الشيخ الحكومة العراقية بوضوح في موضوع فضائح سرقة اموال الشعب حتى تصدّر العراق بلد الحضارة والائمة والعلماء قائمة الدول التي استشرى فيها الفساد في تقرير منظمة الشفافية العالمية بل يتساءل ويشكك ويحمل الدولة المسؤولية.

ولكننا سنتناول هنا كتاب (خطاب المرحلة) وهو عبارة عن ملامح من تاريخ وخطاب القيادة الدينية في العراق الجديد... وهو من بيانات وخطابات سماحة الشيخ محمد اليعقوبي مع تعليقات وهوامش اضافية. وسنقسم هذه القراءة الى محاور عدة توجز هذه الخطابات وتؤشر - كما نرى- بعضاً مهماً من افاق واعماق هذا الخطاب في هذه المرحلة التاريخية المهمة.

وستكون قراءتنا بمجملها اشبه بكتاب ظلٍّ يسير تحت ظلال خطاب المرحلة بخطى التحليل والاضاءة والنقاش والوقوف على المحاور التي نراها مهمة ولامّة لمجمل خطاب المرحلة في جزئيه الصادرين لحد الآن... علما ان الظل قد يرسم صورة متكاملة احيانا بل ان التصرف بالظل من اجل الصورة هو فن خاص بحد ذاته.