الخميس 24 جماد ثاني 1435
    
نشرة الصادقين
كتب الـجافا

الكتاب الاول

 

الشهيد الصدر الثاني كما اعرفه

 

 

 

 

 

هذا الكتاب

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

 

 

 

الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.

 

بعد استشهاد السيد الصدر الأول (قدس سره) كتب تلميذه وابن عمه الشهيد الصدر الثاني رسالة في سيرة حياته بلغت حدود الثمانين صفحة ووضعها عند المرحوم السيد حسن القبانجي وقد حاولتُ تحصيلها بواسطة بعض الثقات بعد ان احالني الشهيد الصدر الثاني -أي المؤلف- عليها حينما طلبت منه ان يحدثني عن استاذه الشهيد (قدس سره) الا ان السيد القبانجي لم يدفعها اليَّ ولا ادري ان كانت موجودة عنده ام أتلفها ام نقلها الى غيره ولا يتيسر له تحصيلها، المهم انني عذرته لان قوة بطش النظام يومئذٍ - في الثمانينات- كانت بحدٍ فاق كل تصور وقد اصيب السيد القبانجي في الله تبارك وتعالى كثيراً ولم يعد يحتمل أي خطر جديد يمكن ان تسببه هذه الرسالة فيما لو وقعت بايدي جلاوزة النظام وهو احتمال وارد.

 

ويبدو ان لا سبيل لها الى رؤية النور، ولكنني اؤدي باذن الله تعالى نفس الدور مع استاذي الشهيد السيد الصدر الثاني (قدس سره) فاكتب هذه المذكرات عن صفحات مطوية من حياته (قدس سره) قد لا تكون معروفة حتى عند اقرب الناس اليه مما يجعلها وثيقة تاريخية لجزء من سيرته (قدس سره) وقد كتبتها بعبارة مضغوطة ومختصرة لالحاح المحبين في صدورها، كما ان اغلبها سُجِّل في زمن الطاغية المهزوم فربما تجد فيها بعض الصياغات الموافقة للتقية الا انها على العموم جريئة وكان وقوعها في يد جلاوزة النظام يشكّل ادانة تقضي على حياة عديدين ممن وردت اسماؤهم.

 

وكان من المؤمل ان تضم الرسالة فصولاً أخرى الا انني اعرضت عنها بعد أن اصبحت معروفة لدى الامة كالحديث عن مرجعيته كيف بدأت ونمت حتى اصبحت بتلك السعة من النشاطات والتأييد الجماهيري فقد صدرت عدة كتب في ذلك وكذا الفصل الخاص بالحديث عن اعداده للقيادة التي تخلفه وكيفية التخطيط لذلك خصوصاً وانه يعلم ان مصيره الى الشهادة في تلك الاجواء الرهيبة، وبنفس الوقت فانه (قدس سره) لا يرى نفسه معذوراً في إهمال ذلك البناء العظيم الذي شيده في ضمير الامة وسلوكها فكيف يتركه سدى(1).

 

وعلى أي حال فان هذه الرسالة عن حياة السيد الشهيد الصدر الثاني رغم اختصارها تؤرخ فترة عصيبة من حياة الشعب العراقي المظلوم وقيادته الدينية خلال عقدين من الزمن تقريباً وربما سنحت الفرصة بلطف الله تبارك وتعالى لتوسيعها وتحليلها (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).

 

 

 

محمد اليعقوبي

 

3 شعبان 1424

 

 

 



 

 

 

التعريف بمؤلف الكتاب 

 

 

 

نسبه واسرته(1) 

 

 

 

هو الشيخ محمد بن الشيخ موسى بن الشيخ محمد علي بن الشيخ يعقوب بن الحاج جعفر.

 

ابوه الشيخ موسى (1345-1402 / 1926-1982) خطيب شاعر أصدر مجلة الايمان في النجف (1963- 1968) وكانت لسان النجف المعبّرة عن آلامها وآمالها -كما وصفت- في تلك الحقبة الزاهرة من حيث وجود المفكرين والعلماء العظام والمضطربة بالتيارات الفكرية والاجتماعية التي ماجت بها النجف وعموم العراق.

 

جده الشيخ محمد علي (1313- 1385 / 1896- 1965) الملقب بشيخ الخطباء لكونه مؤسس مدرسة جديدة في الخطابة وتخرج على يديه عدد كبير من رموز المنبر وقد اشار الى ذلك الخطيب الشهير المرحوم الشيخ احمد الوائلي في كتابه (تجاربي مع المنبر) محقق ضليع في التاريخ والادب والرجال وله مؤلفات وتحقيقات جليله.

 

وجد أبيه الشيخ يعقوب (1270- 1329 / 1853-1910) ، شاعر كبير وخطيب ماهر استفاد من المدرسة العرفانية للشيخ حسين قلي الهمداني والشيخ جعفر الشوشتري، له ديوان مطبوع.

 

وراس الاســــرة الحاج جعفر (1200- 1289) -الذي يتفرع منه آل اليعقوبي المنتشرون اليوم- من وجهاء النجف وكانت له املاك كثيرة وقد اعتمد عليه الشيخ موسى بن الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء المتوفى سنة (1243) في بناء سور النجف لحمايتها من هجمات الوهابيين.

 

وقد سكنت الاصول الاولى للاسرة مدينة النجف منذ قرون بحيث ان الشيخ يعقوب المتقدم ذكره المولود في النجف (1853) يعبر عنها بمواطن آبائي في ابيات يقول فيها: 

 

 

 










تغرّبت عن ارض الغري فلم تكن

حبستُ ركابي عندها اليوم بعدما

مواطن آبائي بهــــــــــــــا واحبتي






تقر عيوني او تطيب حياتي

أذبتُ عليها النفس بالزفرات


وفيها مغاني اسرتي وسراتي(1)



 


 

والاسرة عربية المحتد تتفرع عن قبيلة الاوس الانصارية وجدهم معاوية بن اسحق بن زيد بن حارثة بن عامر كان قائد قوات زيد الشهيد ابن الامام زين العابدين (عليه السلام) واستشهد معه، وزيد بن حارثة او يزيد بن جارية على اختلاف النسخ من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد اشرت الى تفاصيل عن الاسرة في كتاب (الشيخ موسى اليعقوبي: حياته-شعره).

 

 

 

ولادته و نشأته 

 

 

 

ولد في النجف الاشرف فجر المولد النبوي الشريف (17) ربيع الاول (1380) الموافق (9) ايلول (1960) في بيت جده اليعقوبي ونشأ هناك حتى عام (1968) حيث انتقل والده الى بغداد لارتباطه بمسؤوليات دينية واجتماعية مع المرحوم الشهيد السيد مهدي نجل المرجع الديني الكبير السيد محسن الحكيم واكمل دراسته الابتدائية والثانوية بتفوق فقبل عام (1978) في قسم الهندسة المدنية من كلية الهندسة في جامعة بغداد وتخرج فيها عام (1982) وتخلف عن الخدمة العسكرية منذ اللحظة الاولى لانه كان يرى ان مجرد ارتداء الملابس العسكرية هو تكثير للسواد على جيش الاسلام المتمثل بالقوات الايرانية في الحرب المفروضة، وهذه الحالة أخرت زواجه حتى انتهاء الحرب العراقية الايرانية فاقترن بعد نهايتها مباشرة بكريمة المرحوم الشهيد السيد محسن الموسوي الغريفي وبين الاسرتين مصاهرات متعددة.

 

صاحب والده كثيراً منذ صغره في مجالس خطابته والى المساجد التي كان يقيم فيها الصلاة جماعة وكان يحفظ عدداً من الادعية فيقرأها على المصلين بعد اداء الفرائض وهو دون العاشرة من العمر ومن هنا بدأت نشأته الدينية وكان ينقل الى والدته بعد عودته الى البيت الموضوع الذي تحدث عنه والده بالتفصيل وكان والده يعرفه الى اخوانه ومعارفه في المجالس والمنتديات لنبوغه في الحساب فيمتحنونه وهو دون السابعة من العمر بمسائل في الضرب والجمع وهو يجيبها فوراً ولازال عدد من اقران ابيه يتذكرون ذلك ومن بين الذين استانسوا بهذه الموهبة المرجع الديني الكبير المرحوم السيد محسن الحكيم المتوفى عام (1970) وكان يقدم له هدية بعد كل امتحان.

 

وبعد انتقالهم الى بغداد سكنوا الكرادة الشرقية قرب جامع التميمي مقر المرحوم السيد مهدي الحكيم وكانت الكرادة يومئذ تزهو بالعلماء العاملين والمفكرين والشباب الواعين كالسيد مرتضى العسكري والشيخ عارف البصري (قدس سره) وفيها مكتبات قيمة في جميع حقول العلم والمعرفة فكان اخوه الاكبر المرحوم الشيخ علي يصحبه معه حباً به واعتزازاً ورعاية لمواهبه فاستفاد كثيراً من ذلك وكان يأتيه بالكتب المصورة للاطفال التي كانت تصدر في عدد من البلدان الاسلامية خصوصاً سلسلة القصص الديني للاطفال التي كانت تردنا من مصر فبدأت علاقته بالكتاب الديني وتعلق به ثم بدأ بقراءة كتب التاريخ والسيرة والرجال لما فيها من طابع قصصي مع ما فيها من الدرس والعبر.

 

وفي صيف عام (1970) بدأ المرحوم السيد علي العلوي مشروعاً للاستفادة من العطلة الصيفية للطلبة بفتح دورات دراسية في العلوم الحوزوية على مستويين:

 

الاول: للشباب حيث يدرس السيد بنفسه الشرائع والمنطق وقطر الندى.

 

والثاني: للاطفال يدرس فيها اولاده كتباً مبسطة كالنحو الواضح لعلي الجارم فكانت لهذه الدورة التي استمرت سنة او سنتين -حيث سُفِّر المرحوم العلوي الى ايران- أثر واضح في صقل شخصيته وتفكيره وكان بنفس الوقت يعطي دروساً متنوعة بحسب ما استفاد هو من مطالعاته ومن دراسته ومن حضوره في مجالس ابيه قبل صلاتي المغرب والعشاء التي كان يقيمها والده جماعة في مدينة الفضيلية.

 

انتمى في الصف الثاني المتوسط الى مدرسة الامام الجواد الاهلية الشيعية التي كانت تهتم بالتوعية الاسلامية اضافة الى الدروس الاكادمية المتعارفة، ودرس التربية الاسلامية فيها عند المرحوم الشهيد الشيخ عبد الجبار البصري الذي كان يقيم صلاة الظهرين جماعة قبل انفضاض الطلبة الى بيوتهم وخلال سنتين من وجوده في المدرسة تعلم الكثير وفتح عينه على مستوى اعلى من الكتب الدينية كالمدرسة الاسلامية للشهيد السعيد الصدر الاول (قدس سره) حيث كان احد زملائه من النشطين في هذا المجال وهو السيد صالح السيد مهدي الحكيم الذي كان يعد خلاصات لكتب السيد الشهيد الاول ويلقيها علينا وكنا خمسة حيث كانت تضم الحلقة المرحوم الشهيد الحاج جمال رضا علوان والسيد احمد السيد طاهر الحيدري والسيد علي محمد طاهر الحيدري ولما كانت الظروف الامنية صعبة آنذاك حيث اعدم الشيخ عارف البصري واقرانه عام (1974) فكانوا يتخذون التجوال في شوارع الكرادة الشرقية الهادئة فرصة لتناول هذه الافكار .

 

وخلال وجوده في المدرسة بدأت تنمو عنده القابلية  على البحث والكتابة حيث كلفه احد المدرسين بكتابة تقرير فاختار الكتابة عن الخمر ونظراً لوجود مكتبة كبيرة في بيته وممارسته مع الكتب فقد اجتمعت عنده معلومات كثيرة عن الموضوع وفي النهاية اصبح كتاباً يناهز المئتي صفحة عنوانه (الخمر أم الخبائث) راجع فيه كتب التفسير والتربية والطب والاجتماع وكان مرتباً بشكل جيد.

 

وبعد انتهاء الدراسة المتوسطة عام (1975) التحق بالاعدادية الشرقية في الكرادة وكانت فرصة اكبر للالتقاء بنخبة من الشباب الرساليين الذين اثمرتهم في نهاية السبعينات حركة الشهيد الصدر الاول التحق عدد منهم بربهم شهداء بعد ذلك وبقي آخرون لازالت ذكريات صحبتهم والفترة التي عاشوها لها طعمها الخاص في النفس من بينهم العلامة الحجة الشيخ حسن علي موسى الربيعي الموجود الآن في ايران.

 

وبعد انتهاء الدراسة الاعدادية عام (1978) دخل الجامعة وكانت احداث الثورة الاسلامية في ايران تتصاعد والاهتمام منشد الى مجرياتها وكان الجميع يتحلقون حول المذياع وكلهم آذان صاغية خصوصاً لاذاعة صوت (مونت كارلو) في نشرة الساعة الثامنة مساءً حيث يعطي تفصيلاً أخبار الثورة حتى وصول الامام السيد الخميني (قدس سره) الى ايران في الاول من شباط (1979) وانتصارها في الحادي عشر منه ولا ننسى الفرحة التي غمرتنا ولا أظن انني فرحت في حياتي بشيء او حدثٍ كهذا حيث تحقق حلم الرساليين جميعاً في إقامة حكومة الاسلام في الارض.

 

وفي صيف ذلك العام بعد انتهاء الامتحانات النهائية شنّت سلطات الامن القمعية حملة اعتقالات طالت الكثير من الشباب الواعي المتدين وتقلد صدام منصب رئيس الجمهورية في تموز من ذلك العام وازال معارضيه البعثيين ليطلق العنان ليده الاثيمة في فعل ما يشاء حتى اقدم على جريمة العصر باعدامه الشهيد العظيم السيد محمد باقر الصدر في نيسان (1980) ونحن في المرحلة الثانية من الدراسة فازداد الوضع الامني سوءاً وتكثف العمل بالتقية بعد قرار ما يسمى بمجلس قيادة الثورة المشؤوم في آذار (1980) باعدام كل من يرتبط بحركة السيد الشهيد الصدر (قدس سره).

 

وفي ايلول (1980) بدأت الحرب على ايران الاسلام ونحن في بداية الدراسة في المرحلة الثالثة ومرّت أيام عصيبة ذقنا فيها الخوف والفزع لان العيون تتربص بنا وحاولوا ايقاعنا في الفخوخ لتحصيل تهمة ضدنا وكان ينجينا الله تبارك وتعالى وكانوا يصرّون على انتمائنا لحزب البعث ونحن نرفض بذرائع شتى فيتركوننا ويعودون الينا وبقينا على هذا الحال والحرب على الاسلام مستمرة وبدأت القوات الايرانية تستعيد التوازن وتحقق الانتصارات خصوصاً في الشوش ودزفول في آذار (1982) وفي المحمرة في مايس (1982) ونحن في الامتحانات النهائية للمرحلة الرابعة ولم يكن يمنعنا ذلك من الانشداد الى المذياع ومتابعة انتصارات جيش الاسلام وكمحاولة لتأجيل التحاقي بالخدمة العسكرية بعد تخرجي قررت ترك الامتحان في درس واحد لكي اتأخر عدة اشهر عسى ان يفرّج الله تبارك وتعالى لان الخيارات المطروحة احلاها مر ولكن أي درس اترك فإنه سيؤثر على معدل التخرج وحينئذ قررت ترك الامتحان في درس (الثقافة القومية والاشتراكية) الذي يوجه الطلبة بافكار حزب البعث وكانت مجازفة وعناداً للنظام وهو في عنفوانه وزهوه ولا انسى مسؤول ما يسمى بالاتحاد الوطني للطلبة حينما سلمني نتائج الامتحانات وهو ينظر اليّ بعينين مريبتين: أنت محمد موسى ؟ ويفهم منها العاقل ما يفهم لكنني توكلت على الله تبارك وتعالى ولم اكترث ونجانا الله منها.

 

وبعد نجاحي في الدور الثاني كان عليَّ ان اؤدي الخدمة العسكرية وظهر تعييني كمهندس مدني في وزارة الدفاع وهذا يعني من الناحية المادية موقعاً مريحاً وفيه مردود مالي ضخم الا انني لم اكن افكر في ذلك طرفة عين وكان همي كيفية انقاذ نفسي من نار جهنم التي كنت اراها تحدق بي بمجرد لبس (الخاكي) حتى لو كنت في باب بيتي فكان امامي احد خيارين:

 

الاول: عبور الحدود الى ايران الاسلام والهرب اليها بسرعة ما دامت وثائقي الجامعية بعد لم تسقط وهو قرار محفوف بالمخاطر لان الجبهات جميعا كانت تشهد معارك ضارية بين آونة واخرى.

 

الثاني: الاختفاء في البيت والتخلف عن الخدمة العسكرية وعاقبته الاعدام وقد كثر المنافقون والواشون حتى قتل الاب ولده والمرأة زوجها خوفاً من ان يدان الجميع بتهمة التستر واخفاء (الخونة) بحسب زعمهم.

 

فعزمت على الاول لانه اسلم لي ولاهلي رغم صعوبة الطريق عن شمال العراق بواسطة بعض الاكراد ورغم ما فيه من كسر قلب والدتي التي فقدت والدي في تموز (1982) وسيق ثلاثة من اخوتي الى الخدمة العسكرية في نفس السنة وكان الرابع مصاباً بعجز الكليتين وطريح الفراش فكنت انا سلوتها ولكنها لم تكن تعارض لي قراراً وودّعت اهلي في صبيحة احد ايام تشرين الاول عام (1982) مغادراً الى ايران الاسلام لكن الوسيط لم يحضر الى المكان المقرر وفشلت السفرة وبرّر ذلك بنشوب قتال في المنطقة المقررة للعبور.

 

وحمدت الله تبارك وتعالى وعدت الى البيت وكم كانت فرحة امي بي وقالت انك حين غادرت كان كيوم فقد ابيك.

 

فلم يكن لي بد الا الخيار الثاني فمكثت في البيت وكنت بين مدة واخرى أزوّر ورقة يستعملها العسكريون عند النزول باجازات لأهلهم لأُوهم الآخرين باني عسكري فعلاً وقد جئت الى أهلي باجازة اعتيادية ومضى على هذا الحال الشهر والشهران والسنة والسنتان وكلما نقول إقترب الفرج واذا بالامل يبتعد ولم يعد أحد يعرف كيف ومتى ستنتهي الحرب ولكني رغم ذلك ربما كنتُ اسعد انسان في تلك الايام لاني كنت في حالة روحية سامية ارافق القران الكريم والكتب التي احتوتها مكتبة والدي وسجادة الصلاة والراديو الذي اتابع فيه أخبار الجمهورية الاسلامية والحرب مع العراق ولا التقي بالآخرين حتى اهلي إلا قليلاً حيث كنت حريصاً على استغلال وقتي بأمثل صورة.

 

ومن لطف الله تعالى بي ان المكتبة ضمت امهات المصادر التي تُكوّن شخصية المؤمن الرسالي وفي مختلف حقول المعرفة ففيها الميزان وفي ظلال القرآن ووسائل الشيعة وشرح النهج وتاريخ الطبري والمراجعات وغيرها في التاريخ والادب والتفسير والفقه والاصول والرجال والوعي الاسلامي وكنت أثبت في اوراق رؤوس الافكار للكتب التي أقرأها برقم الصفحة والجزء ليتسنى لي الوصول اليها بسهولة متى شئت ولازلت احتفظ بتلك الاوراق.

 

وكنت ولعاً بالقرآن الكريم وتفسيره فختمته عشرات المرات في تلك الفترة واعتقد ان كثيراً من الالطاف الالهية التي غمرتني ولازالت هي بسبب صحبتي للقرآن وتعلقي به.

 

ونشأت لدي نتيجة هذه المطالعات المركزة افكار أصيلة وبحوث قيمة وكنت احتاج الى من يراجع لي جهدي ويوجهني ويرعاني فان القراءة وحدها لا تكفي واريد ان أصل الى مراتب اعلى لا تكفي القراءة وحدها لنيلها ولم يكن على الساحة من ينفعني في ذلك بسبب غياب الاكثر بين سجن وتشريد واعدام او سِيقوا الى الخدمة العسكرية وعمل الموجودين بالتقية وحصاري في البيت الى ان هيأ الله تبارك وتعالى سبباً للاتصال بالسيد الشهيد الصدر الثاني بالشكل الذي سأتحدث عنه بإذن الله تعالى في فصل مستقل فبدأت نقلة كبيرة في حياتي وفتحت امام عيني آفاق واسعة.

 

وبعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية وتخفيف قبضة النظام نسبياً سعيت الى تحقيق رغبتي في الانتماء الى الحوزة العلمية الشريفة وتكميل وانضاج تلك الحصيلة من المطالعة والثقافة ومهدت لذلك بالعودة الى النجف الاشرف والاقامة فيها عام (1988).

 

واستخرت الله تبارك تعالى فكانت النتيجة هي التريث فلم يكن امامي إلا الانشغال بالكسب لأني أصبحت مسؤولاً عن اسرة وزارني السيد الشهيد الصدر الثاني اكثر من مرة الى محل عملي ولم يكن يشغلني العمل عن مواصلة المطالعة وكتابة البحوث وكانت احد اعمالي وانا في محل الكسب كتاب (الرياضيات والفقه) الذي طبعه استاذي السيد الشهيد الصدر الثاني في نهاية الجزء الثامن من كتاب (ما وراء الفقه) ثم طورته كماً وكيفاً بعد التحاقي الى الحوزة الشريفة الى كتاب (الرياضيات للفقيه).

 

وبعد انتهاء الانتفاضة الشعبانية المباركة واستقرار الوضع اعدت الاستخارة فكانت النتيجة جيدة جداً وتحقق الامل الذي كنت أصبو اليه منذ سنين وارتديت الزي الديني في شعبان (1412) الموافق شباط (1992) على يد المرحوم آية الله السيد الخوئي (قدس سره) وبمحضر عدد من العلماء والمجتهدين الذين هنأوني بذلك وترحموا على والدي وجدي وفرح السيد الشهيد الصدر الثاني عندما أخبره أخي المرحوم الشيخ علي بذلك وأخذ يتلفت يمنة ويسرة لعله يراني بهذا الزيّ المبارك وعبّر عن الحادثة بـ( انها بشرى حقيقية).

 

 

 

الدراسة الحوزوية 

 

 

 

التحقت بجامعة النجف الدينية برعاية المرحوم السيد محمد كلانتر (قدس سره) لانها المؤسسة الوحيدة التي كانت الدراسة فيها منتظمة نسبياً اما بقية المدارس الدينية فكانت لاتزال اشبه بالمعطلة بسبب تداعيات الانتفاضة الشعبانية واقتحام الجيش للمدن الثائرة حيث عاث فيها بالفساد والتدمير وحتى في الجامعة التي كانت آمنة تقريباً لم نكن نجرأ بالدراسة في حرم الجامعة كما تنص عليه الوقفية خوفاً من إثارة حفيظة السلطة فكنا ندرس في غرف السكن  مدة ولم يكن يتجاوز عدد طلبة الجامعة (11) طالباً.

 

ونظراً للحصيلة العلمية والثقافية التي كانت لديّ فقد قبل السيد كلانتر (قدس سره) المعروف بحزمه الشديد في الإلتزام بالمنهج الدراسي المخصص بالترتيب ان أبدأ دراستي مباشرة من اللمعة واصول الفقه للمظفر وكنت أأخذ درسي لمعة في اليوم ودرساً في الاصول وامتحنت مباشرة بعد انتهاء تعطيل شهر رمضان في مكتب السيد الخوئي (قدس سره) وكانت درجتي (95%).

 

درست الاصول عند زميلي الشيخ محمد جواد المهدوي واللمعة عند الشيخ المهدوي وزميلي السيد حسن المرعشي وفي فترات معينة كنت أأخذ درساً ثانياً في الاصول وثالثاً في اللمعة وبعد تعطيل رمضان (1413) شرعنا بدراسة الكفاية عند الشيخ المهدوي نفسه بعد اكمال كتاب الاصول وبدأت دراسة الرسائل للشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره) عند سماحة الشيخ محمد امين المامقاني واكملتها بعد اكثر من ثلاث سنين وبدات دراسة المكاسب في ربيع الاول (1414) عند المرحوم السيد محمد تقي الخوئي في مسجد الخضراء وأكملت عنده قسم المكاسب المحرمة وشيئاً من كتاب البيع حتى وافاه الاجل بحادث سيارة في صفر (1415) فحضرت مقداراً آخر عند العلامة السيد علي السبزواري ثم درست الخيارات الى آخر الكتاب عند العلامة الشيخ محمد أمين المامقاني وخلال هذه الفترة كنت استثمر خلّو مجلس السيد الشهيد الصدر من المراجعين في أوائل مرجعيته فأسأله عن الكثير من الآراء العلمية التي اتلقاها في دروسي وتحصل عندي مناقشات عليها او تنقدح في الذهن من افكار وكانت لهذه المناقشات الاثر الكبير في صقل مواهبي العلمية.

 

تعلمت من اساتذتي (رحم الله الماضين وحفظ الباقين) كلهم غير العلم الذي اخذته الالتزام بالتحصيل والمواظبة عليه بدقة والاحترام المتبادل والادب الرفيع الذي رسمته كتب الاخلاق للعلاقة بين المعلم والتلميذ.

 

لم اكن افكر بالالتحاق بالبحث الخارج حتى أُكمل دراسة السطوح لكن استاذي الشهيد (قدس سره) شجعني على الحضور بعد الانتهاء من نصف كتاب الكفاية فمن خلال المناقشات التي كنت اجريها معه قال (قدس سره) انك تستطيع ان تفهم مطالب البحث الخارج فلم اجد بداً من تلبية رغبته (قدس سره) وتحقيق حلمي في ان احضر البحوث العالية عند الاساتذة العظام وهو لا يتعارض مع دروسي الاخرى لانه (قدس سره) كان يلقي بحث الاصول عصراً فابتدأت بالحضور في أواخر شوال (1414) (نيسان 1994) وكان في نهايات مطلب (استعمال اللفظ في اكثر من معنى) وبعد ايام بدأ اول مطلب رئيسي وهو بحث المشتق الذي استمر ازيد من عام وقررّته في مجلدين وطبع لاحقاً، واستمر حضوري عنده (قدس سره) حتى استشهاده في ذي القعدة (1419) وكان في مبحث النواهي، وفي (ذي الحجة 1415) بدات حضور بحث الفقه عند سماحة آية الله السيد السيستاني وكان يباحث في كتاب الصوم حتى انهاه ودخل في كتاب الزكاة وكنت مواضباً على الحضور حتى انقطاعه في صفر (1420) وحضرت سنتين (1416- 1418) بحث الفقه على كتاب المكاسب عند المرحوم الشهيد الميرزا علي الغروي (قدس سره) كما التحقت ببحث شيخنا الاستاذ الفياض عندما بدأ في مبحث القطع (أي النصف الثاني من الاصول لاتمام ما بدأت به مع سيدنا الاستاذ الشهيد الصدر (قدس سره) من النصف الاول فتحصل دورة أصولية كاملة وبقيت معه اربع سنين (1417-1421).

 

درّستُ الفقه والاصول بجميع مراحل السطوح والمنطق والاخلاق والوعي الاجتماعي ولي محاضرات كثيرة في ذلك طبع بعضها حيث كنت استثمر بعض المناسبات الدينية وبداية ونهاية المواسم الدراسية لاعطاء مثل هذه المحاضرات.

 

لي ثلاث اجازات بالرواية احدها من السيد محمد كلانتر (رحمه الله) عن السيد السبزواري والسيد البهشتي وآغا بزرك  الطهراني (قدست اسرارهم) وثانيها عن العلامة الدكتور حسين علي محفوظ الذي له اكثر من سبعين طريقاً وثالثها عن السيد عبد الستار الحسني الذي له بعض الطرق النادرة.

 

 

 



 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

البداية 

 

 

 

تصاعد الحس الإسلامي لدى المجتمع العراقي في السبعينات وازداد وعيه لقضيته متأثراً بعاملين مهمين:

 

1- ظهور قيادة متحركة وشاعرة بداء المجتمع ودوائه متمثلة بشخص السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) والعلماء العاملين المجاهدين كالبصريين ونظرائهم.

 

2- احداث الثورة الايرانية وما افرزته من فكر وعمل وكما نعلم فان العراق وايران كالجسد الواحد.

 

وكان جيل الشباب متجاوباً معها ومتابعاً لها ورغم انني لم اكن محسوباً عليهم بالعمر فلم اكن بالغ الحلم يومئذ إلا ان صحبتي لأخي الشيخ علي الذي يكبرني بأكثر من عشر سنين الى ندوات الشباب واجتماعاتهم الدينية والمجالس الحسينية في الكرادة الشرقية الزاهرة يومئذ فتحت عيني على الكثير من الامور وفتقت ذهني بوقت مبكر وكان يتحفني بالكتب والمجلات والمصورات الدينية التي تناسب عمري كما شجعني على الانتماء للدروس الدينية خلال العطلة الصيفية التي كان يشرف عليها المرحوم السيد علي العلوي في منطقة العبيدي ببغداد فالتحق هو بحلقات الشباب وانا بدروس الصبيان كان ذلك سنة (1970- 1971) وبدأنا نحن بعقد الحلقات العلمية في الفقه والعقائد هو للشباب وانا للاطفال في جامع منطقة الفضيلية حيث كان والدي (رحمه الله) يقيم صلاة جماعة.

 

وفي النصف الثاني من السبعينات حيث التحقت بالدراسة الاعدادية في (الاعدادية الشرقية) في الكرادة والتي كانت تضم زهوراً من الشباب الواعي المتدين بدأت مسيرتي مستقلة حيث كان لي اقراني منهم (اعدم معظمهم في احداث سنتي (1979 ، 1980) ونمى مستواي الثقافي والفكري وانتقلت الى طائفة اعلى من الكتب الدينية وكانت كتب السيد ابي جعفر (قدس سره) والآصفي وفضل الله وسيد قطب تستحوذ على اهتمامنا ومنها ايضاً موسوعة الامام المهدي (عليه السلام) حيث صدر الجزءان الثالث والرابع (اليوم الموعود وتاريخ ما بعد الظهور) في تلك الفترة الحاسمة ومن حينها عرفت السيد الصدر مفكراً اسلامياً  كبيراً وقائداً اجتماعياً استوعب حياة المعصومين عليهم الصلاة والسلام وصاغها منهجاً مناسباً للأمة في حياتها الحاضرة.

 

قرات له في مجلة الايمان التي اصدرها والدي في الستينات اكثر من موضوع اعجبني أحدها وهو بعنوان (مسؤولية الدعوة في خير الامم) ومن حينها عشقت السيد الصدر واصبح اسمه يثير اهتمامي اينما وجدته فقد سمعت عنه مرة انه ناب عن السيد ابي جعفر (قدس سره) بالقاء كلمة في افتتاح  مسجد السيد المبرقع في مدينة الثورة في ايام  تأجّج الاحداث قبيل انتصار الثورة الايرانية.

 

ثم تعرضت الحركة الاسلامية للضربة القاضية التي افقدتها جُِلَّ رموزها وانزوى السيد الصدر في داره لا يخرج الا لقضاء الحوائج الضرورية لبيته وعائلته وازداد وضعه الامني سوءاً عندما حدث الاعتقال الجماعي لاسرة آل الحكيم فقد كان دار احدهم (وهو المرحوم السيد جواد بن السيد محمد علي وقد اعدم فيما بعد) مجاوراً له فكان بعض افراد أمن النظام مرابطين هناك للمراقبة، فانعزل عن المجتمع بشكل كبير وانقطعت اخباره هذا كله وانا لم اتعرف عليه شخصياً رغم انه واباه واسرته من اصدقاء اسرتنا كسائر الاسر النجفية العريقة.

 

اما بالنسبة لي فقد التحقت عام (1978) بقسم الهندسة المدنية في كلية الهندسة بجامعة بغداد وتوزع اخواني بينها وبين كلية الطب والصيدلة والجامعة التكنولوجية ثم مضى منهم من مضى شهيداً صابراً محتسباً وبقي من بقي، حتى تخرجت سنة (1982)، (وفي نفس السنة توفي والدي (رحمه الله) وكان عليّ الالتحاق بالخدمة العسكرية بينما الحرب مع ايران الاسلام مشتعلة ولم اكن افكر بلبس البدلة العسكرية ولا طرفة عين فقد كنت ارى الانخراط في القوات المسلحة في أي موقع وان كان بعيداً عن الجبهة هو معاونة للإثم وتكثير السواد ضد الاسلام فحاولت تجاوز الحدود الى ايران وهيأنا مقدماته وودعت أهلي وخرجت الى موقف سيارات السليمانية وهو الطريق المتفق عليه للعبور الا ان ظروفاً حالت دون ذلك فعدت الى البيت واوكلت الامر الى مدبره الحقيقي واختفيت في البيت بعد ان اصبحت متخلفاً عن الخدمة العسكرية وهو عنوان يوجب الحكم بالاعدام ولم اكن اخرج من البيت إلا لحاجة ضرورية وبعد مدة يحتمل فيها عودة العسكري الى اهله باجازة اعتيادية حيث كان موقفي المعلن انني ملتحق بوحدتي العسكرية وبقيت على ذلك حتى آذار (1983) حيث تم التشدد على مراقبة الشباب وتوزيع مفارز الانضباط العسكري في كل مكان فانزويت في البيت نهائياً وكان ذلك لمصلحتي فقد كان وقتي مكرساً لمطالعة الكتب في مختلف حقول المعرفة بما فيها العلوم الحوزوية حيث كانت مكتبة والدي عامرة بها وصقلت موهبتي في الكتابة فبدأت بالتأليف ولكن من دون مرشدٍ او ناقد يأخذ بيدي ويوجهني ويقيّم نتاجي.

 

وفي نيسان (1985) اضطرتني الظروف الى ترك دارنا في بغداد فيمّمت النجف وحللت دار عمي الشيخ صادق ومكثت فيها مدة بنفس المنهج السابق وخشية ظهور امري كنت انتقل منهم الى دور بعض اقربائنا في كربلاء والحلة واعود اليهم وكان ابن عمي الشيخ حيدر يلازمني في بيتهم ويزورني في الاماكن الاخرى فكنت اغذيه بخلاصة ما يجتمع لدّي من افكار ومعلومات وعلم بما عندي من بحوث وكتابات فعرض عليّ فكرة الاستفادة من السيد الصدر في تقييمها وتوجيهي فكرياً وهي فرصة لم اكن احلم بها وجرى الاتفاق على ان يتم الاتصال به بواسطة صديق للشيخ حيدر هو الأخ زيد نجل الحاج عبد الغني البغدادي الذي كانت دارهم ملاصقة من الخلف لدار السيد الشهيد (قدس سره) وبينهما باب يستعملونه للضرورة بعد ان كانت الباب الامامية لدار السيد (قدس سره) مراقبة وكان زيد شديد المحبة والولاء للسيد (قدس سره) وعن طريق هذا الباب فرّ أخ لزيد بعد ان اقتحمت قوات الامن دارهم لاعتقاله فاجتاز من بيت السيد الشهيد (قدس سره) الى الخارج ونجا بنفسه، ولزيد أخت مؤمنة مثقفة مجاهدة تسمى (ساجدة) استفادت من السيد (قدس سره) كثيراً ولم يقصّر هو في توجيهها وتوعيتها ورعايتها، اعتقلت مدة ثم افرج عنها لسوء حالتها الصحية حتى توفيت رحمة الله عليها، وقد تمت موافقة جميع الاطراف على هذه الطريقة من مبادلة الافكار بيني وبين السيد (قدس سره) حيث ياتي زيد الى بيت عمي ليأخذ ما اعددت له ويوصلها الى السيد (قدس سره) بيده او بيد اخته الى عائلة السيد ثم يرجع الجواب اليّ بنفس الطريقة وبدأ اللقاء بيننا لآول مرة عبر الاوراق في ذي القعدة (1405) (صيف عام1985) وكانت نقطة تحول في حياتي وبداية لسيل من البركات والرحمات ولم يكن احد منا يعلم ان هذا اللقاء سيثمر فيما بعد شركة واتحاداً للنهوض بهذا المجتمع وللأخذ بيده نحو الهداية والصلاح ولطرح ايديولوجية جديدة للمرجعية وقيادة الامة.

 

واول بحث قدمته اليه كان حول (ثبوت الهلال في البلدان المختلفة) وناقشت الاقوال في المسألة وكنت ولعاً بالفقه الاستدلالي وقرأت فيه وفي علم الاصول كتباً متعددة ودعمت أخيراً الراي العلمي بان ثبوته في بلد كافٍ لثبوته في البلدان التي الى غربه دون التي الى شرقه (ولم اطلع يومئذ على رأيه المختار في المسألة وهو هذا بعينه بل لم اكن اعرف يومئذ انه مجتهد مرشح للمرجعية) ثم قدمت له افكاراً في تحديث الحوزة العلمية وتطويرها وكان فيها شيء من الجرأة والخروج عن الموروث فجاء في جوابه (وليت شعري فكل محاولة لانزال الشريعة الى مستوى الواقع ليست بصحيحة لان مضمونها الحقيقي هو اعطاء الشريعة جزءاً من فساد الواقع وانما الصحيح هو رفع الواقع الى مستوى الشريعة وهذا هو الذي يستهدفه الله تعالى في بشريته ومعناه اعطاء الواقع جزءاً من كمال الشريعة وعدلها بل كل كمالها وعدلها) وقال في موضع آخر ((ان مسلك علمائنا واسلافنا (قدس الله اسرارهم) على وجه العموم مهما كانت فيه من المناقشات الجانبية فانه قد أسس وتعب عليه آلاف المفكرين وضحى في سبيله الآلاف من الشهداء والصالحين من اجل حفظ الاسلام والايمان وتفاصيل الشريعة والعقيدة مضافاً الى امكان نشرها وتوسيعها جهد الامكان. وقد اثبت ذلك المسلك جدارته ورجاحته خلال الالف سنة الماضية واثبت انه كفيل - بعناية الله سبحانه- ان يقوم بمهمته خير قيام بالرغم مما يدهم المسلمين والمؤمنين في كل زمان من البلاء والمؤامرات والمصاعب، وان ادل دليل على نجاحه هو بقاء الدين بتفاصيله العملية والمهمة حياً قائماً في اذهان الكثيرين من دون ريب ولا نقص وهذا مصداق لقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) مع العلم ان الافكار المعادية مما هو مبرمج ومدَّقق اكثر مما يعد ويحصى إلا ان الدين لا يزداد إلا عمقاً ورجاحة.

 

فاذا كان هذا ناتجاً من المسلك العام لعلمائنا ومفكرينا فينبغي على الفرد ان يعيد النظر اكثر من مرة اذا اراد ان يغير ذلك المنهج او يفرع عليه او يناقش فيه إذ قد تؤدي المناقشة من حيث لا يعلم الفرد الى نتائج على خلاف النتائج التي جناها المسلك السابق الذي اصبح هدفاً للمناقشة فنكون مثل ذلك الغراب الذي حاول ان يقلد مشية الطاووس فلم يفلح فاراد ان يرجع الى مشية نفسه فوجد انه قد نسيها فخسر كلتا المشيتين.

 

وهذا لا يعني بحال ان المناقشات لا يمكن سماعها او ان المسلك السابق غير قابل للتعديل ولكن ينبغي ان ناخذ عبرة ممن سبق ممن حاول ان يناقش ويجدد كالشيخ محمد عبدة وابي الاعلى المودودي، فمع احترامي لافكارهم الا انه لم يبق منهم الا ما كان ضمن الخط العام لعلماء المسلمين واما التفاصيل التي جددوها فهي متقوقعة في منطقة او منسية او مجهولة او تكاد ان تندثر وانما التجديد المحتمل بقاؤه والمحرز صحته هو ان يبقى اتجاهه صامداً لفترة طويلة وماراً بالتمحيص ضمن مئات او آلاف من الافكار والمفكرين في اكثر من جيل او عدة اجيال فيكون (اللب) المسلّم صحته في هذا الاتجاه صحيحاً واما التفاصيل فتبقى -رغم ذلك- قابلة للمناقشة)).

 

واستمرت المراسلات وكان بعضها يتخذ شكل الاسئلة المتفرقة التي لا يجمعها علم واحد فكان يجيب على الجانب (المفهومي) لها -كما كان يعبر- أي الفكري اما الجانب العلمي التخصصي فموكول الى محله بعد تناول تلك العلوم في الحوزة الشريفة ولا تكفي الاسطر لحل معضلاتها.

 

ومن هنا بدأت المرحة الثانية من اتجاهات التفكير فبعد ان كانت في المرحلة الاولى متشتتة اصبحت مركزة على الجانب الحركي الواعي للاسلام والاصلاح الاجتماعي فكتبت (دليل سلوك المؤمن) ادعو فيه الى ان تكون الرسائل العملية (حيّة) تعالج كل القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فضلاً عن العبادية وان تخاطب العقل والروح والنفس بدلاً من وضعها الجامد الحالي وان تعرض الفقه الشامل لكل نواحي الحياة مستعرضاً المراحل التاريخية لتفكير فقهاء المسلمين وتاثرهم بالظروف التي احاطت بهم ثم عرضت نموذجاً لتبويب الرسائل العملية لتغطي هذا الهدف كله، فاجابني بعد السلام والتحية ((قبل أي شيء ينبغي ان اؤدي اليك جزيل الشكر للفضل الذي تسديه اليّ بهذه الكتابات النافعة التي ترسلها اليّ وذلك لعدة امور:

 

منها: انها تملأ قسماً من وقتي الذي جعله (الليل) فارغاً او يكاد.

 

ومنها: انها جعلتني افكر بما هو منتج ونافع في سبيل الله بعد ان كنت اسقطت ظاهرياً مجرد التفكير في ذلك الى حين طلوع الفجر.

 

ومنها: انها جعلت لي السرور بالطعوم اللذيذة التي تمر في ذهني والتي كنت قد حرمت منها ردحاً من الزمن.

 

ومنها: انها عرفتني ان العالم لم ولن يخلو من الخير مهما شاءت شهب الليل (ولو كره المشركون) ليس انت فقط بل آخرين وآخرين والحمد لله رب العالمين)).

 

وكان من ضمن تعليقاته قوله ((لعل المفهوم من مقالكم -بشكل وآخر- ان تحثّوا هذا الضعيف الجاهل على المبادرة الى الفقه الواسع الذي تريدون([1])، وليتني كنت من القادرين، بل عساني استوعب حقلاً من حقوله فضلاً عن المجموع، وبغضّ النظر عما يعلمه الله تعالى في سابق علمه وهو بكل شيء عليم. وبغض النظر عن الايمان المسبق بكل هذا المضمون بعمق كما اوضحنا، الا ان هناك نقاط ضعف عديدة تحول دون هذه المبادرة نذكر ما تيسر منها:

 

اولاً: انه لا دليل على بقاء هذا الضعيف حياً الى حين انجاز مثل هذا المشروع فضلاً عن اطلاع الناس عليه، الامر الذي يجعله -بعد موته- ساقطاً عن المنفعة تقريباً لانه من تقليد الميت.

 

ثانياً: انه لا دليل على انحسار الليل وطلوع الفجر بحيث يمكن مجرد التفكير في ذلك ولله في خلقه شؤون)) ثم ذكر نقطتين أخريين.

 

ثم كتبت بحثاً آخر انضج منه واوسع بعنوان (الجاهلية الحديثة واسلوب مواجهتها) أخذ بنظر الاعتبار مفردات البحث السابق مع تعليقات السيد (قدس سره) عليها وانطلق منها ليضع العلاجات المناسبة للجاهلية التي نعيش فان الجاهلية([2]) بحسب المفهوم القرآني كل حالة اجتماعية لا تقيم حكم الله سبحانه ولا تطبق شريعته (افحكم الجاهلية يبغون) بل ان الجاهلية التي نعيشها اسوء حالاً واردأمن تلك التي بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليستنقذهم منها فمن الحري بنا ان نستلهم الرسالة ونأخذ من الرسول دروساً لمعالجتها مع الأخذ بنظر الاعتبار ان هذا المجتمع مسلم ظاهراً وليس مشركاً فاجابني بعد الحمد والثناء على الله سبحانه والصلاة على انبيائه والسلام على المؤمنين قائلاً (أخي في الله سبحانه ووليي فيه عز وجل. أدام الله توفيقاته عليك كما تحب ويحب وجنبك سوء الفتن وشرور طوارق الليل والنهار واتم نورك وزادك بسطة في العلم وجدارة في العمل انه ولي كل توفيق.

 

مولاي: عندما انقطعت رسائلك بل بحوثك وافاداتك فكرت قليلاً ثم أرجعتها الى بدء العام الدراسي([3]) الذي يشغل ولا يمهل. وبخاصة بعد ان كان الهدف منه شرعياً يقصد به ما انت أعرف به من تقليل الظلم وبث العدل وقضاء حاجة المحتاجين والعطف على المنكوبين -اينما صار الفرد وحيث حصل-.

 

ولكن ورود افاداتك من جديد - وهي وفيرة كماً وكيفاً- دلني على ان الرجل الهادف يستحيل ان يتخلى عن هدفه او ينساه او يتغافل عنه حتى ولو في احلك ظلمات الدنيا ودهاليزها وبلاياها، هذا ولكن -يا حبيبي- ينبغي ان تجعل للتقية في فكرك مجالاً فانها حصن المؤمن والجنة الواقية له من كل مكروه، فان مثل هذه البحوث كانت متداولة في الستينات حين كان النسيم وافراً والحُّر متحملاً. واما الآن فنحن لعلنا اولى من الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) بالتقية والهدنة وان لم نكن اولى فمثله، فاننا أضعف ناصراً واقل عدداً).

 

ثم اجاب عن بعض العواطف المتبادلة وقلّل من اهمية الذات وحذّرمن الوقوع في عبادتها وانما ينبغي ان ينظر الى كل شيء على انه فانٍ في الله سبحانه قال ((ولست انا هدفاً بأي شكل من الاشكال، وإلا فساصبح صنماً يدعي الناس انني اقربهم الى الله زلفى)) وقال ((واما الفجر الذي تشير اليه في رسالتك والذي اود ان افهم منه المعنى المعنوي فهو الفجر الذي يشرق في النفس والضمير قبل ان يشرق على المجتمع، والله سبحانه أخبر بعباده، ومن المؤكد ان التربية الايمانية في ظلمات الدنيا وصعوباتها أقوى واوكد وارسخ من التربية مع الدلال والترفيه وهل تطبيق الاحكام الاجتماعية العامة بين الناس إلا لطاعة الله، فاذا توفرت طاعته تحت ظروف الظلمات، بل بشكل الطف واوكد فذلك هو المطلوب)) ثم بدأ بالتعليقات على اصل البحث.

 

ثم أرسلت بحثاً كتبته بعنوان (عالم الذر والظواهر الباراسايكولوجية) وهو مختصر نسبياً لا يتجاوز ثلاث صفحات الا انه (قدس سره) كتب الاجابة في (13) صفحة مما ينبئ عن سروره ولذته في الخوض بما وراء المادة.

 

وتوالت المراسلات وكان منها كتاب في مئتي صفحة تقريباً بعنوان (دور الائمة في الحياة الاسلامية) وهو تعميق وتوسيع لبحث من بضع صفحات بنفس العنوان نشره السيد ابو جعفر (قدس سره) في مجلة الايمان فعلق عليه تعليقات ثمينة وكتب له مقدمة مختصرة تمنى فيها نشره.

 

وكتب هو (قدس سره) بحثاً بعنوان (فلسفة الاحداث في العالم المعاصر) يناهز الاربعين صفحة وضع فيه النقاط على الحروف في ما يجري في عالم اليوم والاصابع التي تديره -وهي الصهيونية الخبيثة- ونفوذهم في مجتمعاتنا والافكار الهدامة التي يبثونها فينا والممارسات التي ينشرونها  بيننا ونحن ساذجون سادرون في جهلنا فكان (قدس سره) الطبيب الحاذق بادواء مجتمعه، وقد ارسل البحث اليّ للاستفادة منه والتعليق عليه فبعثت اليه بذلك فاعاد هو (قدس سره) التعليق عليها مع اضافات الى اصل البحث واستمرت التعليقات المتبادلة وفي النهاية أوكل امر إعداد الكتاب بشكله النهائي اليَّ آخذاً بنظر الاعتبار جميع هذه الملاحظات المشتركة.

 

ورغب مرة في ان اعرض وجهة نظري عن الحرب مع ايران وصواب الرأي باستمرارها بعد ان اتضح انها لا طائل من ورائها سوى انهاء البلدين الشيعيين بشرياً واقتصادياً فكتبت (نظرات في الحرب والثورة) حيث رايت من الضروري العودة الى أصل الثورة وفلسفة اعلانها كمقدمة لمعرفة اهداف الحرب وماذا يراد منها والنتائج التي تمخضت عنها وكنت متحمساً لاستمرار الحرب أملاً بتحقيق النصر النهائي واردد كلمة القادة الايرانيين (السلم المفروض اسوأ من الحرب المفروضة) وكان هو يرى خلاف ذلك ليأسه من تحقيق ذلك الهدف فالاحجى هو الابقاء على ثروات البلدين وعدم اتلاف المزيد.

 

بعد هذا الاتجاه من التفكير بدات المرحلة الثالثة التي اتخذت منحى آخر يختلف تماماً عن سابقه فقد حركت بعض كلماته (قدس سره) في نفسي الشوق الى التكامل والسمو والسير في طريق تهذيب النفس. وقد كانت فترة عزلتي في البيت اعطتني دفعة في هذا الاتجاه فقد سكب الله تعالى عليَّ من الطمأنينة والسرور والهدوء ما يفتقر اليه المجتمع حولي للظروف العصيبة التي كانت تعصف به والكوارث التي حلت به بسبب الحرب، وشجعني (قدس سره) كثيراً في هذا الاتجاه فانه الهدف الاسمى وغاية الغايات.

 

وزادت تعليقاته وتوجيهاته على مقدار ما كنت ابعث اليه من صحائف وقد شحنت بالعواطف الجياشة لانه يرى ان السائر في هذا الطريق يحتاج الى صدر دافئ يحتضنه وبدأ اهتمامه بي يزداد وشوقه الى رسائلي يتاكد فقال في بعضها (عجباً لهذه العلاقة القلبية التي تجعلني انتظر رسائلك بفارغ الصبر) وكان شديد الكتمان لا يكتب الا ما يراه مناسباً فان اعطاء ازيد من الاستحاق ظلم كما ان اعطاء الاقل ظلم هذا رغم ايمانه بان (التربية المعنوية لا تؤدى بالكتابة وانما عن طريق اللقاء الشخصي والكلام وانما يكون ذلك بالتدريج البطيء حسب قابلية المتكلم والسامع، وهذا مما لا يتيسر فعلاً مع شديد الاسف ومع ذلك فاني سأكتب شيئاً مما لا اظنه يثقل عليك شخصياً).

 

وفي الرسالة الثانية طلبت منه في ضمن ما كتبت ان يترجم نفسه فكتب بعد الشعور بالخجل من الاهتمام بنفسه: (ولدت في السابع عشر من ربيع الأول (يوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عام (1362هـ) الموافق (23 آذار 1943)، لبست الزي الديني عام (1373 هـ) ودخلت كلية الفقه عام (1957) بقيت فيها خمس سنوات بعد امتحان قبول اجراه لي عميد جمعية منتدى النشر يومئذ الشيخ محمد رضا المظفر (رحمه الله).

 

درست السطوح قبل دخول كلية الفقه وبعدها على يد عدة اشخاص اهمهم والدي (رحمه الله) والسيد الصدر (قدس سره) والسيد محمد تقي الحكيم حفظه الله والشيخ صدرا البادكوبي (قدس سره).

 

درست الدروس الاستدلالية (الخارج) في الاصول عند كل من آية الله الصدر وآية الله الخوئي، وفي الفقه عند كل من آية الله الصدر وآية الله الحكيم (لفترة محدودة) وآية الله (…) الذي لا يفــوتـك تـذكــــره - يعني السيد الخميني (قدس سره)-.

 

لي اجازات (رواية) عن المعصومين (عليهم السلام) عن جماعة اُعدد لك من اتذكر منهم: والدي، السيد حسن الخرسان، السيد عبد الرزاق المقرم، الدكتور حسين محفوظ، السيد آغا حسين خادمي، ولم يحصل اني اجزت احداً الى حد الان. واعلى اجازاتي في الرواية هو ما صدر عن الشيخ آغا بزرك الطهراني صاحب الذريعة (قدس سره) وهو يروي بالمباشرة عن السيد حسن الصدر صاحب التكملة والشيخ النوري صاحب المستدرك وهما لهما اسانيد مفصلة وعالية عن المعصومين (عليه السلام).

 

وامــا اجــازات الاجتـهـاد فانا -بصراحة- لم احصل على واحدة منها ولم احاول ذلك اصلاً. ولكني اعتقد الآن باجتهاد نفسي نتيجة لخبرات وتجارب معينة مررت بها، وهو مدعم بظاهر كلام (السيد)([4]) في أواخر ايامه.

 

لم اشارك في (عمل)([5]) معين سوى اتباع (السيد) في كل ما يفعل ويقول وكان هو (قدس سره) ينصحني باتخاذ مسلك (العلماء) دون مسلك آخر، وبقيت افكر بنفس هذا الاتجاه العام وصدرت مؤلفاتي على غراره الى ان التفتُّ بتوفيق الله سبحانه الى عيوب نفسي وقلبي وضرورة التكامل من هذه الناحية وقد كان الالتفات في زمن السيد نفسه وقد احتجَّ عليَّ في حينه الكثيرون من الفضلاء (الواعين)([6]) حتى ان احدهم طلب مني المباهلة فأبيت بطبيعة الحال، ولعل الوحيد الذي كان يحترم مسلكي ويفهمه الى حد محترم هو (السيد) نفسه فجزاه الله خير جزاء المحسنين).

 

وفي ختام الرسالة التي استغرقت (21) صفحة قال ((واني قد دعوت لك بالخير واسأل الله سبحانه القبول وقلبي معك لا فرّق الله بين قلبينا كما فرّق بين بدنينا وجمعنا واياكم في مستقر رحمته ورفيع عظمته انه على كل شيء قدير)) وعندما سألته في رسالة لاحقة عن سبب عدم المشاركة في أي عمل قال ((اول ما عرض عليّ الامر وجدت ان (الحياة الحزبية) تجر المجتمع الى التناحر بين الاحزاب هؤلاء يقولون نحن واولئك يقولون نحن، الامر الذي بقي المجتمع ينوء تحت ثقله سنين طويلة وعشنا فيه تجارب مريرة، ومن الصحيح كما قالوا ان هذا الاتجاه يطمس -او يكاد- الانانية الفردية الا انه يؤكد الانانية الجماعية والحزبية. وهذا ضروري الثبوت في النفوس الناقصة والتي لم يتم تطهيرها وتهذيبها بعد.

 

والامر الآخر الاكتفاء بعطاء السيد نفسه فان عطاءه كان يمثل القمة في هذا الطريق ومن المنطقي ان اكتفي بالقمة عما دونها)) ثم ذكر اموراً اخرى.

 

وفي رسالة اخرى قــــال ان السيـــــد قـــال لي -بالمضمون- اتخذ مسلك العلماء المستقلين(1) فان الناس يحتاجون الى العلماء المستقلين كما يحتاجون الى العلماء (العاملين).

 

وكان مما يثير اهتمامي في كلامه (قدس سره) التفسير (المعنوي) للآيات والروايات الشريفة مما تستغرب غفلتك عنه رغم قربه بل لعلك تحس انه هو المعنى الوحيد فمن (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) يستنبط مطلوبية التسمية على كل اكل ومن (سؤر المؤمن شفاء) يفهم اثره المعنوي على النفس من خلال كلامه وافعاله ونظراته وغيرها فانها شفاء حتماً و(لا تطأون موطئاً يغيظ الكفار) النفس الامارة بالسوء فانها اعدى اعدائك وعدوك الذي بين جنبيك فلك في كل مخالفة لها اجر ولو بتأخير وجبة طعام او شربة ماء او حكة رأس -كما يعبّر-)).

 

ومن كلماته (ان اولئك الذين يحسبون انهم يحسنون صنعاً) هم الذين (يقدمّون) طاعاتهم ويؤكدون عليها ويتوقعون عليها حسن الجزاء بل منهم من يمن بها على الله سبحانه وعلى المعصومين ايضاً وهذا من اشد الاجرام في النظر (الخاصي) اعاذنا الله منه وقد رأيت منهم نماذج عديدة من كسبة ورجال دين وغيرهم.

 

واما (الندم) فهو للمؤمن لا للكافر، ان الكافر سوف يلهو بآلامه المبرحة في النار، واما المؤمن فسيعضُّ على شفته ندماً من انه قضى حياته الدنيا (وهي بيت الطاعة) يطفِّر كالقبّرة ولم ينل الا هذا المقدار من الثواب، ان ما ناله مهما كان ضخماً وعظيماً فانه مثل قشةٍ تجاه الدنيا وما فيها ازاء ما يرى من مقامات الاولياء.

 

وهذه المقامات تعرض عليه قليلاً ليعرف المؤمن ما فوته على نفسه ثم تخفى لقلة تحمله في النظر اليها)).

 

ذكرت له الرين على القلوب فقال بهذه المناسبة ((حبيبي: احمد الله سبحانه على مصائب مررت بها انا شخصياً لم يسبق لك المرور … تلك المصائب التي تضاعف الرين… الامر الذي يكون زواله اصعب الا ان يشاء ربي شيئاً، وتلك عدة امور اشير الى بعضها:

 

منها: اندراجي ضمن رجال الدين، ليس لانهم رجال دين اقصد ليس الاسف من اجل ذلك بل من اجل انني ساكتسب منهم (الشمخرة) والتعالي ومن ثم الاستكبار والفرعنة التي هي العدو اللدود في السلوك الصالح.

 

ومنها: اندراجي في الحوزة العلمية.. لا من اجل ذلك بمجرده ايضاً.. بل من اجل ايحائه بالكفاية العلمية والقدرة الفكرية والرضا عن المستوى الذي وصل او يمكن ان يصل اليه، في حين سمعنا قول الامام الحسين (عليه السلام) (وانا الجهول في علمي فكيف لا اكون جهولاً في جهلي).

 

ومنها: التفاتي الى امراضي المعنوية وضرورة مداواتها في وقت متأخر نسبياً، بل هو متأخر على كل حال. ومن النعم العظيمة على الفرد ان يبدأ سلوكه الصالح الحقيقي في العمر الاصغر والسن الاقل. فانه يكون له عدة مميزات: قلة الذنوب، قلة الرين، زيادة فرصة الطاعات، زيادة فرصة الجهاد الاكبر وما بعده، قوة الارادة عند الشاب وضعفها عند الشيخ وكلما تقدم العمر)).

 

وعندما ذكرت له امتناني له على هذه الرعاية والتربية علّق بقوله ((وانا بدوري ممتن لمن صار هو طريقي الى الهداية والحقيقة، فان الذي قام بتربيتي عدد من الناس اهمهم اثنان هما خير الخلق في اختصاصهم، ولا اعرف احداً غيري اجتمعت لديه هذه النعمة، احدهما السيد الصدر (قدس سره) الذي كان خير الخلق في (علمه) الظاهري. وثانيهما شخص آخر(1) كان خير الخلق - حسب اطلاعي- في مراتب اليقين واقصد بخير الخلق: من هو موجود في هذا الجيل طبعاً عدا الامام (عليه السلام)  وكلا هذين لن انساهما طيلة حياتي بل ارجو شفاعة هذا الاخير بعد وفاتي)). وكان ينقل بعض الكرامات التي تعبر عن مفاخر الاولياء الموقنين كمعرفة دخول الفجر ومعرفة المتوضئ من المحدث والسيد من العامي ونور الوجه من ظلماته ورؤية الموتى والاعتبار بهم او الاستفادة منهم ان كانوا عظماء وسماع تسبيح الملائكة.

 

ويقول ان اهداف السائر في هذا الطريق ليس تحصيل هذه الكرامات مهما عظم شأنها وانما هي من النتائج التي يمن بها الله سبحانه بحسب سعة رحمته وفضله وانما الاهداف المهمة هي رضا الله سبحانه وتعالى والتوحيد الخالص وولاية اهل البيت والحصول على القلب السليم، القلب الذي يشعر بكربة عندما يهم او يفعل (معصية) بالمعنى المناسب لمستواه وقال ان اول خطوة في هذا الطريق هو الالتفات الى عيوب النفس فينشغل الفرد عن النظر الى عيوب الآخرين.

 

وتكلم عن (احوال) و(مقامات) السائرين الى الله سبحانه وذكر بالمناسبة قصة طريفة ((ان احد الخطباء -واظن جداً انه الشيخ(1) الجد اليعقوبي (قدس سره)- كان خطيباً عند الشيخ النائيني (قدس سره) فكان كلما نزل عن المنبر قال له الناس: طيب الله انفاسك واحسنت، وقال له الشيخ النائيني غفر الله لك، فقال له بعد عدة ايام عن ذلك. فقال ما مضمونه: انك تنسب اموراً كثيرة الى اهل البيت (عليهم السلام) منها القطعي ومنها المظنون ومنها المحتمل ومنها الموهوم فاستغفاري لك انما كان لذلك، فاجاب الشيخ اليعقوبي (قدس سره) بما مضمونه: انه لو قلت في خطابتي ان هذا مظنون وهذا محتمل وهذا موهوم لما بكى احد.

 

ان (حال) الشيخ اليعقوبي هو حال: من بكى وابكى او تباكى وجبت له الجنة، واما (حال) الشيخ النائيني فهو انه ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد، ولا يجوز نسبة شيء الى اهل البيت (عليهم السلام) بدون (حجة) كاملة، ان كليهما معذور ومأجور امام الله سبحانه ان شاء الله سبحانه)).

 

وفي الرسالة الرابعة التي تزامنت مع ذكرى مرور سنة على بداية المراسلة ومع عودتي الى دارنا في بغداد بعد غياب دام سنة وثلاثة اشهر حيث توفرت لي فرصة اكبر للاستقرار ولمتابعة المنهج مع السيد (قدس سره) وعدت بالذكريات خلال هذه السنة وحجم النقلة التي شهدتها عقلياً وقلبياً ونفسياً ويكفي للتعرف على ذلك المقارنة بين اول رسالة وآخرها فشكرت الله سبحانه على هذه النعم وعلى توفير هذه الفرصة وفتح هذا الباب (باب السيد الشهيد الصدر (قدس سره) الذي غمر بعدئذ المجتمع كله بالبركات وكان يوصي في الجانب العملي بكثرة السجود والبكاء اما خوفاً من الله سبحانه أي اسفاً من الذنوب والعيوب وشوقاً الى السلامة منها واما حزناً على مصائب الامام الحسين (عليه السلام) الذي هو (رحمة الله الواسعة وباب نجاة الامة)، ويقول في الجانب القلبي ((ان من كانت طاعاته قلبية تكون ذنوبه قلبية ايضاً ويحاسب على الخطرات وتكون كربته منها شديدة حتى ياذن الله بالفرج ويجعل الله لعبده فرجاً ومخرجاً، ولعل في الطاعات العملية والقلبية المشار اليها ما يخفف من حدة ذلك او يزيله ولو نسبياً باذن الله تعالى)).

 

ويروي في هذا الصدد قصتين حصلتا له:

 

((الاولى: انه حينما قبض عليّ الظالمون في عام (1974م) واستمر ذلك خمسة عشر يوماً، مررت بمحنة في داخل السجن وبمحنة بعد اطلاق سراحي، فكان (رد الفعل) بفضل الله سبحانه: ان ذهبت الى الحرم الشريف وتنازلت هناك -في سري طبعاً- عن كل (مميزاتي) الدنيوية: علمي وشأني الاجتماعي واهمية اموالي واسرتي ونحوه ولكنني احسست بعد فترة انني لم افعل شيئاً على الاطلاق لانه (وهب الامير ما لا يملك) كما يقول المثل، بل ان هذا (التنازل) اقرب للذنب منه الى الطاعة.

 

الثانية: انني يوماً فتحت القرآن الكريم لاجد فيه منزلتي امام الله سبحانه او قل -بالتعبير الدنيوي- (رأي) الله فيَّ فخرجت هذه الاية من سورة الكهف: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً) ان كل هذه الآية مفهومة لي بحسب حالي يومئذ الا قصة (الكهف) الذي يكون من المطلوب ان آوي اليه، أي كهف هذا؟ وذهبت إلى الحرم العلوي على ساكنها السلام عسى ان ينفتح لي هناك عن هذا المعنى وبدات بزيارة (امين الله) حتى وصلت إلى قوله (عليه السلام): اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك راضية بقضائك إلى قوله: يا كريم، وقد حصل لي في تلك اللحظة (حدس) قوي بان الكهف الذي يجب ان ادخله هو هذا. أي ان تصبح نفسي على هذه الاوصاف وتجانب ما سواها. وقد عرضت ذلك على (مولاي)(1) فأقره وقال بصحته)). وقد طلب ان لا ارويهـــا عنــه الا بعــد ان يصلك نعيي -كما قال-.

 

وفي هذه الرسالة كتب بعض شعره ومنه قصيدة في الحث على السير الحقيقي الى الله سبحانه نظمها بتاريخ (22/2/1403) عدد ابياتها (62) مطلعها:

 

 

 

دع الامانيَّ وابدأ دربك الرحبا    

 

              فليس شيء على هذا الطريق كبا    

 

 

 

ويوجد نص القصيدة موجوداً ضمن رسائله (قدس سره) عندي.

 

ومما جاء فيها شرح لموقفه مع حركة السيد ابي جعفر (قدس سره) وتقييمه لها وكتب في ذلك حوالي ثلاث صفحات، وقال انه كتب رسالة في حوالي ثمانين صفحة عنوانها (السيد الصدر كما اعرفه) بناء على طلب من المرحوم السيد حسن القبانجي وقد ظل الاخير محتفظاً بها.

 

واستمرت المراسلات وكان لها محوران رئيسيان هما: الجهاد الاكبر والجهاد الاصغر في حدود الظروف التي كنا نعيشها وكانت عواطفه الجياشة تغمرني وكانت ازيد من استحقاقي ولكن طيبة قلبه وحسن ظنه كان يدفعه الى ذلك وهو صادق فيما يقول فقد صلى ذات مرة ركعتين استغفاراً لقوله (مشتاقين) لاحد الاخوة المؤمنين وقد التقى به بعد مدة فراق وهي كلمة تقال ويمكن ان يكون لها محامل عديدة الا انه خشي الا يكون صادقاً في كلامه، وتوالت تربيته العملية والقلبية وشرح وايضاح مفردات المنهج والتدقيق في مراقبة النفس فنقل عن بعض كتب الشيخ السبزواري: ((ان الفرد قد يشعر انه بين يدي الله عز وجل فلا يمد رجله تأدباً امامه تبارك وتعالى فانه اعظم الناظرين)).

 

وفي الرسالة المؤرخة (30/6/1987) اعلمته برغبتي في قطع المراسلة لموانع داخلية وخارجية وقد احترم (قدس سره) رأيي وقناعتي الا انه رغب بالتواصل ولو في السنة مرة معللاً ذلك بقوله (قدس سره): فان رؤية المؤمن ومحادثته ومراسلته تضفي نوراً على القلب بل ان مجرد تذكر اسمه له اثر ايضاً.

 

وفي شهر آذار (1988) انتقلت بسكني الى النجف واعرضت عن بغداد فصارت لي حرية اكثر في الحركة وكذا هو بعد ان خفَّ الضغط الخارجي واتضح اكثر بعد توقف الحرب مع ايران وصرنا نتلاقى في المناسبات الاجتماعية او في الشارع العام واحياناً ازوره (قدس سره) في داره.

 

وتزوجت في نهاية عام (1988) وبدأت حياة الكسب والعمل اما هو فقد عاد لممارسة دوره في الحياة الحوزوية والاجتماعية وبدأ يدرس سطح الكفاية في جامعة النجف الدينية على امل ان تكون حلقة الدرس نواة البحث الخارج الذي يعقده بعدئذ وأتم الجزء الاول من الكفاية ثم اعاقته احداث عام (1991) وتفرقت حلقته وهم ثلاثة طلبة او اثنان فاعتقل الشيخ طالب الخليل اللبناني ولم يعلم مصيره وهرب السيد عماد نجل السيد محمد كلانتر الى خارج العراق ولم اكن اعرفهما شخصياً لكني سمعت هذا الكلام منه.

 

وفي هذه المرحلة بدأ بتاليف كتاب (ما وراء الفقه) حيث عرض عليَّ فكرته وطلب مني المساعدة فيما يتعلق بالعلوم الاكاديمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك وكان يعرض مسودات كتابه لادققها له وفي حينه نشأت فكرة بحث (الرياضيات والفقه) فكتبته له وظل المخطوط عنده الى ان طبعه باسمي بعد سنين عديدة، وربما زارني الى محل عملي لايصال احد مسودات الكتاب او للتكليف بقضاء حاجة معينة وكان ولده المرحوم الشهيد السيد مؤمل اكثر اولاده صحبة له لعدة عوامل احدها انه يقود سيارته ولخلوه من بعض الموانع التي اعاقت حركة المرحوم الشهيد السيد مصطفى الذي اختفى مدة بسبب هروبه من الخدمة العسكرية ثم التحق بها، اما السيد مقتدى فالتحق بالدراسة الدينية في جامعة النجف قبيل الاحداث.

 

وقال لي (قدس سره) انه عاود اقامة الصلاة جماعة في الروضة الحيدرية الشريفة بعد انقطاعه عنها لعقد من الزمان وكان قد شغل المكان في تلك الفترة احد المحسوبين على النظام وهو (نوري الموسوي) فمانع الاخير بحجة ان هذا مكاني منذ ثلاث سنين فارسل اليه السيد ان هذا مكان الاسرة منذ خمسين سنة فحاول ذلك الرجل الايحاء الى السيد بانني قد اضرك من جهة السلطة لكن السيد (قدس سره) ثبت على موقفه بحزم وظل محتفظاً بالمكان.

 

وخلال ايام القصف الامريكي وحلفائها الذي امتد من ليلة (17/1/1991) حتى (28/2/1991) صادفت رحلة السيد الى ايران مع وفد ديني من علماء الشيعة والسنة لتحسين العلاقة مع القيادات الدينية في الجمهورية الاسلامية بعد ان تحسنت من الناحية السياسية وبعد عودته زرته في الدار وتحدث لي عن طبيعة زيارته واهدافها ونتائجها وقد اعلن عن بعض ذلك في احدى لقاءاته المسجلة ابان انتشار مرجعيته. 

 



 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

فـي الانـتـفـاضة 

 

 

 

كان الوضع الامني في العراق متسيباً خلال قصف الحلفاء للعراق فيما اسموه بـ(عاصفة الصحراء) والذي بدأ بعد منتصف ليلة (17/1/1991) بهدف معلن هو تحرير دولة الكويت من سيطرة القوات العراقية وفي الايام الاخيرة كنا لا نشعر بوجودٍ يذكر للنظام، نعم في بعض الحالات الطارئة كان يعززالنظام قبضته او يوحي بذلك على الاقل كما حدث في مراسم تشييع آية الله الشيخ محمد تقي آل الشيخ راضي وآية الله السيد يوسف الحكيم حيث اعتقل مجموعة من الشباب لم يلبثوا ان أُفرج عنهم في نفس اليوم بعد توسط سماحة آية الله الخوئي (قدس سره).

 

واعلن الحلفاء ايقاف الحرب يوم الخميس (28/2/1991) ومن حينه سرت في اوساط الشعب اخبار عن انطلاق مظاهرات معارضة للسلطة والناس بين مصدقٍ ومكذب لان الرعب الذي زرعه النظام في قلوب الشعب ما زال موجوداً نتيجة لاعماله الشنيعة وبطشه الشديد واعلن ان موعدها يوم الجمعة (1/3) ثم اجلت بسبب انشغال الناس بزيارة النصف من شعبان الى مرقد ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) التي صادفت ليلة السبت وكانت كربلاء مشتعلة بالعواطف الثورية المتأججة وساهم في تصعيدها وجود السيد الخوئي نفسه في الزيارة لكنه لم يستطع الوصول الى الحرم الشريف بسبب الازدحام وترقب الناس لمجيئه فاكتفى بالزيارة من سيارته خارج الصحن الشريف، لكن عدداً من الجماهير اتخذوا من آية الله المرحوم السيد حسين بحر العلوم رمزاً لاظهار الولاء للحوزة الشريفة وكان حاضراً وسط الجموع بعد ان لم تحظ بالسيد الخوئي (قدس سره).

 

وقد سبقت مدينة البصرة في حصول الانتفاضة حيث حصلت مواجهات مسلحة بدأها الجيش المنسحب من الكويت بكل مهانة واحتقار والذي نجا باعجوبة من قصف الطائرات الامريكية وحليفاتها التي كانت تحصد العراقيين وهم يلوذون بالفرار حفاة منهوكين حيث اعلنت القيادة العراقية الانسحاب من طرف واحد قبل ان يعلن الحلفاء وقفاً لاطلاق النار.

 

وحين دخول الناجين من هؤلاء مدينة البصرة حصل ارباك وفوضى فارادت القوات المرابطة بالبصرة وقوات الأمن والجيش الشعبي التي تدافع عن النظام والسيطرة على الموقف ومنع التدهور فحصل اشتباك مسلح حتى بالاسلحة الثقيلة بين الطرفين واشتعلت المواجهة واستمرت إلى مدن البصرة الاخرى.

 

واما النجف فقد انطلقت المظاهرات فعلاً ظهر يوم الاحد (3/3/1991) المصادف (16 شعبان 1411) ولم يكن الشعب مسلحاً بشكل معتد به الا ان معاقل السلطة في مركز المدينة كمديرية الشرطة وبعض مراكزها ومقرات الحزب سرعان ما تهاوت امام تضحيات الشعب الاعزل فغنم المجاهدون اسلحتهم ثم اتخذوا الصحن الحيدري الشريف مقراً للقيادة وباتت الانفاس محبوسة تلك الليلة فغداً يوم المواجهة بين الشعب والنظام الذي ما زالت الكثير من اوكاره كمديرية الامن ومقر الجيش الشعبي ومقر ادارة المحافظة قائمة.

 

وما ان حل صباح يوم الاثنين حتى انطلقت جماهير الشعب بموكب حسيني يردد شعارات الولاء والثار لأهل البيت (عليهم السلام) ويتقدم الموكب مجموعة من المسلحين وقد اعتلى بعضهم سيارة اطفاء وتابع الموكب سيره على شارع الكوفة الذي تقع عليه اكثر مراكز النظام كمديرية الامن ومقر قيادة الجيش الشعبي ومقر ادارة المحافظة مع بعض جيوب المقاومة لأفراد الحزب المغرر بهم الذين تحصنوا في بعض الابنية لمقاومة زحف الثائرين واخذ المجاهدون يطهرون الموقع تلو الآخر حتى تمت السيطرة عليها جميعاً عصر ذلك اليوم فعاد المجاهدون الى الصحن الحيدري الشريف ليحتفلوا بالنصر وتخليص المدينة المقدسة من براثن النظام.

 

وهنا بدأ التساؤل عن المرحلة التالية فلم تكن الانتفاضة مخططاً لها ولمستقبلها ولم تكن لها قيادة تذكر فكان من الطبيعي ان يلتجأ زعماء الحركة الجماهيرية الى علماء الدين وظنوا انهم سيستقبلونهم بالزهور لما حققوه من نصر لكن الامر كان بالعكس فقد قوبلوا - بحسب ما نُقِل لي- بالاعراض والجفوة والاستهجان والتقريع على هذه التصرفات.

 

واختفى كثير من ائمة الجماعة في بيوتهم ولم يبق احدٌ منهم مستمراً على صلاة الجماعة إلا السيد الصدر فيما اعلم حيث كان يقيم صلاة المغرب والعشاء في الروضة الشريفة وصلاة الظهر والعصر في مسجد الهندي وسارع الى اصدار بيان يدعو فيه الى نصرة الثورة الاسلامية المباركة في العراق وكان الاخ زيد البغدادي احد  المجاهدين المتحمسين ومن الساهرين على حماية الصحن الحيدري الشريف ولعله الذي استصدر هذا البيان من السيد لايمانه بجدارة السيد للقيادة ولكي يطرح اسمه على الساحة اذ لم يكن السيد معروفاً اجتماعياً او حوزوياً بشكل واضح وان كان اسمه لم يغب عن ذهن الواعين وان غاب شخصه عقداً من الزمان، وكان بيان السيد السبزواري (قدس سره) متحمساً ايضاً اما بيان السيد الخوئي فقد كان متحفظاً يدعو الى الحفاظ على النظام الاجتماعي العام وصيانة ممتلكات الشعب وعدم ارتكاب مخالفات للشرع المقدس ونشرت البيانات جميعاً في العدد الاول من الصحيفة التي اصدرتها قيادة الانتفاضة واستمرت اربعة او خمسة اعداد، وكنت احتفظ بها الا انني اتلفتها مع امور اخرى حينما اقتحمت قوات النظام بيوتنا للتفتيش.

 

وبعد يوم او اكثر ارسل اليَّ سماحة السيد سيارة من تلك التي غنمها الثوار من المؤسسات الحكومية وفيها ولده السيد مؤمل والاخ زيد البغدادي يدعوني للاجتماع به فذهبت فوراً والتقيت به في داره وقال ان الذي دعاني الى هذا اللقاء امران:

 

احدهما: ضرورة تعيين قائد مدني او قل سياسي للثورة ولا يمكن ان تبقى الامور بلا قرار سياسي بعد استقرار الوضع العسكري في النجف.

 

وثانيهما: ضرورة الاتصال بايران وطلب النصرة والنجدة منهم.

 

وحول الامر الاول فقد رشح الاخ الاستاذ محمد عبد الساعدي(1) لذلك المنصب ولكنه اعتذر من قبول ذلك وكان السيد (قدس سره) متوقعاً لذلك فأمرني بتولي المنصب في حال رفض الاستاذ محمد ذلك، فابلغت السيد بالخبر وقلت له ان الخطوة الأولى هي التعرف على العناصر الرئيسية في الانتفاضة ودراسة ان كان بالامكان التأثير فيهم بهذا الاتجاه.

 

وذهبت الى الصحن الشريف واطلعت على الوضع عن كثب فوجدت ان فرصة السيد في ممارسة دور قيادي بعيدة فقد كان الاتجاه العام نحو السيد الخوئي (قدس سره) ولا يمكن تجاوزه او تحييده واصبح القرار فعلاً بيد مكتب السيد الخوئي وبالذات السيد محمد تقي الخوئي (رحمه الله) ومارس شيئاً من ذلك خلال ايام الانتفاضة وأخبرت السيد بذلك وقلت له باختصار ان دور العلماء يتسم بالحذر الشديد بانتظار انجلاء الموقف قال ومن الذي يجلي الموقف ؟! أي اليس العلماء هم الذين يقومون بتسيير الامور وقيادتها نحو وجهتها الصحيحة وليس دورهم التفرج.

 

وفي احد الايام لم يحضر السيد الى صلاة الجماعة في الروضة الحيديرية وسألته بعدئذٍ فقال ان السيد الخوئي دعا مجموعة من علماء وفضلاء الحوزة ليخبرهم بعزمه على تشكيل لجنة لادارة شؤون المجتمع في هذا الوضع المتأزم ودار النقاش ست ساعات وقد اقترح ان يكون السيد الصدر منهم الا انه رفض وقال لي ان السبب هو انه علم ان هذه اللجنة يكون دورها هامشياً وانما الأمر والنهي بيد السيد محمد تقي نفسه الذي كان سكرتير اللجنة ورفض معه السيد حسين بحر العلوم والسيد مهدي الخرسان ووافق الآخرون وكان بعضهم حياءً من السيد الخوئي نفسه وهم جميعاً من تلامذته واتباعه (كالسيد محي الدين الغريفي (قدس سره) كما اخبرني هو فقد كانت تربطني به علاقة وطيدة وكان يائساً من استمرار الثورة فضلاً عن نجاحها بشكل كامل) وضمت اللجنة ايضاً السيد محمد رضا الخرسان والسيد عز الدين بحر العلوم والسيد جعفر بحر العلوم والسيد محمد رضا الخلخالي والشيخ محمد رضا شبيب الساعدي والسيد محمد السبزواري.

 

ولما بدأت قوات الحرس الجمهوري بالزحف على كربلاء ومحاصرتها نادى منادي الجهاد من اذاعة الانتفاضة ومقرها الصحن الحيدري الشريف وانطلق الآف المجاهدين من النجف باسلحتهم من مختلف الصنوف بما فيها الثقيلة وقد غنموها من قوات القدس التابعة للحرس الجمهوري التي كانت مرابطة حول مدينة النجف وكان في قيادتهم السيد عبد المجيد الخوئي وسبقهم العلامة الشهيد السيد محسن الغريفي فقرأ بيان السيد الخوئي من مكبرات الصوت في الحرم الحسيني الشريف وقال لي (رحمه الله) (وهو صهري والد زوجتي) انه رأى خلو شوارع مدينة كربلاء الا من المسلحين المستعدين للدفاع عن المدينة ونزح اغلب اهلها نحو الجنوب مروراً بالنجف وان الوضع متوتر.

 

وخرجت مع قافلة غير المسلحين اذ لم اكن احمل سلاحاً ولا متدرباً على استعماله وكان معي ايضاً الشيخ قاسم الطائي (وهو زوج اختي، وكان مقيماً معنا في البيت طيلة مدة الحرب ولم يكن قد ارتدى الزي الديني)، ولا انسى الروح الثورية الجامحة والرغبة في الاستشهاد او النصر التي كانت تنطلق من حناجر الثوار وهم يقطعون الطريق من النجف الى كربلاء بالاهازيج والشعارات بمن فيهم الصغير والكبير والشيخ الفاني والشاب وكنّا على طول الطريق نشاهد النازحين من كربلاء طلباً للنجاة وهم سائرون على الاقدام باتجاه النجف في ظل برد الشتاء وليس معهم الا ما خف حمله ويلّوحون بايديهم تشجيعاً للمجاهدين وكأنهم يخاطبونهم بقوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ …) حتى وصلنا مشارف كربلاء وانتشرت القوات في مراكزها اما نحن غير المسلحين فاعادونا الى النجف لعدم الحاجة الينا في المعركة ورجع هؤلاء على مضض وكلهم شعور بالخسران واخبرت السيد (قدس سره) - حيث كنت اواصل زيارته ومراجعته- بهذه التطورات فشعرت منه بعدم الرضا على زّج نفسي في المكان غير اللائق بي فلكلٍ دوره المناسب له ولما كتبت مقالاً حماسياً بعنوان (حيّ على الجهاد ايها العراقيون) الى صحيفة الثورة وسمعت بعض فقراته تتلى من الاذاعة المنطلقة من الصحن الشريف وسجلّت فيه بعض عواطف المجاهدين اخبرت السيد بذلك فرأيت علامات الارتياح عليه وان هذا هو العمل المناسب لي.

 

ولما شعر بعض زعماء المجاهدين ان الثورة بدأت تضمحل وتتميع في ظل هذه القيادة الدينية وقد جُردوا من الصلاحيات كما انهم لم يروا أي تفكير في توسيع الثورة الى بقية المحافظات والزحف نحو بغداد وتدعيمها أحسّوا بالحاجة الى قيادة (حركية) جديدة تجتمع فيها صفات الوعي والشجاعة والحزم والرصيد الاجتماعي فوجدوها متمثلة في شخص السيد الشهيد الصدر (قدس سره) ولا ادري ان كان ذلك باشعار من الأخ زيد البغدادي الذي كان معهم او غيره، المهم انهم التفتوا الى السيد (قدس سره) وعرضوا عليه الأمر فوافق عليه.

 

هذا وقد بدأت قوات الحرس الجمهوري بالزحف نحو مدينة النجف وبدأ قصف مدفعي بعيد يطول احياناً البيوت المتطرفة في شمال شرق المدينة (باتجاه مثلث الحدود بين النجف والحلة وكربلاء حيث عبرت القوات نهر الفرات جنوبي مدينة الكفل) كان ذلك بعد ظهر يوم الثلاثاء (12/3/1991) وفي يوم الاربعاء التالي وكانت اصوات قذائف المدفعية والدبابات تُسمع في ارجاء المدينة لكن من دون ان يطالها والشارع العام يتحدث عن معارك بالاسلحة الثقيلة وتراجع قوات الحرس الجمهوري الزاحف على النجف، أقول في ذلك اليوم صليت الظهر والعصر خلف سماحة السيد (قدس سره) في جامع الهندي وبعد انتهاء الصلاة أحيط بحماية مكثفة ورجال مسلحين وصيحات التكبير والتهليل والصلاة على النبي وآله تشايعه حتى الحرم الشريف ومذيع الانتفاضة يطلق كلمات الترحيب واستقبال الزعيم المجاهد سماحة آية الله السيد محمد الصدر وكنت ضمن المجموعة التي رافقته بعد أن صليت خلفه ولكن من دون ان اعلم بسر هذا التغيير الذي حصل اليوم رغم انه كان يخرج من المسجد يومياً بشكل اعتيادي من دون هذه الهالة والضجيج ومن غير حماية مسلحة.

 

وصعد السيد على سطح (الكشوانية) المواجهة لباب القبلة والناس تجتمع في الصحن الشريف وهم يقابلونه بالهتافات والقى كلمة ارتجالية مختصرة حث فيها على نصرة الثورة الاسلامية المباركة ودعمها والمشاركة فيها لعل الله سبحانه يرحم هذا المجتمع وينشر لواء الاسلام في ربوع هذا البلد المقدس.

 

ثم نزل السيد وركب سيارة (شوفرليت- جي.ام.سي) وصعدت معه وشخص آخر عرفني عليه السيد هو (عبد الرسول الكرمي) واكتظت السيارة بالمسلحين واوصلنا السيد الى داره وامرني بمرافقة الكرمي وقال انه سيعرفك على المطلوب، فاصطحبني الى بيته في الشارع الخلفي لدار السيد هذا وقد اشتدت اصوات القصف وبدأت بالدنو من المدينة فقال الكرمي: هذه قواتنا تحاصر قوات الحرس المهاجمة وقد امهلوهم حتى الساعة الواحدة ظهراً فاما ان يستسلموا او القضاء عليهم وبدأ الكرمي يشرح لي خطة الحركة بتشكيل مجموعة من اللجان تكون اشبه بالوزارات المصغرة واحدة للشؤون العسكرية وتشمل القوات التي بدأت الانتفاضة ولا زالت تقاتل في عدة جبهات واخرى لشؤون الدفاع المدني والمليشيات وأخرى لجنة الارتباط بالحوزة العلمية الشريفة والعلماء المجاهدين وأخرى اللجنة السياسية والاعلامية وأخرى لجمع التبرعات المالية ومساندة الثورة اقتصادياً، وكنت على رأس اللجنة السياسية والاعلامية، وأوكل اليَّ امر اختيار العناصر الكفوءة التي تنفع في هذا الاتجاه.

 

وغادرت بيته بعد انتهاء اللقاء والقذائف وشظاياها تنزل على المدينة كالمطر وازيزها يصك مسامعي والمسافة الى داري تحتاج الى ثلاثة ارباع الساعة بالسير الحثيث، وكنت قد تركت دراجتي الهوائية - التي كانت وسيلتي للتنقل يومئذٍ بعد خلو الشوارع من السيارات الا قليلاً بسبب نقص الوقود الناتج من قصف الحلفاء- قرب الصحن الشريف عند ما رافقت السيد الى بيته، وكثيراً ما أخذت وضع الانبطاح على الارض عند سماع ازيز القذائف.

 

وفكرت بالاسماء التي يمكن ان تساعدني في هذه اللجنة وعرض الأمر عليهم الا ان القصف اشتد بشكل منع من الحركة واستمر الأمر كذلك صباح اليوم التالي وانا مهتم بتنفيذ الأمر فاستخرت الله تعالى في ان اقصد احدهم فكانت النتيجة غير جيدة ولم اكن اعلم ان السر في ذلك اعتقال السيد الشهيد الصدر (قدس سره) ووأد القيادة الجديدة في مهدها فقد دخل الجيش مدينة النجف من جهة شمال الشرق يوم الخميس (14/3) واسترجع المراكز الرئيسية على شارع الكوفة ووصل الى جامعة النجف الدينية حيث كان السيد وعائلته مع السيد محمد كلانتر وعائلته وبعض طلبة الجامعة يختفون في السرداب تحاشياً للقصف واعتقلوا جميعاً وسيقوا الى منطقة الرضوانية في الضواحي الشمالية الغربية لبغداد حيث خصصت لاحتواء (المعارضة) وكان وفد السيد ومن معه أول الداخلين الى المعسكر المخصص لاعتقال القادمين من النجف اما المعسكر المعد لأهالي كربلاء فقد كان يغصّ بالمعتقلين - هكذا نقل لي (قدس سره)-.

 

وفوجئت ظهر الخميس وانا استمع الى الراديو بالمذيع يجري لقاءً مع السيد الصدر وتوقعت انه لقاء قديم اعلنوه للتمويه على المجاهدين الذين لا يزالون يقاومون حول بيت السيد الخوئي وقد حفروا الخنادق ووضعوا المتاريس لمواجهة القوات المهاجمة كما ان الصحن الحيدري وشيئاً من مركز المدينة كان لا يزال تحت سيطرة المجاهدين ولكنني لما انصتُ اليه وجدته جديداً فعلاً ويذكر احداث البارحة (ظهر الاربعاء) ويسأله المذيع عنها.

 

ولم تنته المقاومة الا يوم الأحد (17/3) بعد ان هددوا باستعمال الغازات السامة في مركز المدينة وهددوا السيد الخوئي ان استمرت المقاومة حول داره فطلب من المجاهدين التفرق عن الدار وايكال الأمر الى مدبره الحقيقي وكنت أرى من سطح الدار الطائرات السمتية (الهليوكوبتر) وهي تحوم حول منطقة بيت السيد الخوئي والصحن الحيدري وترمي بصواريخها.

 

وليس هذا محل ذكر ما حل بالمدينة واهلها من فضائع، اما السيد فقد اخبرني انه أُجري اللقاء التلفزيوني معه وهو بين مجموعة من الضباط بعضهم برتب عالية ثم حققوا معه وسجلوا بيانات كثيرة وأملوا صحائف عديدة وبعد ايام اطلقوا سراح السيد فطلب منهم امرين:

 

احدهما: اعفاء اولاده من الخدمة العسكرية.

 

وثانيهما: اطلاق سراح جميع من اعتقل معه ففعلوا ذلك الا (الشيخ طالب اللبناني) حسبما علمت.

 

وكانت نقطة القوة للسيد في التحقيق انه مجتهد مستقل وليس تابعاً للسيد الخوئي فهو ليس مشاركاً في قيادة الانتفاضة كما انه رفض الانضمام الى اللجنة التي شكلها (قدس سره) وكل هذه المعلومات انقلها عنه (قدس سره) بعد زيارتي له وفرح كثيراً بسلامتنا انا وابن عمي الشيخ حيدر وزيد وقد عبّر باسى عن ايام الانتفاضة قائلاً: بان الذين حولي لم يكونوا مخلصين الا اثنين وهما: زيد البغدادي ومحمد اليعقوبي.

 

وبعد استقرار الوضع لصالح النظام طلبوا من المحافظات ان ترسل وفوداً الى بغداد للاعتذار من (صدّام) وتجديد الولاء فاجبر السيد على ان يكون ضمن وفد النجف ولم يجد بداً من الموافقة فقد كانت حياته على خطر شديد وهو مدان في نظرهم بما اصدر من بيان وخطاب لنصرة الانتفاضة. 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

 

جامعة الصدر الدينية 

 

 

 

شعرت المرجعية الرشيدة بوجود عدة نقائص في النظام المتداول في الحوزة العلمية الشريفة وبقصور عن مواكبة تحديات العصر واستيعاب ثقافاته فمن تلك النقائص:

 

1- عدم وجود بداية واضحة للعام الدراسي ولا نهاية كذلك، فالزمان مفتوح لكل طالب في ان يلتحق متى شاء بحلقات الدرس الموجودة، وقد يكون قد فاته الكثير من المادة ولا يتمكن من تداركها فيحصل ارباك وخلل في مسيرة تحصيله العلمي.

 

2- عدم خضوع الطالب لنظام دقيق في التقييم لغياب آلياته كالامتحانات ونحوها فلا تعرف مستويات الطلبة ولا كفاءاتهم حيث يستوي الجميع في التلقي من الاستاذ اللهم الا من خلال بعض المناقشات التي تحصل.

 

3- لا يوجد نظام اداري لضبط تحصيل الطلبة وسلوكهم والتزامهم وتنظيم دروسهم وانما المسألة متروكة للطالب والمدرس في ان يفعلوا ما يشاؤون وفق امزجتهم، ولعدم وجود مثل هذه الادارة فلا توجد جهة يمكن ان ترعى الطالب خصوصاً المبتدئ لتنظم له الدروس وترعاه وتحلّ مشاكله، وقد يُمضي الطالب مدة طويلة لكي يعرف ماذا عليه أن يدرس ومن ثم لكي يحصل على مدرس للمادة وقد يكتشف ان هذا المدرس غير كفوء فيتركه ويبحث عن غيره وقد لا يتلقى العلوم بمراحلها التدريجية الصحيحة وكل هذه المشاكل لعدم وجود إدارة وجهة مشرفة توجهه وتأخذ بيده.

 

4- عدم وضع طرق صحيحة للتدريس يسير عليها المدرسون ولا خطة سنوية لتنظيم منهجهم في تدريس المادة، ونحن نعلم ان من المواد الاساسية للتعليم هي طرق التدريس ومناهجها وآلياتها وقد يكون لكل علم طريقة تناسبهُ غير الآخر وهذا الشيء غير موجود في الحوزة وإنما كل مدرس يعتمد على قابلياته ونظرته الخاصة.

 

5- غياب دروس اساسية ولها اهمية كبيرة في تكوين شخصية طالب العلوم الدينية الذي سيكون في يومٍ ما مصلحاً اجتماعياً وهادياً وقائداً للأمة كالاخلاق والتفسير والتاريخ وعلوم القرآن والحكمة والعقائد والوعي الاجتماعي.

 

6- اعتماد المصادر القديمة التي تفتقر الى المنهجية الفنية واحتوائها على مطالب لم تعد ذات قيمة او خارجة عن العلم الذي تبحثه وتعقيد عباراتها فينشغل بحل رموزها الطالب والاستاذ اكثر من انشغالهم في فهم المادة العلمية.

 

7- عدم الاستفادة من العلوم العصرية في المنهج الدراسي رغم وجود عدة ثمرات في تدريسها كالاطلاع على اسرار وحكم التشريع وتنقيح موضوع الحكم الشرعي وفهم الروايات بشكل دقيق في بعض الموارد وتساعد احياناً في تحديد الملاك الأهم عند التزاحم كما انها قد يستفاد منها احياناً في الاستنباط الفقهي نفسه(1) مما لا يمكن تحصيله بدونها.

 

8- عدم وجود آلية ناضجة لتدرج الطالب في تحصيل علوم تهيء ذهنيته لتقبل المطالب بشكل جيد لان المناهج الدراسية لم تؤخذ في وضعها هذا الامر وانما هي مؤلفات لاصحابها ثم جعلت مناهج دراسية.

 

9- الزام الطلبة جميعاً بالسير على منهج واحد من دون مراعاة لقابلياتهم ولرغبتهم في التخصص في حقل علمي دون آخر وعدم مراعاة حاجة الأمة والرسالة الاسلامية التي سيحملها الحوزوي الى مثل هذا التخصص.

 

10- عدم وجود ضوابط دقيقة لقبول الطلبة من حيث استعدادهم الذهني وسمعتهم الاجتماعية وتوزيعهم الجغرافي وثقافتهم العامة لهذا تجد التباين الواسع بين مستويات الطلبة وتغلغل الكثير من العناصر الفاسدة والضالة والمندسّة.

 

11- تصدّي كل من هبّ ودبّ للتدريس لعدم وجود رادع، لا ذاتي ولا خارجي ولا جهة مشرفة تقيّم الاساتذة وتوجه الطلبة للحضور عندهم.

 

12- ضعف النشاط الاجتماعي للحوزة سواء على مستوى التبليغ او التلاقح مع الجامعات او الحوار مع الحضارات او الديانات والتيارات الثقافية والفكرية الأخرى.

 

13- عدم التعرف على قدرات الطلبة العلمية والاجتماعية والفكرية مما ادى الى تصدي من ليسوا بأهل لمسؤوليات مهمة كالوكالة عن المرجعية الشريفة او ارتقاء المنبر الحسيني او إمامة الجمعة والجماعة.

 

وبقي السؤال الأهم انه كيف يمكن إصلاح كل نقاط الخلل هذه فان العوائق كثيرة ليس اهمها المانع الخارجي أي الاعداء المتربصين بالحوزة المراقبين لتحركاتها وتوجهاتها من ازلام النظام وغيرهم، وانما هناك مصاعب اخرى:

 

1- عدم وجود ادارة مركزية للحوزة تستطيع فرض قراراتها، فان المرجعية متعددة، والطالب يستطيع ان يمنح ولاءه لمن شاء ومتى شاء فاذا شعر ان مرجعية ما لا توافق اهواءه ومصالحه او تريد منه التزامات معينة فرَّ منها لتحتضنه أخرى وترفع عنه تلك القيود وينال الحظوة لديها.

 

2- عدم الشعور بالحاجة الى الاصلاح والتطور وهذا الشعور هو أول دافع للعمل.

 

3- وجود المنتفعين من هذا الخلل وذوي المطامع وأهل المصالح والاهواء وكثير منهم ممن توصل الى حاشية المرجعية واصبح مؤثراً فيها.

 

4- عدم وجود الكفاءات العلمية الكافية التي تستطيع تنفيذ هذه الاصلاحات وتحويلها من حيز النظرية الى التطبيق بتأليف المناهج واتباع الاساليب المقترحة للاصلاح والقيام بالمسؤوليات المتعددة.

 

لهذه الاسباب وغيرها فشلت دعوات اصلاحية كثيرة حاولت مرجعيات متعددة ان تقوم بها لكن رسوخ الحالة الحوزوية ودفاع المتحجرين عنها اجهضها ولم يُعد بمقدور حتى المرجعيات المهمة ان تُحدِث ثورة اصلاحية في الحوزة، من هنا كان العلاج الانسب هو الاصلاح التدريجي، بمعنى اتخاذ مدرسة نموذجية تطبّق فيها الاصلاحات ويُقبل فيها طلبة بمواصفات خاصة وتدار بادارة كفوءة وتوفر فيها امتيازات اضافية وتوضع لها مناهج دراسية متكاملة ولو عن طريق تأليف كتب جديدة او تبديل كتب دراسية متعارفة وبعد نضجها وتكاملها تتوسع الى مدرسة أخرى وهكذا حتى تشمل تدريجياً أغلب مدارس الحوزة الشريفة من دون ان تثير غضب وحساسية الآخرين، وحملت هذه المدرسة النموذجية اسم (جامعة الصدر الدينية) وفاءً لصاحب الفكرة الأصلية وهو الشهيد الصدر الأول (قدس سره) ولمن نفذ الفكرة وأسس الجامعة وهو الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) عام (1417).

 

لكن المشروع بقي في مكانه ولم يكن بمستوى الطموح حتى كان يوم الثلاثاء (21 صفر 1419) حيث استدعاني سيدنا الاستاذ الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) وقال لي: ان جامعة الصدر لا يستطيع أحد ان يتقدم بها غيرك وقد كانت تحوطها قبل الآن الكثير من المشاكل وقد زالت الآن فاستجبت لرغبته وتسلّمت إدارة الجامعة على بركة الله تعالى طالباً التسديد منه جلّت وعظمت قدرته.

 

وقد سعيت بمؤازرة الطلبة والاساتذة الذين لم يبخلوا عليَّ بالنصيحة واستفدت من افكارهم النيرة فحققنا في الجامعة من الاعمال ما لا يوجد في غيرها من مدارس الحوزة على عدة محاور:

 

الأول: الأداري: فللجامعة عميد يرعاها ويدبّر امورها وله معاونون:

 

أحدهم لشؤون المدرسين والمنهج الدراسي: ومهامه اختيار المدرسين الكفوئين وتزويدهم بالخطة السنوية للدراسة ومتابعة التزامهم بها وقضاء حوائجهم وتوفير امتيازاتهم وتقييم المناهج الدراسية لتغيرها او استحداث غيرها بحسب ما تمليه المصلحة والتجربة.

 

ومعاون لشؤون الطلبة: يستمع لمشاكلهم واقتراحاتهم ويقضي حوائجهم ويوفر السكن والرواتب والمساعدات لهم ويتابع التزامهم بالتحصيل الدراسي ويتخذ الاجراءات المناسبة بحق غير الملتزم بالنظام الداخلي للجامعة، ومن طريف انجازات الجامعة بهذا الصدد إنشاء صندوق المظالم والمقترحات، الذي يحق للطلبة وضع مظالمهم وانتقاداتهم ومقترحاتهم تجاه الادارة والاساتذة او أي جهة أخرى من دون ذكر اسم الكاتب اذ ربما يمنعهم عن البوح بها الخجل ونحوه، ويفتح الصندوق اسبوعياً ليُنظر فيما فيه وتتخذ الاجراءات المناسبة.

 

ومعاون لشؤون البناية: حيث يتولى رعاية بناية الجامعة وصيانتها وتوفير مستلزمات الدراسة فيها، ويحافظ على وقفيتها إن كانت فيها وقفية خاصة.

 

ومعاون للوثائق والمستندات: يحتفظ بالاضابير الشخصية للطلبة والحاق كل الوثائق المتعلقة بهم من تكريم او انذار وشهادات تقييمهم خلال مراحل الدراسة والوثائق والبيانات الخاصة بالجامعة ككل.

 

ومعاون للشؤون المالية: يتولى تعيين الرواتب للاساتذة والطلبة والموظفين بحسب ضوابط الجامعة، وتقديم القروض للمحتاجين وتنفيذ اوامر المساعدات واستقطاع الديون وضبط سجلات الأموال الواردة والمصروفة.

 

وكل من هؤلاء يرتبط بالعميد مباشرة ويطلعه اسبوعياً على تفاصيل عمله.

 

الثاني: قبول الطلبة: وضعت شروط لقبول الطلبة بأن يكون حاصلاً على شهادة جامعية ولا يتجاوز عمره (28) سنة ومعروف بحسن السيرة والسلوك بشهادة وكلاء المرجعية الشريفة، وتُجرى له مقابلة يشرف عليها العميد نفسه لاختبار ثقافته وافكاره وأهدافه، وتلاحظ عوامل أخرى في القبول كالتوزيع الجغرافي والنشاط الاجتماعي، وليس لعدد الطلبة المقبولين حد ثابت وإنما تحددّه الحاجة والامكانيات المتوفرة والظروف المحيطة.

 

الثالث: التقييم والامتحانات: يجرى للطالب امتحانان شهريان في كل فصل وامتحان نهائي في آخر الفصل حيث تقسم السنة الى فصلين وتتوزع درجة الطالب النهائية على الامتحان النهائي والشهريين وسعيه ومشاركته اليومية في الدروس، ويوجد امتحان للدور الثاني وهو للطلبة الذين لم يحالفهم النجاح في الدور الأول، وقد يُرقَّن قيد الطالب من الجامعة اذا لم ينجح بنصف الدروس على الأقل، ويُكَّرم الطلبة المتفوقون بجوائز مالية وعينية مناسبة.

 

الرابع: مراحل الدراسة ومفردات المنهج الدراسي: قسمت الدراسة الى ثمان مراحل يتأهل الطالب بعدها لحضور البحث الخارج ويُمنح الطالب قبلها شهادتان: الأولى، بعد نهاية المرحلة الثالثة تؤهله لاداء وظيفة التبليغ والوعظ والارشاد وإمامة الجمعة والجماعة والوكالة عن المرجعية الشريفة وإرتقاء المنبر الحسيني. وفي نهاية المرحلة السادسة، ينضم الى (مدرسي الحوزة العلمية)، حيث يتأهل لتدريس المقدمات والسطوح الابتدائية والمتوسطة.

 

وقد ضمّ المنهج الدراسي مناهج حديثة كحلقات الشهيد الصدر الأول في الأصول وبداية الحكمة ونهايتها للسيد الطباطبائي والعقائد والالهيات للسبحاني ومصباح اليزدي، كما اضيفت للمنهج مفردات غيبّها النظام المتعارف في الحوزة كعلوم القرآن وتفسيره وعلم الرجال والقواعد الفقهية والتاريخ والاخلاق وعلم الحديث والفكر الاسلامي وبعض العلوم العصرية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، وقد تعثّر تدريس المواد الثلاثة الأخيرة لعدم نضج مناهجها.

 

الخامس: مواعيد الدراسة ومدتها: مدة الدراسة ثمان سنين حيث تستغرق كل مرحلة سنة هجرية تقويمية تبدأ في العشر الاواخر من محرم وتنتهي في نهاية شهر ذي الحجة ويكون شهر رمضان والعشرتان الأولى والثانية من محرم عطلة إضافة الى ايام وفيات المعصومين (عليهم السلام) وبعض المناسبات الدينة المهمة والخميس والجمعة من كل اسبوع.

 

يستمر تقديم طلبات الانتماء خلال شهري ذي القعدة وذي الحجة حيث تعلن في نهايتها اسماء الذين ستجرى مقابلتهم خلال النصف الأول من محرم الحرام.

 

السادس: النشاط الثقافي والاجتماعي والانساني: انكمش نشاط الحوزة الفكري والاجتماعي خلال السنين المتأخرة بحيث لم يعد يوجد في النجف عدد الاصابع مما يكتب في هذه القضايا فتولت الجامعة رعاية الاقلام الفتية وتوجيهها وإنضاجها حتى برز عدد من الكتاب ساهموا مع عميد الجامعة في اصدار العشرات من الكتب التي ساهمت في رصد وتشخيص الامراض والظواهر الاجتماعية المنحرفة ومعالجتها باسلوب مقنع يمزج الحكم الشرعي بالموعظة والنصيحة وبالدراسة والتحليل للاسباب والنتائج، فكان لهذه الاصدارات الأثر الكبير في إصلاح المجتمع ورفده بالوعي الديني وسد الفراغ من هذه الجهة.

 

ومن النشاطات الانسانية، تأسيس صندوق (الزواج رحمة) الذي يقدّم تسهيلات مالية على نحو القرض والمساعدة لتشجيع الزواج وقد ذُكرِت تعليمات الصندوق قي كتاب (الزواج والمشكلة الجنسية).

 

وتوجد تفاصيل كثيرة عن المشروع نظرية وتطبيقاً في كتاب (المعالم المستقبلية للحوزة العلمية). 

 



 

 

 

الفصل الرابع

 

 

 

ليلة الالتحاق بالملأ الأعلى 

 

 

 

اعتادت الحوزة والمتشرعة الذهاب الى كربلاء ليلة الجمعة لزيارة مرقد الإمام ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) لما فيها من الفضل العظيم وكُنا ممن وفقهم الله تبارك وتعالى لهذا الالتزام الشريف فذهبنا كعادتنا عصر الخميس (2 ذ.ق 1419) المصادف (18/2/1999).

 

وعلى مشارف مدينة النجف وجدنا طوقاً من المدفعية الثقيلة قد احاط بالمدينة المقدسة متخفياً وراء السواتر الترابية وقد وجهت فوهات المدافع نحو المدينة وطلائع من الآليات والجنود التي تنبئ على وجود قطعات عسكرية في عمق الصحراء فرابنا الموقف وسألنا عن ذلك فقيل: انها ربما كانت احتياطات عسكرية لان العراق كان يومئذ في ازمة مع الولايات المتحدة وبريطانيا فيخشون من حصول غارات على المدن العراقية، لكننا رددنا عليهم: لو كان الأمر كذلك لكانت فوهات المدافع متجهة الى حيث تأتي الطائرات المغيرة دفاعاً عن المدينة وليست موجهة الى نفس المدينة فانقطع الجواب وعدنا ليلاً الى النجف.

 

وفي صبيحة اليوم التالي الجمعة (3 ذ.ق) ذهبنا الى مكتب السيد الشهيد (قدس سره) الذي كان مقابل الصحن الشريف من جهة باب القبلة وكنت اجلس يومياً في غرفة خاصة مقابل الغرفة التي اتخذها السيد نفسه للاجابة عن اسئلة الناس وقضاء حوائجهم بعد ان اتسعت مرجعيته (قدس سره) في الاشهر الأخيرة وازداد زحام الناس فلم يبق له وقت لهذه المسؤولية فحولها عليّ وبقي هو (قدس سره) لادارة الأمور العامة.

 

وقد شهدنا مدينة النجف على غير العادة فالقوات العسكرية منتشرة في كل مكان والأجواء مكهربة وتساءلنا مرة أخرى عن سر ذلك فقيل ان اليوم (19/2) وهو اليوم الذي تحتفل به المدينة رسمياً كيوم للمحافظة، لكننا قلنا ان هذه المناسبة ليست جديدة ولم يكن يحتفل بها بهذه المظاهر من قبل.

 

وفي كل يوم كنا نبقى في مجلسنا العام في المكتب حتى يرتفع آذان الظهر فندخل مع السيد الشهيد (قدس سره) الى الحرم الشريف لنؤدي صلاة الظهر جماعة الا يوم الجمعة فنغادر المكان قبل الظهر بأكثر من ساعة للذهاب الى مسجد الكوفة المعظم لاداء صلاة الجمعة المباركة المقدسة بإمامة السيد الشهيد (قدس سره) حيث كان يحجز مكان خلف الإمام مباشرة لاعضاء المكتب فان اغلب الصفوف المتقدمة تشغل من وقت مبكر منذ الفجر.

 

وذهبنا الى المسجد المعظم وكالعادة كانت النجف تموج بالمؤمنين الذين يقدمون من كل مدن العراق فيحجزون اماكنهم في صلاة الجمعة بفراش ونحوه ثم يأتون لزيارة امير المؤمنين ومرجعهم الشهيد ثم يعودون الى الصلاة المباركة وكذلك السيد نفسه (قدس سره) يذهب الى المسجد قبل الآذان ويبقى في محراب أمير المؤمنين (عليه السلام) يتعبد ويتأمل ويتهيأ حتى ينتهي المؤذن من آذانه فيأتي الى محراب صلاة الجمعة حيث يخلع عبائته ويرتدي البردة البيضاء التي تشبه احدى قطع الكفن ويتقدم الى المنصة المواجهة لجمهور المصلين ليلقي خطبتي الصلاة.

 

وكنت هذه المرة في الصف الأول الى يمين الامام فيمر طريقه بين محراب امير المؤمنين (عليه السلام) ومحراب صلاة الجمعة عليَّ فسلّم سلامه العام اثناء مروره واحاطني بسلام خاص بعينيه شعرت منه بمعنى خاص لم افهمه.

 

لكني فهمت معناه بعد ساعات فقد كان سلام تحميل للمسؤولية الثقيلة وسلام وداع رغم ان فرص اللقاء به يُفترض ان تكون ما زالت موجودة قبل ساعة استشهاده فقد كان يجلس مجلساً ليلياً عاماً يوم الجمعة بعد صلاة المغرب والعشاء وكنت احضر في المكتب لاداء وظيفتي التي ذكرتها قبل قليل الا انني لم اذهب في تلك الليلة لمانع، فقد جرحت يدي اثناء ادائي لبعض الاعمال البيتية قبيل المغرب ولم ينقطع الدم حتى اجدد الوضوء حتى صار الآذان فلم اذهب لصلاة الجماعة في مسجد الكرامة الذي كنت اقيم الجماعة فيه منذ عام (1416) ومن ثم لم اذهب الى المكتب في تلك الليلة فشاء الله لذلك الجرح البسيط ان يمنع من حصول امرٍ الله يعلمه.

 

وبعد المغرب بساعتين وعند عودته (قدس سره) الى داره حصل الاعتداء الاثيم عليه قريباً من داره في مكان لا يبعد كثيراً عن بناية مدرسة البغدادي التي هي مقر دراسة طلبة جامعة الصدر الدينية فوصل اليهم الخبر مباشرة حيث سمعوا اطلاق الرصاص فاسرع اليّ اثنان هما الشيخ نديم الساعدي معاون العميد لشؤون الطلبة والشيخ علي خليفة من طلبة المرحلة الثانية يومئذ وقالوا ان الناس تتحدث عن عملية اغتيال للسيد (قدس سره) والاخبار متضاربة عن حالته فاسرعت الى الهاتف لاتصل ببيت اولاد السيد (قدس سره) السيد مصطفى والسيد مؤمل (رحمهما الله تعالى) فلم اجد من يرد على الهاتف لان اولاد السيد (قدس سره) وعوائلهم يجتمعون في بيته (قدس سره) حتى الليل يوم الجمعة فذهبت فوراً الى بيت الشيخ حيدر اليعقوبي لاستطلع منه فوجدت الاخبار المتضاربة لكني علمت منه ان السيد (قدس سره) الآن هو في المستشفى الرئيسي في البلد فذهبت فوراُ الى هناك وكانت مطوقة برجال الأمن والباب موصدة بوجه المئات من طلبة العلم والمؤمنين الذين هرعوا الى المستشفى لاستطلاع الخبر واقتربت من الضابط المشرف على الباب وعرفته نفسي وطلبت الدخول فاستمهلني حتى يراجع المقدم فلان الذي كان مشرفاً على القوة الموجودة في المستشفى فاذن لي شرط تخلّي الناس عن الزحام على الباب وتفرقهم عنها فالتمست منهم ذلك فاستجابوا لي على ان اعود لهم بالخبر الصحيح وكانوا يتوسلون الى الله تعالى بالادعية المأثورة للاطمئنان على سلامة السيد (قدس سره) ودخلت الى جناح الطوارئ وكان هناك السيد مقتدى والسيد سلطان كلانتر صهر السيد (قدس سره) وآخرين من اعضاء المكتب وحاولت الدخول الى غرفة العمليات للتأكد من حالة السيد (قدس سره) فمنعوني لكن الوضع كان يشير الى انتهاء كل شيء فان السيد (قدس سره) وولده السيد مؤمل قضيا نحبهما فوراً اما السيد مصطفى فقد بقي يعاني النزعات الأخيرة ورأيت على يديه بعدئذ اثر (الكانيولا) التي تشد في عضد المريض ليزرق فيها العلاج فانسحب السيد مقتدى وعدد من الاخوة الموجودين الى الدار ليكون قريباً من والدته المفجوعة وبقينا نحن في المستشفى حتى استدعينا الى غرفة الطبيب لاملاء المعلومات عن الشهداء التي تأخذ عادة حين تنظيم شهادة الوفاة كل هذا ونحن لا نريد ان نصدق بالوفاة ونمني انفسنا بالسلامة وان الله قادر على كل شيء.

 

ولم اكن استطيع ان اخرج الى الناس الذين ينتظروني في الخارج لاني لا ادري ماذا اقول واما السيد مقتدى فخرج صامتاً غير ان الشيخ علي البهادلي (المشرف على شؤون العشائر) اشار لهم بما يفهم منه وقوع الحادث الاثيم، وبقينا اكثر من ثلاث ساعات على هذا الحال: نحن واجمون صامتون في المستشفى وممنوعون عن الوصول الى الاجساد المضرجة بالدماء والمخلصون خارج الباب ترتفع اصواتهم بدعاء الفرج وتردد آية (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) وقد اغلقت الشوارع العامة ومنع التجوال وكنّا لا نرى ولا نسمع في الشارع الا اصوات صفير السيارات العسكرية من جيش وشرطة وقوات الامن والامن الخاص التي كانت تترى طول الوقت على النجف من اتجاه بغداد.

 

وأُجِّل اعلان الخبر رسمياً احتياطاً حتى تتكامل قواتهم وفي الساعة الحادية عشر ليلاً استدعي جماعة منا (السيد حسين كلانتر والشيخ محمد النعماني) الى بناية المحافظة وحاول المسؤولون الايحاء بخبر الوفاة والطلب منهم السيطرة على المشاعر لكنهم لم يطمأنوا الى قدرتهم على اداء هذا الدور فاجلوا اعلامهم صريحاً بالخبر وطلبوا منهم احضار احد كبار رجال الحوزة الى هناك لكي يتحمل مسؤولية تسلم الاجساد الثلاثة فحاول البعض الاتصال بالسيد محمد كلانتر والسيد حسين بحر العلوم (رحمهما الله) فرفضا فحاولوا مع السيد علي البغدادي الذي كان قد تصالح قبل ايام مع السيد (قدس سره) فلم يفتح لهم الباب وكلمهم من وراء الشبابيك فضلاً عن الاستجابة لطلبهم ففشلت المحاولات.

 

وصارت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل الشتوي الطويل واعيد استدعاء مجموعة منا مرة اخرى الى مبنى المحافظة حيث كان يتجمع كبار المسؤولين الرسميين متحسبين لاي طارئ وقد اخبروهم هذه المرة صريحاً بنبأ استشهاد الثلاثة واشترطوا علينا تفريق الناس قبل تسليم اجساد الشهداء فقررنا ان اخرج واقنع الناس بذلك ثم نعود لتسلم الشهداء.

 

والى الان لم اصدق كيف تمالكت نفسي -وانا ذو العواطف الجياشة- فلم تذرف عيني ولم يتلعثم صوتي وانا اخرج الى الناس في الساعة الواحدة والنصف من تلك الليلة من ليالي الشتاء القارس المهيئة للمطر بين لحظة واخرى واطلب منهم التفرق والعودة صباحاً ليعلموا حالة السيد (قدس سره) ونجليه ولم أصرح بالنبأ رغم اصرار البعض وركبت السيارة عائداً الى البيت ووفرّوا هم للناس سيارات لنقلهم فقد كانت الشوارع مطوقة ولا احد يستطيع المرور فيها الا السيارات الرسمية بل ان سيارة النقل الكبيرة التي نقلت طلبة الحوزة اعتقلت قرب الصحن الشريف واقتديوا الى مديرية الامن ولم يطلق سراحهم الا بعد حصول القناعة بان الدولة هي التي امرت بنقلهم من المستشفى الى قرب الصحن الشريف ليعودوا الى مدارسهم الدينية، وهو ما حدثني به أحدهم وهو الشيخ علي حميد الذي كان يومئذٍ مديراً لمكتب السيد الشهيد (قدس سره) ويساعده الشيخ علي صادق.

 

وما ان ابتعدت عن المستشفى مسافة حتى اطلقت العنان للعواطف والآلام التي كانت حبيسة في صدري فاجهشت بالبكاء الحار وبصوت مرتفع ولم اكن قد اخبرت من معي بالسيارة بالخبر فشاركوني البكاء حتى وصلت الى البيت حيث مكثت اقل من ساعة وعدت بعدها الى المستشفى وكان هناك ايضاً مجموعة من الطلبة فحملنا الاجساد الطاهرة في سيارة مكشوفة وركبنا في ثلاث سيارات شخصية وترافقنا حوالي اربعين سيارة ما بين صغيرة وكبيرة تحمل القوات المدججة بالسلاح وذهبنا في موكب صامت حزين الى المغتسل وقد أذن ولده السيد مقتدى بأن أتولى انا الصلاة على الاجساد الطاهرة والاشراف على باقي التكاليف الشرعية وبقي هو وعدد آخر في الدار، حيث باشر مجموعة من الطلبة على رأسهم السيد محمد الصافي مباشرة الغسل ولم يسمح لاحد من المنافقين من الدخول الى المغتسل فبقوا خارجه لكنهم قلقون من مرور الزمن اذ كانت الاوامر موجهة اليهم من قبل السلطات باتمام الدفن قبل حلول الفجر لكن الغسل تأخر بسبب نزف الدماء التي لم تنقطع من جسد السيد (قدس سره) ورأسه وكانت الاصابة في جبهته قاضية وقاسية ويبدو انه اصيب بوابل من الرصاص وجِّه الى جبهته حيث خرج الرصاص من مؤخره تاركاً حفرة عميقة تدخل منها قبضة اليد وقد انتزعت معها اكثر اجزاء رأسه حيث كان رأسه الشريف ككيس من الهواء تستطيع ان تضغطه كيف تشاء وليس جمجمة عظمية ورصاصات اخرى على بدنه الشريف وكان جسد السيد مؤمل (رحمه الله) غارقاً بالدماء ايضاً ويبدو وقد جفّ جسمه من الدماء ولم يمكن تكفينهم والحالة هذه فلّفت اجسادهم بقطع نايلون كبيرة وكفنوا عليها بعد ان ملأت جروحهم بالقطن لكنها لم تنفع في قطع الدم.

 

ويشهد الله بدون مجاملة ولا عاطفة ان وجه السيد (قدس سره) كان يشرق نوراً وكأنه حي، وقد استمرت عملية التغسيل حتى حان موعد صلاة الصبح فصلينا في المغتسل في حين كان اولئك المنافقون على اشد من الجمر ويلحون علينا بين وقت وآخر بضرورة التعجيل حيث علمت بعدئذ من بعضهم ان قصي صدام كان على خط هاتفي مفتوح يتابع معهم التطورات وكان يأمرهم بالاستعجال وانهاء الأمر تحت جنح الظلام وبعد انتهاء الغسل حملنا الاجساد الثلاثة الى الصحن الشريف ووضعت في الرواق في نفس المكان الذي كان يقيم فيه السيد (قدس سره) صلاة الجماعة ولم نطف بها حول الضريح المطهر تنفيذاً لرغبته (قدس سره) التي سمعتها منه (قدس سره) فقد كان يستشكل (معنوياً) من هذا الفعل -أي اطافة الجنائز حول الضريح المقدس- ويقول كيف بي لو مِتُّ ولا استطيع منع من يطوف بجسدي على الضريح وتقدمت للصلاة عليه باذن ولي الفقيد وصلى خلفي بحدود خمسة عشر من اخواني الطلبة في حين كان بعض المنافقين ينظرون الينا وبقي الآخرون منهم خارجاً.

 

وبعد اتمام الصلاة حملناهم الى المقبرة الجديدة في النجف حيث كان (قدس سره) قد اشترى ارضاً هناك لتكون مدفناً له ولذويه وبدأنا بدفن الجسد الطاهر للسيد (قدس سره) واهلنا عليه التراب ونحن لا نتصور كيف يمكن ان يضم قبر هذا الرجل الذي ارعب اعتى الطواغيت واشرسهم ولا زلت اتذكر -وكيف انسى- آخر نظرة القيتها عليه (قدس سره) وهو يفترش التراب في لحده مستقبل القبلة على جانبه الايمن، وقد نزل في لحده المرحوم الشهيد الشيخ علي الكعبي إمام جمعة مدينة الثورة في بغداد الذي قدم الى النجف فور سماعه الخبر فنال شرف المشاركة وكـان معنــا المرحــوم الشهيد الشيخ حسين المالكي -الذي كان ملتفتاً الى بعض السنن الشرعية في مثل هذا الحال- والمرحوم الشهيد الشيخ محمد النعماني والسيد سلطان والسيد حسين ابنا السيد محمد كلانتر والشيخ عباس الربيعي والشيخ علي البهادلي وآخرون لا استحضر اسماءهم.

 

وبدأت السماء تمطر مطراً منهمراً وكأنها تشاركنا المصاب وتذرف معنا الدموع وطلبت من السيد محمد الصافي ان ينشدنا -وهو صاحب الصوت الشجي- ابياتاً في رثاء الحسين (عليه السلام) ونحن نهيل التراب فانشد -ونعم ما انشد- عينية الجواهري:

 

 

 

شممت ثراك فهب النسيم

 

                       نسيم الكرامة مــن بلقــــع

 

 

 

والكل يبكي والبعض يأخذ من تراب القبر ويدخره لقضاء حوائجه بما فيهم بعض الضباط والجنود الذين كانوا شاهرين اسلحتهم على رؤوسنا وقبل ان نواري جسدي الشهيدين السيد مصطفى ومؤمل (رحمهما الله) انسحب محافظ النجف ليزف بشرى‍‍!! انتهاء عملية الدفن بسلام !! الى سيده قصي ثم ووري الجميع الثرى وشمس يوم السبت ازفت على الشروق لتنهي اعظم ليلة عشتها وعدت الى منزلي وانا مثقل بالاحزان وارخيت لعيني حتى تفرغ ما تبقى من دموع.

 

ولم تكن مدينــــة النجــف بمستـوى الحدث فقــد رأيت -حين عودتي صباح السبت الى البيت- الاسواق مفتحة والاعمال جارية والحياة عادية جداً ربما لان الخبر لم يصل اليهم بعد لكن الله تبارك وتعالى شاء ان لا يمر الحدث هكذا بل ان يعيش المجتمع والمدينة واقع المصاب الاليم فقد اقام السيد مقتدى صلاة الظهر والعصر جماعة في مكان ابيه -والاوضاع ما زالت طبيعية- فانطلقت صيحات الصلوات على النبي وآله من الموالين واختلطت بدموع وانين المفجوعين بالسيد الشهيد وارتفعت الاصوات فقام الضابط المشرف على امن الصحن الشريف بتصرفٍ عوقب عليه فيما بعد حيث امر باغلاق ابواب الصحن الشريف عدا واحدة فحصل ارباك لدى الزائرين وفرارهم وما إن خرج جمع الفارين الى خارج الصحن حتى حصل ارباك واختلال الوضع في الشوارع والاسواق المحيطة فاغلقت الاسواق وفر الناس        -الذين هم اصلاً على وجل- باتجاه خارج المدينة وكلما مر جمع الفارين بمنطقة او سوق او شارع انضم هؤلاء اليهم حتى وصلت مسيرتهم على مسافة عدة كيلو مترات وهكذا ساد الوجوم والصمت الحذر والاجواء المكهربة ممتزجة مع مشاعر الحزن والاسى باستشهاد السيد (قدس سره) الذي علقت الجماهير به آمالها فذهبت ادراج الرياح وانضم اليها الشعور بالندم على التقصير في نصرته فضلاً عن معاداته والوقوف في وجهه وتشويه صورته وها هو يسقط مضرجاً بدمائه في سبيل الدين والمذهب واداء وظيفة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

واجتماع هذه العوامل جعل مجلس العزاء الذي اقيم في مسجد صافي الصفا مما قل نظيره فقد امتدت صفوف المستقبلين من المسجد الى الصحن الشريف وهي مسافة مئات الامتار فضلاً عن المسجد والسرادقات التي اقيمت بجنبه هذا ومدينة النجف مطوقة بالجيش لا يستطيع احدٌ ان يدخل اليها الا اذا ثبت انه من ساكنيها فعاشت المدينة حصاراً كاملاً لمدة تزيد على اسبوعين ومنع كل من وفد الى النجف لحضور المجلس بما فيهم بعض اقربائه (قدس سره) الا الوفود الرسمية او من حصل على اذن خاص من الجهات المختصة.

 

وكان من المقرر ان يستمر المجلس عشرة ايام الا ان السلطة قلصته الى خمسة ثم الى ثلاثة مما اوجب امتعاضاً لدى ذوي الفقيد فقرروا الغاء مجلس قراءة الفاتحة في اليوم الثاني لكن السلطة اجبرتهم على الاستمر باعتبار ان وفداً يمثل صداماً سيأتي يتقدمهم نائبه لرئاسة الوزراء محمد حمزة الزبيدي فاعيد انعقاد المجلس وختم عند غروب شمس اليوم الثالث ولم يستمر الى الليل.

 

وفي اول ايام المجلس (السبت) اجمعوا على تقديمي لامامة الصلاة جماعة ورفضت اولاً لعدم رغبتي في تسليط الاضواء عليَ الا انني استجبت لاصرارهم، وكان الخطيب الذي ختم المجلس بمحاضرة دينية هو السيد محمد الصافي الذي الهب عواطف الحاضرين وكانت الجماهير تنتظر لحظة اعتلائه المنبر حتى تطلق زفراتها واناتها واصواتها المرتفعة بالبكاء يحفزهم في ذلك صوته الشجي وطريقته الحزينة.

 

 

 

وقد سجل الدكتور علي حسن الشمري المختص بامراض الباطنية والقلبية مشاهداته للحظات الاخيرة من حياة السيد الشهيد (قدس سره) وولديه وهو من مقلديه ومحبيه وعارفي فضله حيث كان من القلائل الذين حضروها فكتب المذكرة التالية:

 

(هذا اليوم الجمعة المصادف (19/2/1999) يوم اسود في حياة الناس في العراق وخصوصاً شيعة محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قتلت الايدي الاثيمة المجاهد الوطني العراقي الامامي السيد محمد صادق الصدر وابنيه الاكبر السيد مصطفى والسيد مؤمل، وكان زميلي قد قال لي بان عليّ ان اذهب الى المستشفى بدلاً منه لتأدية الواجب وعندما ذهبت وجدت قوات الامن منعت الناس من دخول المستشفى عدا الاطباء ودخلت ردهة الطوارئ وقد علمت ان هناك محاولة اغتيال تعرض لها السيد الجليل زعيم الشيعة السيد محمد الصدر وقد انصدمت عندما رأيت المنظر كان ابنه السيد مؤمل سائق والده في آخر رمق من الحياة والاطباء حوله كانهم نحل عاجزين ان يقدموا له أي شيء بعد ان نفذت الطلقات صدره الشريف وعلى السرير الآخر كان هناك السيد مصطفى كان وجهه ازرق وكان في وعي مشوش وكان يقول يا امي يا امي ثم بعد حين كان يقول يا الله يا الله قلت لزملائي اين السيد الاكبر اين السيد محمد كانت الوجوه حزينة وهمس احد طلابي قائلاً البقاء في حياتك قلت غير مصدق، هل سمعتم صدره ؟ هل فحصتموه ؟ اريد ان اراه ؟

 

كانت قوات الامن تحرس المكان الذي وضع فيه السيد الصدر، قلت لهم افسحوا لي لكي اراه وافقوا على مضض ودخلت الغرفة وجدت المنظر رهيب وجه السيد محمد الصدر شاحب وخالي من الدم وعندما رفعت رأسه الشريف وجدت الطلق الناري قد دخل رأسه الشريف من الخلف استرجعت وحاولت اعتناق السيد لكن الشرطي قال لي: هل انتهيت يا دكتور وعلمت انهم كانوا يخفون الخبر عن ولده السيد مقتدى الذي كان في باب الطوارئ لا يدري ماذا يعمل عدت الى السيد مؤمل الذي ضعف قلبه كثيراً ولا اكاد اسمع ضربات قلبه تعمل حاول زملائي كل شيء ولكنه فارق الحياة. كنت أأمل ان السيد مصطفى حالته احسن حيث كان تنفسه جيداً وكان قلبه يعمل بصورة جيدة ولكن النزف اخذه وعندما رأيت ظهره كان هناك منفذ الى اربع طلقات نارية وكان النزف مستمراً. يا الهي ان حالته غير مستقرة كان بحاجة الى تداخل جراحي سريع ولكن بدأت حالته تتردى وفقد الوعي نهائياً وفارق الدنيا ..  يا الهي ماذا اعمل، هذا امامي وهذان ولداه قد فارقوا الدنيا، ماذا اعمل لا استطيع ان اخبر ابنه ولا حتى احد الشيوخ الذين كانوا قريباً من عندي.

 

وهكذا انتهت حياة السيد الجهادية وحيث انه اقام صلاة الجمعة المعطلة وكان جريئاً في خطابته وانتقد عدة مواقف كانت تقف امام الدين وانتقد عدة فئات من الشعب وكان يرجو صلاح هذه الفئات وانتقد المارقين عن الدين عدة انتقادات وكان آخر ما انتقده في هذه الجمعة رقم (45) الغجر والذين وضعوا الغجر وجاء السهم سريعاً حيث ان الغجر لم يمهلوا السيد حتى المساء وتربصوا له ووضعوا له فخاً عندما سألت احد الحاضرين اين تم قتل السيد وابنائه قال لي قرب مركز المدينة، ونحن النجفيون في تلك الليلة مستغربين من وجود التيار الكهربائي في المحافظة حيث اننا ومنذ شهر رمضان كان التيار الكهربائي عندنا بمعدل ساعتين في كل 24 ساعة وكما ان مقتل السيد حصل في وقت قريب بعد انتهاء صلاة العشاء حيث كان السيد محمد مع ابنه السيد مؤمل والسيد مصطفى وبالقرب من سكناهم في حي الحنانة كان القتلة المجرمون ينتظرون السيد والمكان أظلم وكان اللاسلكي يعمل ويخبر القتلة بأن السيد سيصل بعد قريب بسيارة ميتسوبيشي رصاصي وخلال دقائق صدر صوت الرشاش المدوي وخلال لحظات تجمعت سيارات الأمن الداخلي ومنعت الناس)، انتهى ما ذكره الدكتور علي الشمري. 

 



 

 

 

محطات سريعة 

 

 

 

¯ في بداية مرجعية السيد الشهيد (قدس سره) عام (1993) كنا مدعوين لتناول العشاء في بيت ولده الشهيد السيد مصطفى ومما دار من حديث:

 

قلت له مستغرباً: كيف يمكن ان يكون الطالب اعلم من استاذه في حياة الاستاذ، والمفروض ان ما عند الاستاذ اوسع وكلاهما يتقدمان ؟

 

فقال: يمكن ذلك، فمثلاً، انت بعد عشر سنوات يمكن ان تكون اعلم العلماء.

 

وكنت أرى عدم امكان مجاراته فضلاً عن ان اكون اعلم منه وهو في الحياة ولم ادر انه حينما صرحت باجتهادي بعد عشر سنين فعلاً سنة (2003) لم يكن هو (قدس سره) على قيد الحياة.

 

 

 

¯ بعد إقامة صلاة الجمعة في وسط وجنوب العراق لم يقمها (قدس سره) في حدود النجف للحساسية الموجودة، وقال له أحدهم: اذا لم تقمها بنفسك فعين من يقيمها بدلاً عنك. فقال (قدس سره): من هذا الذي (أكبر رأسه) واعينه اماماً للجمعة هنا.

 

وزرته مساء الجمعة التي سبقت عيد الغدير (1418) ففاتحني بموضوع ان اقيم صلاة الجمعة في الكوفة، فقال: ان ذلك سيكون حجة على جميع المرجعيات لانه لا احد يشكك في عدالتك وان وقفوا مني موقفاً مضاداً وأخذوا عليّ بعض الأمور لكنه (قدس سره) لم يرد ان يفاتحني بالأمر جهرة خشية انتشار الخبر قبل ابرامه فكتب (قدس سره) في ورقة صغيرة.

 

فقلت له: انني منذ ايام افكر بضرورة اقامة صلاة الجمعة في الكوفة وبصدد الاقتراح عليك ان يتصدى لها من تثقون به من الفضلاء ان لم تقمها بنفسك ولما كنت اعلم ان أول اسم سيرد على الذهن هو انا فقد استخرت الله تبارك وتعالى في المضي على هذا الامر فكانت النتيجة المنع وان الترك جيد فاعرضت عن الأمر. قال (قدس سره): فكر في الأمر فان تلك الاستخارتين كانتا فيما لو انت عرضت الموضوع وهذه المرة انا اعرضه فاخذت منه موعداً خاصاً وشرحت له ان سبب الاستخارة امران:

 

1- انني متخلف عن الخدمة العسكرية وهو يعرضني لعقوبة قاسية ايسرها ان انزع الزي الديني والتحق بالخدمة واخشى ان يفتضح امري ان تصديت لإمامة الصلاة باعتبار تركيز الاضواء عليَّ من قبل ازلام النظام.

 

2- انني اشعر بالحرج النفسي الشديد ان اكون اماماً ويكون السيد الصدر مأموماً ولا اطيق تحمل هذا الامر.

 

فقال (قدس سره): استخير انا على الأمر فاستخار على ان يبقيني للامامة ويختار غيري للخطابة فكانت غير جيدة واستخار على اعفائي فكانت جيدة واتذكر ان الآية كانت (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) فاعفاني وتصدى هو (قدس سره) حتى نال شرف الشهادة.

 

 

 

¯ كنت طالباً ادرس اللمعة في جامعة النجف الدينية سنة (1413) فاجرى لنا المرحوم السيد محمد كلانتر (قدس سره) امتحاناً فكلفني في تحقيق مسألة (ان ابن العم الأبويني يحجب العم الأبي من الميراث) أي ان ابن العم من الأبوين يرث مع وجود العم للأب وحده ويمنعه من الميراث وهو خلاف القاعدة فبحثت بحثاً استدلالياً في المسألة وكنت ولعاً بمثل هذه المحاولات وحررت ادلة القائلين وهما النص والاجماع وناقشتهما وتوصلت الى ان جذور المسألة عقائدية كلامية وان الدليل غير تام وناقشت السيد كلانتر (قدس سره) نفسه الذي نسب الرواية الى الإمام الباقر (عليه السلام) وهي مبتدئة بـ(محمد بن علي بن الحسين) الذي هو الشيخ الصدوق الذي شابه اسم الإمام الباقر (عليه السلام) واستغرق عدة صفحات، وكشفت عن قابلية جيدة وعرضتها بعدئذ على استاذي السيد الصدر (قدس سره) ولم يكن قد صدر كتاب الميراث من رسالته العملية فأفتى فيها بعدئذ بالاستشكال على هذه الفتوى رغم انها تسمى (المسألة الاجماعية) واحتاط فيها وجوباً، ولا زلت احتفظ بالبحث.

 

 

 

¯ كتب لي مرة في رسالة مطولة اجابة على رسالة مثلها في مناقشة بعض الأمور فقال (قدس سره):

 

انني لو فكرت فيمن يخلفني في المرجعية لكنت انت على رأس القائمة واني افكر بالتمهيد لذلك بان تقيم صلاة الجماعة في مكاني في الحرم الشريف كان ذلك في نهاية جمادى الأولى (1418).

 

 

 

¯ في احد دروسه (قدس سره) في الاصول ناقش رأياً لاحد اساتذته       - وهو السيد الشهيد الصدر الاول (قدس سره)- بعدة مناقشات وبعد الدرس رددت مناقشاته وقلت: ان الصحيح في الرد على الاستاذ كذا وكذا. فنظر في وجهي مبتسماً وقال: ان هذه المناقشات تفرحني لانها تقربك من الاجتهاد، كان ذلك عام (1417).

 

 

 

¯ حينما انجزت كتاب الرياضيات للفقيه عرضته عليه (قدس سره) قبل طبعة لان فيه مناقشات عديدة معه (قدس سره) وخشيت ان يكون في اخراجها حساسية ومخالفة لادب التلميذ مع استاذه فاخذ المخطوطة واعادها عليّ اليوم التالي مسلماً بصحة الاشكالات وقال: الذي لفت انتباهي ان توافقاً عجيباً بينه وبين كتاب الاسس المنطقية للاستقراء للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) الا ان كتابك بمثابة الصغرى وذاك بمثابة الكبرى.

 

 

 

¯ لما كتب (قدس سره) تقريضه لكتاب المشتق عند الاصوليين الذي جعل (قدس سره) القسم الاول منه الجزء الثاني من موسوعته الاصولية (منهج الاصول) عرض ما كتبه عليَّ لطفاً منه وادباً وسألني إن كان لديَّ تعليق.

 

وبعد ان اعتذرت من تواضعه علّقت على الفقرة الاخيرة من الكلمة التي يدعوا الله فيها ان يجعلني من المراجع الطيبين والقادة المخلصين، فقلت ان هذه الفقرة تسلّط الاضواء عليَّ والوقت ما زال مبكراً، فقال (قدس سره): انا متعمد لتثبيت هذه الفقرة لانني حينما اموت سوف لن أكون موجوداً حتى اقول لهم ارجعوا الى محمد اليعقوبي.

 

كان ذلك في شهر رمضان سنة (1418). 

 



 






(((1) وقد كتبت اشكال هذا التخطيط في بحث (كيف خطط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للخلافة من بعده) ونشر في كتاب (من وحي الغدير) ولم أطبق الفكرة على سيرة السيد الصدر (قدس سره) الا ان الفطِن لا يخفى عليه ذلك بجمع النصوص الواردة في المسألة.



(1) تارة يكون الكلام بصيغة الغائب واخرى بصيغة المتكلم ومصدر الكتابة واحد.



(1) ديوان الشيخ يعقوب الحاج جعفر. 



([1]) أي وفق الاطروحة التي قدمتها له (قدس سره). 



([2]) شُرِحت بعض هذه الافكار فيما بعد في كتاب (شكوى القرآن). 



([3]) لم يكن (قدس سره) آنذاك يعلم شيئاً تفصيلياً عن المرسل وقد انقطعت الرسائل فترة لظروف اعاقت استمرارها، وربما كان الى ذلك الحين يظن ان المرسل هو نفس الواسطة أي زيد البغدادي. 



( [4]، 2 ، 3) يعني السيد الشهيد الصدر الاول (قدس سره) ولم نكن نستطيع التصريح بالاسماء المخالفة للتقية خشية وقوع الاوراق في أيدي جلاوزة أمن النظام وقد كنّا نستعمل بعض المصطلحات ونضعها بين اقواس للاشارة الى معانيها الخاصة لقساوة الظروف وخشية وقوع الاوراق في ايد معادية، فـ(عمل) أي عمل جهادي و(واعين) أي علماء مجاهدين حركيين. وقد مر لفظ (الليل) الذي يعني زمن سيطرة الظلم ويقابله (الفجر) الذي يعني انحساره باذن الله تعالى. 



 



 



(1) أي الذين يتفرغون للجهد العلمي ولا ينشغلون بالعمل الاجتماعي.



(1) عرف فيما بعد انه المرحوم الحاج عبد الزهراء الگرعاوي.



(1) أي جدي المرحوم الشيخ محمد علي اليعقوبي. 



(1) يقصد المرحوم الحاج عبد الزهراء الگرعاوي.



(1) هو شخص عرفته عام 1974 عندما كنت طالباً في مدرسة الامام الجواد (عليه السلام)  الاهلية التي كانت من المؤسسات الشيعية التي تحظى بتأييد السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) ودعمه وكانت شقيقته الشهيدة بنت الهدى مشرفة على مدرسة الاناث وكان الاستاذ محمد مشرفاً عاماً على المدارس وقد عرف بحسه الثوري الحركي وقد اصدر عدة كتب في هذا الاتجاه منذ ان كان طالباً في كلية القانون في منتصف الستينات ومنها كتاب (الاسلام ومعركة المصير الانساني) وبعد فراق عدة سنين اعتقل هو خلالها وجدته فجأة قاضياً لمحكمة الاحوال الشخصية في النجف فاعدت التعريف عليه واستمرت علاقتنا ومن ثم تعرف (او قل اعاد التعريف) بالسيد الصدر بواسطتي وصادف اكثر من مرة ان صحبت السيد لزيارته في داره او صحبته هو لزيارة السيد في داره.



(1) راجع كتاب الرياضيات للفقيه وكتاب القول الفصل في احكام الخل. 

5637190